أدب الديستوبيا (المدينة الفاسدة)

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
 

إذا كان أدبُ اليوتويبا -المدينةُ الفاضلة- يُمثلُ الرؤيةَ المثالية لعالمٍ لا يُمكن أن يوجدَ سوى في أحلامنا، فإن أدبَ الديستوبيا-المدينةَ الفاسدة-يُمثلُ الكابوسَ الذي نخشى أن يتحولَ لحقيقةٍ في المستقبل.

أدب الديستوبيا (المدينة الفاسدة)
CCTV Cameras In Operation

تخيّل أنك تعيشُ في مجتمعٍ تَحكمُه مُنظمةٌ قمعية، يُسيطرُ عليها مجموعةٌ من النخبةِ الحاكمة. قد تكون حكومةً مستبدة، أو مؤسسةً دينية، أو شركةً ذات نفوذٍ عالميٍّ له مُطلقْ القوة. وبينما تتحكمُ هذه المنظمةُ في كلِ نواحي حياتك؛ يُفرضُ عليك أيضًا ما يجب أن تفكرَ فيه، وكيف تتعاملُ مع الآخرين من خلالِ وسائل الإعلام والدعايةِ الكاذبة، وغسيلِ الدماغ الجماعيّ. لا يُتغاضى عن أفكارِك الشخصية، وأفعالِك التي قد تخالفُ ما هو مسموحٌ به، ولا تمرُ دونَ عقابٍ مُروّع، إذا اكتشفتها السُلطاتُ الحاكمة.

تعيشُ في رعبٍ مُقيم من تخطي الحدودِ المَسمُوحِ بها، حيث إن كلَ زميلٍ لك في العمل أو حتى أحد أفرادِ أسرتك المُقربين ربما يكونُ مُخبرًا آخرًا يعملُ لصالحِ هذه السُلطات. حياتُك مثقلةٌ بالفقرِ المُدقَع؛ تُمنح الفتاتِ؛ كي تتمكنَ فقط من البقاءِ على قيدِ الحياة. ورغم كلِ ذلك، يجب أن تكون مُتأهبًا؛ لتعطيَ كلَ ما لديك -بما في ذلك حياتُك نفسها- لمن يَحكموك. وما يثيرُ الكآبة حقًا، هو أنك -في حقيقةِ الأمر- لا تملكُ أيّ أملٍ في التغيير.
هذه لم تكن سوى رؤيةٍ واحدة من تخيلاتِ أدب الديستوبيا أو المدينةِ الفاسدة.

 

ما الديستوبيا، وما أدب الديستوبيا؟

الديستوبيا (Dystopia): تصورٌ مستقبليٌّ مُظلمٌ للعَالم، حيث تسودُه السيطرةُ المجتمعيّة الجائرة، ووهمُ المجتمع المثاليّ من قِبل أنظمةٍ شموليةٍ أو بيروقراطيةٍ أو أخلاقيةٍ أو حتى تكنولوجية. يحاولُ أدبُ الديستوبيا -في أسوء تصورٍ له- انتقادَ الاتجاهاتِ، والمعايير المجتمعيّة أو الأنظمة السياسية في الوقتِ الحاضر.

وتشملُ بعضُ خصائصِ المجتمع الديستويوبيّ على: وسائلِ الإعلام والدعاية الكاذبة التي تُستخدم للتحكمِ في مواطني هذا المجتمع. أما عن المعلوماتِ والأفكار المستقلة والحرية، فكلها أمورٌ محظورةٌ بشدةِ، كأنها الموتُ ذاته. يعبُدُ مواطنو هذا المجتمع رمزًا موحدًا، سواء كان رئيسًا لحزبٍ، أو حتى فكرةٍ مسيطرة على الجميع. كما يُخضع المواطنون جميعًا للرقابةِ الدائمة، ويخشون من العالمِ الخارجيّ، وكأنه الشيطانُ نفسه. ويفقدُ المواطنون إنسانيتهم مع زوال العالم كما نعرفه الآن، ودماره، وينتظرون آمالًا موحدة. كما أن امتلاكَ الشخصية المتفردة والمعارضة أمورٌ مُحرمةٌ على الجميع؛ حيث أن المجتمعَ انعكاسٌ مُتوَهَم لعالمٍ يوتوبيّ مثاليّ.(1)

وعلاوة على ذلك، فإن أدبَ الديستوبيا يتمثل في التعبيرِ الصارخِ، والنهائيّ عن مخاوفِ الثقافاتِ المختلفة، وقلقها من المستقبلِ القادم. فهو كأن تحدقُ بنظركِ مباشرةً لكابوسٍ جماعيّ للمجتمع بأسره، ويمكنك أن تكتسبَ منه وجهة نظر ثقافية وتاريخية؛ فيمكننا أن نرى بسهولة ما يخشاه مجتمعٌ ما بقراءةِ أدب الديستوبيا الخاص به. المرض، والشمولية، وإهمال أداء الواجب، والحكم الدينيّ، أو أيًا كان ما يصيبُ المجتمعَ بالخوفِ، والقلقِ؛ فسوف يظهرُ في أدبِه الديستويوبيّ.

 

أعظم روايات أدب الديستوبيا

تسعى الإنسانية دائمًا للتقدم؛ الوصول لمستوى معيشةٍ أفضل، وخلقِ عالمٍ مثاليٍّ، ولكن ماذا سيحدث إذا تحول كلُ شيءٍ للاتجاه الخاطئ؟ كان الاتجاهُ السائد دائمًا في كتاباتِ الخيال العلميّ على مر السنين التكهنَ بالمستقبلِ الذي اتخذ منحى للأسوأ؛ حيث لا توجد نهاياتٍ سعيدة، فقط الديستوبيا الكئيبة المرعبة بكل ما فيها.
فدعنا نلقي نظرة على بعضٍ من أعظم الروايات التي تسلط الضوء على الجانب المظلم من الحياة والمستقبل.

 

عالم جديد شجاع ألدوس هكسلي (1932)

لكنّى لا أُريدُ الرفاهية. أريدُ اللهَ، أريدُ الشعرَ، أريدُ خطرًا حقيقيًا، أريدُ الحريةَ، أريدُ الخيرَ، أريدُ الخطيئة

أدب الديستوبيا (المدينة الفاسدة)
Brave New World, By Aldous Huxley

إحدى أشهرِ الروايات في أدب الديستوبيا لألدوس هكسلي، والتي يعبرُ فيها عن خوفِه من سيطرةِ العلم على حياة الناس عن طريقِ الهندسة الوراثية والتكيف النفسيّ. يصورُ في هذه الرواية مدينةَ العلماء الفاضلة بكل ما فيها من مساوئ في هذا العالم الجديد، عالمِ العقاقير والآلات، والذي تختفي فيه العاطفةُ، والشعرُ، والجمال.

مجتمعُ عالمٍ جديدٍ شجاع ينقسمُ إلى خمس طوائف: ألفا، وبيتا، ودلتا، وجاما، وإيبسلون (الحروف الخمسة الأولى من الأبجدية الإغريقية). بينما طائفةُ ألفا النخبةُ الفكريةُ والمادية، صُنِعَت طائفةُ إيبسلون المتواضعة خصيصًا لتكون قاصرة عقليًا، وقوية بما فيه الكفاية؛ لأداء وظائف مثل: تنظيف الشوارع؛ حتى لا يحاولوا  التسامي فوق منزلتهم الوضيعة.

لقد انتهى التناسلُ الجنسيّ الطبيعيّ، بل يُنظر إليه بنظرةِ اشمئزاز، على الرغم من أن الجنسَ في حد ذاته أمرٌ ممتع، وبدلًا من ذلك يتم هندسة الأشخاص وراثيًا في المختبر، ويتعرضوا لمجموعةٍ مُحددة من الظروفِ؛ للحصول على الصفاتِ المرغوبة. كما أن التكيف النفسيّ يعد بمثابةِ أحد عناصر التحكم. فقد تم هندسة الأطفال الصغار؛ ليخشوا الأشياء الجميلة مثل الفن على سبيل المثال.

تَروي أحداثُ الرواية عدةَ شخصيات، من بينهم برنارد ماركس من طائفة ألفا، والذي كان دائمًا يُسخر منه؛ بسبب قصر قامته وغرابة أطواره. ومن طائفة بيتا، لدينا لينينا كراون، فتاةٌ جميلةٌ، والتي تحاولُ كبتَ مشاعرها باستخدام السوما، وهو عقارٌ صناعيٌ يُسبب الشعورَ بالسعادةِ دون آثارٍ جانبية.وجون الهمجيّ، طفلٌ لأحد نساء طائفة بيتا وتدعى ليندا، والتي أنجبته طبيعيًا. وحيثما أن الولادةَ الطبيعية كانت مخالفةً للقانون؛ فنُبذت من المجتمع. كان جون يتحلى بالأخلاق- على الرغم من سذاجته- لكنه سرعان ما استاء من حياةٍ بدونِ معنى أو هدف في المدينةِ، في العالمِ الجديد الشجاع.

تتصارعُ كل هذه الشخصيات مع عقيدةِ المدينة، والتي تشملُ عبادة مالك هذا المصنع هنري فورد كإلهٍ، والاستهلاك الدائم بدون وازع أخلاقيّ، حتى أنهم في بعض اللحظات يجدوا أنفسهم مُمَزقي الأوصال بين رفضِهم للمدينة، وبين غرقِهم في أسلوبِ عيشها السهل والمليء بمخدرِ السعادة.

يُترك القارئ في النهاية بنفسِ التساؤل: هل يستحق المنطق الأخلاقيّ، والبحث عن معنى للحياة الألم الذي يُصاحبه، في حالة أنه يُمكن للمرء أن يعيشَ في نعيمٍ بلا معنى وبلا هدف؟ (2)

 

1984جورج أورويل (1949)

جريمة الفكر لا تجلب الموت فقط، جريمة الفكر هي الموت ذاته

أدب الديستوبيا (المدينة الفاسدة)
1984, By George Orwell

ربما تَحصُدُ رواية 1984 للكاتب الإنجليزيّ جورج أورويل الرواية الأشهر في عالمِ أدب الديستوبيا، والتي نُشرت في العام 1949. تَعرضُ الرواية تفاصيلَ حياةِ وينستون سميث، موظفٌ في وزارةِ الحقيقة، حيث تتمحور وظيفته حول إعادةِ كتابة التاريخ، في دولة شمولية خلال العام 1984. وباستخدام صورة الزعيم الأوحد، الأخ الأكبر، والذي يتزعم رئاسة الحزب الحاكم في دولة أوشيانيا، والذي انتهج أيدلوجية تُدعى إنجسوك (IngSoc) -في لغة الرواية (النيوسبيك – Newspeak)- وتعني الاشتراكيّة الإنجليزيّة، حيث أن نشرَ الجهل والخوف مهمته الأساسيّة.

«الحرب هي السلام، العبودية هي الحرية، الجهل هو القوة»، كان هذا أحد شعارات الحزبِ الحاكم، على سبيل المثال. وكان بطلُ الرواية وينستون بالكاد يعرفُ ما هو حقيقيّ وليس كذبًا، مثل أبسط الأشياءِ كتاريخِ اليوم الذي يعيشُ فيه. حيث يُفرضُ على المواطنين بصورةٍ روتينيّة نسيانُ فكرتهم عمّا هو حقيقيّ، ويتبنّوا الحقيقة الجديدة، تلك الحقيقة المُوحدة التي يَعرضها لهم فقط الأخ الأكبر؛ فنرى من خلال عمل وينستون في وزارة الحقيقة كيف يحاولُ محو أجزاءٍ من التاريخ، وإعادة كتابتها لصالحِ الحزب الحاكم.

بالإضافة إلى مبدأ التفكير المزدوج (doublethink)، وهو القدرة على تبني أفكارٍ مُتناقضة تمامًا واعتبارها حقائقٍ في ذات اللحظة؛ مما يعني أن المواطنين على استعدادٍ لتصديق أيًا ما يخبرهم به الأخُ الأكبر. وبالطبع، مُعارضة الحزبِ الحاكم تؤدي لعواقبٍ وخيمة، كما أن عقابَ جريمة الفكر الموت؛ حيث أن التفكيرَ المستقل مخالفٌ للقانون.
كما تعملُ شاشات الرصد (Telescreens) -أجهزة تلفاز تعملُ باستمرار- على مراقبةِ المواطنين في كلِ الأوقات، ومحاولة اكتشاف من يجرؤ على الاقترابِ من جريمةِ الفكر. يحاولُ وينستون -والذي تراوده أفكارًا مُعارضة للحكم- يائسًا الهروب من هذه الدولة الشموليّة.

في نهاية المطاف، تظلُ رواية 1984 مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأحداثِ السياسة في القرن الحادي والعشرين؛ فبوصفها للدولة الشمولية حيث أن التجرؤ على التفكيرِ بشكلٍ مختلفٍ عقابه الموت، وحيث يُراقب المواطنون في كلِ لحظة من لحظاتِ حياتهم، وحيث تُستخدم أبواقُ الدعاية والإعلام للأحزابِ الحاكمة في نشر الكذبِ وتضليلِ الناس؛ فهذا -بالفعل- وصفٌ واقعيٌ لعددٍ لا يُحصى من دولِ العالم في وقتنا الحاليّ. ويعدُ البطلُ وينستون سميث رمزًا لقيمِ الحياة المُتحضرة، ومعتقداتها. وعلى الصعيد الآخر، تعدُ هزيمته تذكيرًا قويًا لمدى ضعفِ هذه القيم، والمعتقدات وهشاشة كل منهما في الدول القوية. (3)

 

فهرنهايت 451 – راي برادبري (1953)

يجب أن يكونَ هناك شيئًا مميزًا في هذه الكتب، شيئًا لا يمكننا تَخيله؛ ليجعلَ المرأة تبقى في منزلٍ تشتعلُ به النيران. يجب أن يكونَ هناك شيءٌ، أنت لا تموتُ مع الكتبِ سُدى

أدب الديستوبيا (المدينة الفاسدة)
Fahrenheit 451, By Ray Bradbury

الروايةُ التي تُعد من قِبل الكثيرين أفضلَ عملٍ أدبيٍّ بواسطة كاتب أمريكيّ، رواية أدب الديستوبيا التي نُشرت في العام 1953، وكتبها راي برادبري، والتي أُشيد بها كثيرًا؛ لموقفِها من فرض الرقابة، ودفاعها عن الأدب ضد الإرهاب الثقافيّ الذي مارسه السيناتور جوزيف مكارثي على الكتاب، والمثقفين في أمريكا في ذلك الوقت أثناء الحربِ الباردة.

تدورُ أحداثُ الرواية في مدينةٍ مجهولة -على الأغلب في مدينة أمريكيّة- في المستقبلِ البعيد. حيث سيطرَ نظامٌ شموليٌّ على العالم، والذي اتخذَ من التلفازِ وسيلةَ دعايةٍ له. بطلُ الرواية، جاي مونتاج، يعملُ كرجلِ إطفاءٍ، والذي تتمثلُ مهمته في إحراقِ المنازل التي يُكتشفُ بداخلِها الكتب أو الروايات (والتي تحترقُ عند درجة حرارة 451 فهرنهايت). وبعد مغادرته للعملِ في أحد أيام الخريف، يلتقي بجارتِه الفتاة المراهقة كلاريس، والتي ما زالت تقرأُ الكتبَ؛ لتنشأ بينهم صداقةٌ، وتسأله ما إذا كان سعيدًا أم لا؟ وعلى الرغم من بساطةِ السؤال، إلا أنه يعيدُ النظرَ في حياته.

وفي المنزل، يجد زوجته ميلدريد قد ابتلعت زجاجةً من الحبوبِ المنومة؛ في محاولة للانتحار. وبعد أن طلبَ المساعدة، جاء رجلان، وتمكنا من إنقاذها. وفي صباح اليوم التالي، تتصرف الزوجةُ بتلقائية، وكأن شيئًا لم يحدث. وتشاهد البرامج على شاشاتِ التلفاز كعادتها، والتي تحتلُ ثلاثة جدران من غرفة الصالون، حيث تحولَ التلفازُ ليصبح وسيلةَ المعرفةِ الوحيدة في يدِ النظام الشموليّ المسيطر على عقولِ المواطنين –الذين فقدوا معنى الحياة منذ فقدانهم للمعرفة-؛ ليبثَ البرامج التفاعليّة.

بينما في وقتٍ لاحق، عندما ذهبَ رجالُ الإطفاء لإحراق منزلِ سيدةٍ مُسنة والتي تقررُ أن تموتَ مع كُتُبِها، يأخذُ مونتاج الكتابَ المقدسَ من منزلها، وهو تصرفٌ يعتقدُ أن يدَه فعلته من تلقاءِ نفسها بدون إرادته. لتساوره الشكوكُ حول مهمتِه وعمله، ويقررُ أن يبقى في المنزلِ اليوم التالي.

وعلى إثره، يقررُ قائدُ محطةِ الإطفاء- الكابتن بيتي- أن يذهبَ لمونتاج؛ لأجل إقناعه أن عملَهم كرجالِ إطفاء عملٌ مهمٌ جدًا. ويشرحُ له أن الناسَ بدأوا يفقدون اهتمامهم بالقراءة؛ بعد ظهورِ التلفاز. وأن الاعتراضاتِ ضد بعض المقاطع في الكتبِ مِن قِبَل بعضِ جماعات المصالح، والأقليات الحاكمة؛ أدت في نهايةِ المطاف لفرضِ الرقابة. حيث كانت رؤية هؤلاء بأن الكتبَ والتعليمَ -بشكلٍ عام- قد خلقوا مجالًا من عدم المساواةِ والتعاسة؛ لذا تم حظرِ الكتب نهائيًا. وبعد مغادرةِ قائده، يكشفُ مونتاج لزوجتِه أنه قد أخفى العديدَ من الكتبِ داخل المنزل. فبدأوا بالقراءة معًا، ولكنه وجد أن الكتبَ يَصعُبُ فَهْمُها، كما أن زوجتَه تفضلُ مشاهدةَ التلفاز.

ليتذكر أنه يمتلكُ رقمَ هاتفِ لأستاذٍ مُتقاعدٍ في اللغة الإنجليزية، وعنوانه، وهو البروفيسور فابر، حيث يعتقدُ مونتاج بأنه ربما يملكُ النسخةَ الأخيرة من الكتابِ المقدس. وعليه، بينما يتجهُ مونتاج لمنزلِ البروفيسور فابر، يحاولُ حفظَ بعض المقاطعِ من الكتاب. ويطلبُ من البروفيسور أن يُعلمَه كيف يُفهمُ الكتبَ، ليوافقَ الأخيرُ على ذلك.

في اليوم التاليّ أثناء العمل، يذهبُ مونتاج، وزملاؤه لإحراقِ أحد المنازل؛ ليتضح أن هذا المنزل منزلُ مونتاج نفسه. بينما يكتشفُ مونتاج أن زوجتَه قد أبلغت عنه، تغادرُ في سيارةِ أجرة بدون حتى أن تتحدثَ معه. بعد أن أمره قائدُه الكابتن بيتي بإحراقِ المنزل، يطيعُ مونتاج الأوامرَ، ولكنه يحولُ اتجاهَ قاذفِ اللهب نحو القائد بيتي؛ ليقتله.
ثم يهرب لمنزل البروفيسور فابر، ليخبره أنه يستطيع الهرب عن طريق اتباع خطوط السكك الحديدية حتى يصل إلى الريف.

يتمكنُ من الهربِ من مُطَارديه، ولاحقًا يقابلُ مجموعةَ من الرجالِ يجلسون حول النار. يخبرُه زعيمهم، جرانجر، أن كلَ واحدٍ منهم قد حفظ كتابًا؛ على أملِ استخدام تلك المعرفة في إعادةِ بناء المجتمعِ. وبينما هم يراقبون القنابلَ تُدمرُ المدينة، يتجهُ الرجال إليها بعد ذلك؛ لبدء مهمة إعادة بُناء الحضارةِ من جديد.

وفي النهاية، ظلت الرواية منذ أول ظهور لها تحاربُ لصالحِ الأدب والتفكير النقدي، وضد الرقابةِ، والطاعةِ العمياء.(4)

 

البرتقالة الآلية أنتوني بورجيس (1962)

هل من الأفضل للمرء اختيار الشر بإرادته، بدلًا من أن يفرض عليه الخير فرضًا؟

أدب الديستوبيا (المدينة الفاسدة)
A Clockwork Orange, By Anthony Burgess

تلك روايةُ أدب الديستوبيا التي لا يمكنُ نسيانها، والذي كتبها أنتوني بورجيس، ونُشرت في العام 1962، والتي أنتجت تحفةً فنيةً أخرى لا يمكن نسيانها أيضًا من إخراج العبقريّ ستانلي كوبريك. تدورُ أحداثُ الرواية حول أعمالِ عنفٍ من قِبل عصابةِ من المراهقين، يطلقون على أنفسهم اسم الدرووجز (the Droogs)، ونرى الأحداث من خلال روايةِ أحد المراهقين، الشاب أليكس ذي الخمسة عشر عامًا، والذي يحب موسيقى بيتهوفين. يتعاطى هؤلاء الشبابُ المخدراتِ عن طريقِ وضعها في اللبن، ويقومون بأعمالِ السرقة، والنهب، والاغتصاب، والتعذيب، وهم في كاملِ نشوتهم وسعادتهم، ويستخدمون لغةً عاميةً جديدة خاصة بهم أطلقوا عليها نادسات (Nadsat).

وفي إحدى محاولاتِ السرقة، يرتكبُ الشاب أليكس جريمةَ قتل؛ فيُلقى القبضُ عليه، ويُحكمُ عليه بالسجنِ لمدة أربعة عشر عامًا. ومع صعوبةِ تعاملِه مع الحياة وراء قضبان السجن؛ يتطوعُ أليكس ليخضعَ لبرنامجٍ تجريبيٍّ جديد، يُدعى تقنية لودوفيكو (Ludovico Technique). وبدون أن يدرك أن العلاجَ شكلٌ وحشيٌّ قاسٌ من علاجِ الكراهية: وذلك بإجبارِه على مشاهدةِ فظائع ارتكبها النازيون على أصداء موسيقى السيمفونية التاسعة لبيتهوفين في الخلفية، مما تسبب في غسلِ دماغه؛ ليشعرَ بالإعياء إذا فكر مجرد تفكيرٍ في ارتكابِ جريمة ما.

وهنا يكمنُ التساؤل الأخلاقيّ الرئيسي في الرواية: هل من الأفضل أن يختارَ المرءُ طريقَه للشرِ والجريمة بمحضِ إرادته، أم يُفرض عليه الخيرُ بالقوة؟ وهل من المقبول قمعُ الإرادةِ الحرةِ للإنسانِ حتى إذا كان مجرمًا؟

وفي النهاية، هل من حقِ الدولة استخدامُ العنفِ ضد بعض الأفراد من أجلِ حماية أغلبيةِ المواطنين؟ (5)