إدمان في مملكة الحيوان!

إدمان في مملكة الحيوان!

يَستخدم البشر المخدرات منذ قرون، تقريبًا منذ اكتشاف الفلاحين الخصائص المُسكِرة لخمر العسل (بالإنجليزيَّة: Mead) والهلوسات التي تسببها بذور الخشخاش. وبالوصول للقرن العشرين، ومع ظهور المنشطات استخدم أسلافنا الكحول والمخدرات للمتعة لفترة طويلة من الزمن.

على الرغم من التوفر اللامحدود للمواد المسكرة، إلا أن المعرفة المتاحة عن تأثيرها طويل المدى كان محدودًا. لهذا انتشر استخدامها بصورة كبيرة وبدون فحص أو اهتمام مما أدى لتفشي الإدمان.

وقد ساد الاعتقاد أن إدمان المخدرات هو فقط تصرف بشري، إلا أن الأبحاث في السنوات الأخيرة أوضحت إمكانيّة حدوثه أيضًا بين الحيوانات.

الإدمان في الحيوانات

أظهرت الدراسات أن الحيوانات يمكنها أن تدمن بعض المواد. ولهذا السبب تُستخدم في الأبحاث التي تدور حول تأثيرات المخدرات والكحول على الإنسان، الأمر الذي يثير العديد من القضايا الأخلاقيّة. فالحيوانات تدمن بصورة أسهل من الإنسان، كما تظهر عليها كل الآثار السلبيّة للإدمان.

تُعاني الحيوانات من أعراض الانسحاب، وقد تقوم بأي تصرف يمكنّها من الحصول على المادّة التي حُرمت منها، مثل إيذاء النفس أو الإضراب عن الطعام.  وعلى الرغم من أن فهمنا للأمر لا زال يتطور، إلا أن التشابه بين الإدمان في الإنسان والحيوان مذهل.

إدمان الحيوانات في الطبيعة

كما كان يشرب الناس في العصور الوسطى خمر العسل للاسترخاء، بدون أن يفهموا السبب الذي يدفعهم لاستخدامه مرارًا وتكرارًا، تستخدم الحيوانات بعض المواد الموجودة في الطبيعة والتي تعطي شعورًا بالسعادة.

القطط

يعرف الكثير من مالكي الحيوانات نبات النعناع البري أو حشيشة الهر (بالإنجليزيَّة: Catnip) ويعلم الحد الذي قد تصل له القطط لتحصل على المزيد منه بعد التجربة الأولى. يحوي هذا العشب العطري هرمونات تؤثر في التصرفات. وحساسيّة القطط لهذا النبات هي شيء جيني، فقط ثلث القطط لن تستجيب لتأثيره.

لا يُرى هذا التأثير في الحيوانات المنزليّة فقط، ولكن أيضًا في القطط كبيرة الحجم مثل الأسود والنمور. ومن النباتات المفضلة لدى الفهود مستخلص نبات الآياهوسكا (بالإنجليزيَّة: Ayahuasca) أو في اسم آخر (Yage)، والذي يحتوي على مخدر (DMT)، ويسبب في الهلوسات بالإضافة إلى التغييرات الفسيولوجيّة في الحيوان.

الإدمان في مملكة الحيوان

 

القرود

أما القرود فتثمل عن قصد. فعندما تتخمر محاصيل قصب السكر قبل الحصاد، تنتج الكحول. وتختار الحيوانات السائل الذي يحوي الكحول بدلًا من ذلك الذي لا يحتوي على المواد المُسكرة. وقد تكون القرود الأصغر الأكثر استهلاكًا، فقد تشرب السائل حتى تفقد الوعي.

حيوانات أخرى لها سلوك إدماني

قد تقطع قطعان الأغنام والماعز مسافات شاسعة وتضاريس قاسيّة لتصل للأشنات المهلوسة (بالإنجليزيَّة: Hallucinogenic lichen) . ويمكن إيجاد بعض أنواع حيوانات الأيل والموظ ترعى على الفطر المخدر.
وفي أستراليا، وحيث تنمو نسبة كبيرة من الأفيون القانونيّ، يحتاج المربون لحماية محاصيلهم من حيوان الولب (بالإنجليزيَّة: Wallaby) -حيوان شبيه بالكنغر- الذي يتسلل مرارًا وتكرارًا للحصول على البذور التي يدمنها بشدة.
إن العديد من أنواع الطيور والقوارض والثديّيات الأخرى تتغذي على الحشرات والنباتات المُسكرة أيضًا، ما يسبب اضطرابًا في حالة الوعي. وتُكّرَّر الحيوانات هذا الفعل مرارًا وتكرارًّا، وتتخطى الصعاب لتنال تلك المادة مجددًا، ما يقترح بأنها قد أدمنتها.
يتشابه نمط إدمان المخدرات في الحيوان بصورة لافتة للنظر مع الإدمان في الإنسان، مما يجعلهم اختيارًا منطقيُا للتجارب والأبحاث حول الإدمان. فالإدمان يحدث أيضًا في حال الأسر.

إدمان الحيوانات الداجنة (بالإنجليزيَّة: Animal addiction in Domestic animals)

الحيوانات المنزليّة

يرى البيطريون كل عام العديد من حالات ابتلاع الحيوانات للمخدرات كالقنب (بالإنجليزيَّة: Marijuana) والنيكوتين، بالإضافة إلى الأدوية الموصوفة للبشر. يسبب هذا غالبًا تأثيرات طويلة المدى أو حتى الوفاة.
ومن الأمور المنتشرة أن يتسبب مالك الحيوان في إدمانه. أقرّ الكثيرون بإعطاء الكحول أو المخدرات لحيواناتهم، اعتقادًا منهم أن الحيوان سيحبها، أو لأن المُلاك استمتعوا برؤية تأثيرها (كترنُّح الحيوان).
إعطاء الحيوانات المخدرات هو أمر وحشي، وأيضًا مخالف للقانون. بالإضافة إلى أنه من المفترض أن يحافظ المالك على سلامة حيوانه ويمنع الابتلاع الخاطئ للمواد المخدرة والأدوية. وإن كان الإنسان يستطيع الاختيار بين تناول المخدرات والكحول أو عدمها، فالحيوانات لا تستطيع، فهي تعتمد على مالكيها.

في الأسر

يعلم العلماء ماهية الإدمان، ويتم تدريب الحيوانات في المعامل على هذا الأساس. ويقوم توفير الهدايا أو إظهار العاطفة أو المدح بتنشيط مراكز المتعة (بالإنجليزيَّة: Pleasure center) في الدماغ، وعندها يربط المخ بين هذا الشعور الممتع وما كان يحدث في ذات الوقت.

بعد ذلك تُخلق مسارات عصبية داخل المخ، ليصبح الحيوان مجبرًا على تكرار الفعل الذي تسبب في ظهور المكافأة. هذا ما يحدث عندما تكون المكافأة هي مخدر شديد الإدمان.

الأبحاث التي تعتمد على الحيوانات لدراسة الكحول والمخدرات هي حجر الأساس في فهمنا للإدمان والأمراض النفسية الأخرى في الإنسان. بالإضافة لذلك، فاستخدام الحيوانات في التجارب تمكننا من اختبار كفاءة الأدوية، ومعرفة التأثيرات المختلفة للكحول والمخدرات كالهيروين والكوكايين والأفيون أو الميثامفيتامين بدون تعريض حياة البشر للخطر.

هل استخدام الحيوانات في التجارب أمر أخلاقي؟

على الرغم من فوائده إلا أن استخدام الأرانب والفئران والقرود والطيور والثدييات في التجارب هو أمر مثير للجدل. فصور الحيوانات التي تقضي حياتها محبوسة في الأقفاص، ولا تملك دائما ما يكفيها من الماء أو الغذاء المستساغ، وتعاني من آثار التجارب التي تجرى عليها على خلاف رغبتها هي حجة قوية لمنع استخدامها.

أما عن كون الأبحاث التي تجرى على الحيوانات مفيدة للإنسان أم لا، فهو سؤال آخر يتم طرحه. وفي الغالب، تكون النتائج موضعًا للتساؤلات، بسبب المشكلات التي تشوب إجراءات البحث، بالإضافة إلى التساؤلات حول اعتماد تجارب أجريت على الحيوانات بدلًا من الإنسان.

عندما تتوقف التجارب على الحيوانات، سواء بسبب موتها أو معاناتها، فإن منظمات حقوق الحيوان ستحاسب الباحثين بالإضافة للحكومة، محملة إياهم المسئولية، وواصفة استخدامهم بغير الأخلاقي.

الإدمان هو مرض فظيع، يتسبب في معاناة ضخمة لضحاياه، وقد ساهمت التجارب على الحيوانات بتطور عظيم في العلاج. أما الجدل القائم على استخدام الحيوانات في التجارب والأبحاث حول الإدمان، فهو لن ينتهي في المستقبل القريب.

المقال الأصلي

 

 

شارك المقال:
0 0 votes
Article Rating
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي