«إمحوتب» أول مهندس عرفه التاريخ

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
أستطيع أن أقولَ بكل ثقةٍ أنّ «إمحوتب» هو واحدٌ من أعظم العقول التي أنجبتها مصر، بل من أعظمِ العقولِ على مدار التاريخ الإنساني والبشري كلِّه، لهذا أطلق عليه المؤرخون لقب «عبقريّ الدنيا الأصلي»، وسأبرهنُ بعد قليلٍ أنَّ هذا ليس بمبالغةٍ أبدًا، بل إنه لا يُمثِّل مثقالَ ذرةٍ في وصفِ هذا الرجل العظيم.[1]

«إمحوتب» باللغة المصرية القديمة، أو «الرجل الذي جاء في سلام»، كما هو معنى اسمه باللغة العربية [2]، سيتضح أنه اسمٌ على مُسمَّى، فما بين مولدِه في سلام، وحياتِه التي جلبت للناس السلامَ، ثم موتِه بعد ذلك في سلامٍ، حيثُ رحل بلا أثر، حتى شك المؤرخون في وجوده، كأنما ما وُجِدَ في التاريخِ رجلٌ بهذا الاسم.

إمحوتب المهندس

وُلد مهندسنُا العظيمُ إمحوتب في قرية (عنخطو- Ankhtowe) بالقُرب من مدينة «منفيس» عاصمة مصر القديمة، والتي يقع مكانُها الحالي في مدينة البدرشين بمحافظة الجيزة. وُلد في اليوم السادس عشر من شهر «أبيب» وهو الشهر الثالث من موسم الحصاد، الذي يوافق حسب تقويمنا الآن يوم الحادي والثلاثين من شهر مايو[3]، ولكن للأسف لا نعلم تحديدًا في أيِّ سنة وُلد. ولكننا نعلم أنه كان معاصرًا للملك زوسر، وهو الملك الثاني من ملوك الأسرة الثالثة، الذي حكم بين عام 2630 إلى 2611 قبل الميلاد.

كان والد إمحوتب مهندسًا معماريًا مشهورًا وكان يُدعى (كانوفر)، ووالدته (خريدونخ) التي تم تقديسها فيما بعد جنبًا إلى جنب مع ابنها -الذي سيصير إلهًا-، كما كانت تجري عليه العادة المصرية.[2]

استطاع إمحوتب الوصولَ إلى مكانةٍ عاليةٍ في القصرِ الملكي، لأنه كان من الأشخاصِ القليلين جدًا في المجتمعِ المصري الذين يستطيعون القراءةَ والكتابةَ، والذين كانت تُشكِّل نسبتُهم حوالي 1% فقط من المجتمعِ كلِّه.[4]

تمكن إمحوتب من التدرجِ في المناصبِ العليا حتى وصل إلى أن عيَّنَهُ الملكُ كأعلى مسؤولٍ حكوميٍ وجعله وزيرًا ومستشارًا له، وقد كان مستشارًا سياسيًّا ودينيًّا وعلميًّا للملك زوسر.

بل إنه وصل إلى أعلى الدرجات حين بنى أولَ هرمٍ في التاريخ وهو هرم سقارة، حيث اعتاد الملوكُ أن يُدفنوا في بناء يعلو على الأرض قليلًا اسمه «المصطبة»، وكان يأحذ الشكل كما في الصورة.

المصطبة الفرعونية
المصطبة الفرعونية

واعتاد المصريون دفنَ ملوكِهم في مقبرةٍ تأخذُ هذا الشكل، إلى أنْ جاءَ الملكُ زوسر، ومهندسُه العظيم إمحوتب، وغيَّرا وجهَ تاريخ مصر إلى الأبد، وبنى إمحوتب أولَ هرمٍ مُدرج عرفته البشرية.

بدأ إمحوتب بناءَ الهرم على مرحلتين استغرقتا عشرين عامًا، بدأها بهرمٍ صغير، ثم ألحقَ بها أجزاءً أخرى ليزيدَ من حجم الهرم.

رسم توضيحي لمراحل بناء هرم زوسر
رسم توضيحي لمراحل بناء هرم زوسر

فكما هو مُوضّح في الصورة السابقة[5]، فقد بدأ ببناءِ الجزء P1 أولًا، حيث يُشكل هرمًا صغيرًا، ثم أكمل بعدها بناءَ الجزء P2، حيث أراد إمحوتب تصميمَ الهرم على شكل سُلَّمٍ مُدرَّجٍ، لسهولةِ صعود الملك إلى السماء بعد أن يُحيَى من موتِه.يصل طول الهرم إلى 203 قدم، أي ما يساوي 62 متر تقريبًا، وهو ما يعتبر أطول بناء شهدته الدنيا وقتها.

ولشدة براعة إمحوتب في تشييده لهذا البناء، فقد فشل الناسُ في أن يشيدوا بناءً مثله لمدة مائة عام، إلى أن جاؤوا بعد قرنٍ كاملٍ من الزمانِ وبدؤوا بناءَ أهرامات الجيزة الكبرى، التي اعتمدوا في تصميمِها على تصميمِ إمحوتب الأصلي.

لم يهتم إمحوتب فقط بالتصميمِ الظاهرِ والعلوي للهرم وحسب، بل لقد أولى اهتمامًا بالغًا بما تحت الهرم، حيث سيُدفن الملك. ومن أجلِ الحفاظِ على جثمانِ الملكِ وممتلكاتِه آمنة من أيدي اللصوصِ؛ أنشأ إمحوتب ممراتٍ تحت الهرم بطول ثلاثة أميال، فيها ما يقرب من أربعمائة غرفة تحوي كل شيء من الشرابِ والطعامِ والثيابِ والذهبِ والجواهر.

كما صنع إمحوتب متاهةً كاملةً تحت الهرم، فيها طُرُقٌ طويلةٌ مسدودة، وممراتٌ خاطئة، وأبوابٌ مغلقة، لحماية كل ما في داخل القبر من كنوز، ثم جاء إلى الغرفة التي سيُدفن فيها الملك، وأنشأها تحت عمودٍ يصل طوله إلى 90 قدم تحت الأرض، وأغلقها من جميع النوافذ ووضع على رأسها حجرًا يصل وزنه إلى ثلاثة أطنانٍ ونصف.

والصورة التالية توضح البنية التحتية للهرم.[6]

البنية التحتية لهرم زوسر
البنية التحتية لهرم زوسر

ليس هذا فحسب، بل اعتنى إمحوتب بالشكل والمظهر الخارجي للهرم اعتناءً بالغًا، فنستطيع أن نرى كيف أدخل هذا المهندسُ البارعُ عناصرَ جديدةً في فنِّ العمارة، منها استخدام جذوع النخل وحزم نبات البردي، -وهي العادة المستمرة حتى يوم الناس هذا في العمارة الريفية-. واستخدم أيضًا البوابة الخشبية، وغطى الجدران بالقيشاني الذي يعد أقدم بلاط قيشاني في العالم، ويتسم بالذوق الرفيع.

وقد ثبَّت هذا القيشاني بثقبين صغيرين يمر فيهما خيط من الكتان أو الجلد، ورصَّ كُلَّ واحدةٍ بجوار الأخرى بصورةٍ تشبه الحصير، وجزء من هذا الحائط القيشاني محفوظ الآن في المتحف المصري بالقاهرة.

وتلك صورة[7] من هذا الحائط الذي صممه إمحوتب، لكم أن تستمتعوا بروعتها.

حائط القيشاني
حائط القيشاني

كما ذكرتُ من قبل أن إمحوتب تولى مناصبَ لم يصل إليها شخصٌ قبله، فكان هو المستشار والكاهن والوزير للملك زوسر، فإنه بصفته كاهن، فهو المسؤول عن الإشراف على عمليةِ التحنيط، وهنا سنكتشف موهبةً جديدةً لمهندسنا العظيم.

إمحوتب الطبيب

أتقن إمحوتب عميلةَ التحنيط، وقام هو شخصيًا بتحنيط الملك، ويظهر إتقانُه لتشريح الجسم البشري ومعرفتُه الطبية بشكل بارز فيما وُجِدَ من بقايا جسم الملك زوسر. فحين دخل علماء الآثار مقبرة الملك زوسر عام 1934 وجدوا جذعَه وذراعَه اليمنى وقدمَه اليسرى، ويبدو بشكلٍ جليٍّ وواضحٍ أن الذي أشرفَ على تحنيطِ الجسم هو شخصٌ مُتقنٌ تمامًا ومُلمٌّ بعلوم الجسم البشري، فقد لفّ الضمادات الكتّانية حول الجسد بأفضل ما يكون.[8]

ليس هذا فحسب، بل اكتشف علماءَ الآثار دليلًا أثريًا يدل على أن إمحوتب كان لديه معملٌ ومختبرٌ مثاليٌ ورائع لمزوالة الطب، حيث اكتشف الدكتور زاهي حواس في عام 1990 بالقرب من الأهرامات، مَجْمَعًا ومدفنًا جماعيًّا للعمال المصريين الذين بنوا الأهرامات[9]، وبعد أن أرسلها إلى معامل حديثة للكشفِ على هذه الهياكل بالأشعة السينية، تبيَّن أنها كانت لمرضى لديهم إصابات، والجميل في الأمر أن بعضَ هذه الإصابات بالفعل قد تم علاجها.[10]

بل لقد وجدوا أيضًا أنَّ بعضَ كسور اليد قد عولجت عن طريق تجبير الكسور، بل الأكثر إمتاعًا وجمالًا أنَّ بعضَ المرضى قد بُتِرت ساقُهم، وتمكّنوا من العيشِ لسنواتٍ بعد بتر الساق، وهذا يعني أنهم لم يتلقوا علاجًا جيدًا فحسب، بل ومتابعةً طبيةً رائعةً.[11]

بل دعوني أسُوقُ لكم أهمَّ ما توصلوا إليه، وهو رصد مرضَى قد عانوا من السرطان، وقد استطاع الأطباءُ المصريون إجراءَ أولَ عميلةٍ جراحيةٍ في التاريخِ، وكانت عبارة عن ثقبٍ في الجمجمة ليخففَ من آلام أولئك الذين يعانون من السرطان بسبب الأورام التي في أدمغتهم.[10]

وكباني أوَّلَ هرمٍ في التاريخ، فيبدو أن إمحوتب قد عالج الأمراض التي عانى منها العمال، وترأَس أول مركز علاجي في العالم، بل دعوني أزيدكم من الشعر بيتًا، قد رجّح بعضُ العلماء أن بردية «إدوين سميث» والتي سُميت على اسم أول مالك لها، التي تُعدّ أقدم مخطوطة طبية في العالم، التي يرجع تاريخها إلى عام 1600 قبل الميلاد، قد رجحوا أن كاتبها ومؤلفها هو إمحوتب.[12]

تكمن الأهمية العظيمة لهذه البردية ليس فقط لكونها أقدم مصدر طبي على الإطلاق، بل لأنها تحتوي على طرق علمية رصينة في التعامل مع المرضى، فتصف البردية 48 حالة من الجروح وآلام العمود الفقري، حيث تبدأ مُرتَّبَةً من الجمجمة والرقبة والأطراف العلوية والصدر ثم العمود الفقري والأطراف السفلية. تبدو البردية مُرتَّبَةً بشكل مذهل (وأترجم ترجمةً حرفية من الورقة العلمية التي تتحدث عن البردية حيث قالوا: The papyrus is astonishingly well structured) حيث تبدأ بالعنوان، ثم التعليمات المتبعة لعملية الكشف، ثم وصف الأعراض، ثم التشخيص، ثم الاستنتاج، ثم وصف الأدوية للمريض، ثم خانة إضافة تسمى «توضيحات» لتفسير بعض المصطلحات التي تبدو غير مألوفة للقارئ. بل إن فيها أقدم تشخيص في العالم لصدمات العمود الفقري والحبل الشوكي. كما أن بها شروحات كأنها ورقة تعليمية للأطباء عن كيفية تعاملهم مع هذه الصدمات، حيث أكد كاتبها على توخي الحذر الشديد أثناء التعامل مع مريض صدمات الحبل الشوكي. وكان بها أيضًا خانة إضافية لوصف كل مرض هل يمكن علاجه أم لا. ثم كتبوا بجوار صدمات الحبل الشوكي (هذه حالة ليس لها علاج) وحتى هذه اللحظة، ومنذ كتبها المصريون القدماء، وهذا المرض ليس له علاج.[18]

وإن صحت نسبة هذه البردية إلى إمحوتب، فهذا يعني أن إمحوتب قد مارس الطبَ الحديث قبل أبقراط الملقب بـ«أبي الطب» بأكثر من ألفي عام.[13]

لم يمارس إمحوتب الطب فقط، بل لقد وضع القوانين الأخلاقية للطب قبل أقبراط أيضًا، حيث أريد هنا أن أُوردَ عبارةً قالها من أروع ما يكون:[14]

لا تسخر من الإنسان الذي به إعاقة، ولا تسخر من الذي فقد بصرَه، ولا تضحك من الرجل الذي عقلُه فى يد الله [يقصد المريض العقلي].

ومن هنا تتضح المكانة التي أولاها إمحوتب إلى المرضى العقليين، حيث لم يسخر أبدًا منهم، بل وصفهم بأن عقولهم في يد الله.

نظرًا لهذه البراعة المنقطعة النظير التي اتصف بها إمحوتب، فيكفي تدليلًا على ذلك أنَّ جميعَ التماثيل المصنوعة له، كلها تصوره وهو جالسٌ وفي يديه ورقة يقرأ فيها. فلكم أن تتخيلوا معي كيف كانت حال هذا الرجل وحبه للعلم، حتى تكونَ جميعُ تماثيله تصوره وهو في حالٍ واحدةٍ فقط، وهي حالُهُ وهو جالسٌ يطلب العلم ويحمل بين يديه أوراقًا يقرأ فيها.

نظرًا لهذه البراعة الفذة، فقد قدسه الناسُ مع مرور الزمن، وصار إمحوتب إلهًا للطب والعلم بعد 2000 سنة من وفاته في عصر البطالمة، حيث عبده شعوب اليونان أيضًا، وكانوا يسافرون إلى قبرِه طلبًا للشفاء. وقد انتشرت عنه الحكايات والأساطير، حتى اعتبره المؤرخون أسطورةً لا وجود لها في الحقيقة. وظلَّ الناسُ يعاملون إمحوتب على إنه أسطورةٌ خياليةٌ لا وجود لها في التاريخ مدة طويلة من الزمن.

ولكن تأبى الحقيقةُ إلا أن تظهرَ مهما طالت السنون والأزمان، فبعد اكتشافِ حجر رشيد، وتمكنّا من قراءة اللغة المصرية القديمة، بدا اسم إمحوتب يتردد بشكلٍ عجيبٍ ومُستمرٍ دائمًا، فأي مكانة وأي موضع ناله هذا الرجل!

ولتتأكدَ الحقيقةُ أكثر وأكثر، ففي عام 1926 وجد الباحثُ الأثريُ «خور سلسيل» قاعدةَ تمثال الملك زوسر، المنحوت عليها اسم إمحوتب، والذي لُقِّبَ بألقابٍ لم يبلغها أحدٌ مثلُه، فوجدوا مكتوبًا عنه أنه

  • مستشار ملك صعيد مصر.
  • الأول بعد ملك مصر العليا.
  • مصمم القصر العظيم.
  • كبير كهنة هيليوبليس.
  • باني الهرم العظيم.
  • وناظر القصر العالي.[15]

كل هذه الألقاب كانت لشخصٍ واحد، هو إمحوتب، هذا المهندس والطبيب والفيلسوف، ثم بعد ذلك الإله المصري العظيم.

إمحوتب الأديب

كتب إمحوتب كتاباتٍ عديدة في مجالاتٍ كثيرة، ولا بد أن نذكر لهذا الرجل فضله على اللغة المصرية القديمة، فقالوا: «إنه أوَّل مَن أدخل الأفعال في اللغة المصرية». ففي الوقت الذي كانت اللغة المصرية فيه عبارة عن مجموعة من الصور، ولكل صورة منهم معنى، فقد واجه المصريون مشكلةً كبيرة حين زاد عدد الصور بحيثُ تجاوز الألف، وحينها أدركوا أن الكلام ليس أسماءً فقط، بل هو أفعال أيضًا. فليس من الممكن أن نستخدم صورة العين لكي نستدل بها على العين، ونستخدمها أيضًا لنقصد بها فعل «يرى».[16]

وهنا تدخل إمحوتب ليدلو بدلوه، فطوّر استخدامات الصور، فإذا أُضيفت الصورة إلى رجل بعد أدوات الكتابة، فكان هذا دلالة على «الكاتب»، بينما إذا أضيفت بردية مع أدوات الكتابة، فتكون هذه دلالة على فعل «يكتب» وليس على «الكاتب».

صورة توضح الفرق بين الاسم والفعل
صورة توضح الفرق بين الاسم والفعل

وأريد في النهاية أن أنقل لكم نصًّا أدبيًّا كتبه إمحوتب، يُعرف بـ«أغنية الهارب»، الذي استمر المصريون في ترديده حتى فتراتٍ متأخرةٍ من التاريخ المصري، التي تكشف بعضًا من عُمْق تفكير وفلسفة إمحوتب، الذي استطاع من خلال أشعاره أن يُعلِّم الإنسانَ قيمة الحياة، وكيف يصنع من الحزنِ فرحًا.[17]

الكلُ يذهب.. الفقيرُ والنبيل.. ومن ادّعى الألوهية
ماذا بقي من القصورِ بعد أن غابت الحياة؟
هل عاد إلينا أحدٌ منهم؟
نعرف أنّ أحدًا لن يعود، فلنقل: هذا جميل، ولنسعدْ به
ولنحيَ بإحساسٍ نابعٍ من القلب، ونندهش دائمًا، فربما نلتقط السعادةَ.

خاتمة

هذا هو إمحوتب، أردت أن أقدمَه لكم في سطور، لعلكم تحبونه كما أحبه، ولنعمل كي نكونَ مثله، فما أحوجنا أن نرى من أبناء جيلنا الآن من يكونون خلفًا لأجدادهم العظماء الذين أبهروا الدنيا بعلومهم، وقادوا العالم بعقولهم وإنجازاتهم، يا ليتنا نستحقُ أن نكونَ أبناءً لهؤلاء العظام.

 

فريق الإعداد

إعداد: محمد رضا
مراجعة علمية: عُمر بكر محمد
تحرير: داليا شافعي السيد
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments