إلى المنارة.. فرجينيا وولف تطارد أفكارالإنسان وحيرته

إلى المنارة.. فرجينيا وولف تطارد أفكارالإنسان وحيرته

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

رواية إلى المنارة (أو إلى الفنار- To The Lighthouse) أحد الأعمال البارزة للكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف التي أثْرَت بها المكتبة العالمية. وهي من الروايات التي أسست لتيار الوعي في الأدب والكتابة. وتخوض الرواية التي نُشِرت للمرة الأولى في عام 1927 في تفاصيل أمور حياتية استلهمتها فرجينيا وولف من حياتها الشخصية.(1)

ويضع النص الروائي القارئ أمام الكثير من الأفكار والمشاعر لشخصيات الرواية، والتي سيجد نفسه تعرض لعددٍ أو وابلٍ منها، فتتركه يفكر معها في تسلسل الخواطر المتدفقة بداخل عقول شخصيات العمل. تطرَح الرواية الكثير من الأسئلة عن قيمة الحياة، والأحلام ونظرة الإنسان لنفسه، كما أن نشرها منذ ما يقرب من قرن لا يجعلها عملًا قديمًا غير قابل للقراءة في العصر الحديث، إذ تناسب الرواية التعبير عن الفترة التي كُتِبت فيها وما بعدها أيضًا.

تيار الوعي في الأدب

يُعرَف «تيار الوعي» أو «تسلسل الوعي» (Stream of Consciousness) في الأدب بأنه أداة للسرد تصف الأحداث من خلال تدفق الأفكار بداخل عقل الشخصيات.

إلى المنارة.. فرجينيا وولف تطارد أفكارالإنسان وحيرته
ويليام جيمس

وقد صُكّ المصطلح في البداية عن طريق عالم النفس الأمريكي ويليام جيمس في بحثه الذي عُرِف باسم «مبادئ علم النفس»، وفيه كتَبَ قائلًا:

 

«هي أشياء غير مترابطة، وتتدفق. فالتدفق أو التيار هو استعارات تصف ذلك الفعل. وفي الحديث عنها، يمكننا أن ندعوها تدفق الأفكار أو الوعي أو الحياة الذاتية».

كذلك من المصطلحات التي تُطلق على هذه الأداة «المونولوج الداخلي»، وتكون فيها الأفكار التي تمر بها الشخصية مرتبطة بأفعالها وتُصوّر من خلال المونولوج المعبر عن الشخصية نفسها.

طُوِر هذا الأسلوب الكتابي عن طريق مجموعة من الأدباء خلال القرن العشرين، وكان يهدف للتعبير من خلال الكلمات عن تدفق أفكار ومشاعر الشخصيات في عقولهم، كما يمنح هذا الأسلوب القارئ مكانًا في عقل شخصيات الرواية.

إلى المنارة.. فرجينيا وولف تطارد أفكارالإنسان وحيرته
جيمس جويس وفيرجينيا وولف

من أشهر الكتاب الذين تبنوا تسلسل الوعي في كتاباتهم الأدبية الكاتب والشاعر الإيرلندي جيمس جويس، والأديبة الإنجليزية فيرجينيا وولف.(2)

قيمة «إلى المنارة» الأدبية

«كان زوجها جالسًا، شارد البال مكفهرًا تمامًا. لمَ؟ لمْ تعرف. لمَ تهتم؟ لمْ تستطع أن تفهم كيف شعرت يومًا ما بأية عاطفة أو انجذاب نحوه! اعتراها شعور بأنها تجاوزت كل شيء، خلال كل شيء، وخرجت من كل شيء، فيما كانت تعد الحساء، كما لو كان هناك دوامة -هناك- ويمكن للمرء أن يدلف داخلها، أو يمكن للمرء أن يخرج منها وهي كانت خارجها. فكرت، كل شيء يصل إلى نهايته، فيما كانوا يأتون واحدًا وراء الآخر».

السيدة رمزي، إلى الفنار، ترجمة إيزابيل كمال

تستهل فرجينيا وولف الرواية ببداية مُباغتة بجملة مبتورة في منتصف حدث ما، لتشعر القارئ كأنه يشاركها الأحداث مسبقًا، حيث تقول:

«قالت السيدة رمزي: نعم بالطبع، لو كان الجو صحوًا غدًا. ثم أضافت لكن عليك أن تستيقظ مبكرًا مع القُبرة»

ثم تنقِل القارئ فيما بعد لقلب الأحداث وتجعله يفهم مشاعر الفرحة التي تغمر جيمس الصغير من قول الأم، وترتحل به بين مشاعر وأفكار شخصيات العمل. وتُعد الرواية من صنف الروايات «متعددة الألسنة» إذ يتعدد الرواة في القصة، فجميع الشخصيات تحكي عن نفسها والآخرين ويتذكرون ويصدرون الأحكام على أنفسهم وغيرهم.

ويشبه النص الروائي كاميرا متحركة تصور الأحداث الماضية والحاضرة والمستقبلية من زوايا متعددة، ويتأرجح بين سرد تفاصيل الحياة اليومية البسيطة وسبر أغوار عوالم باطنية مليئة بالمشاعر والأشخاص والصور.(3)

وتكمن القيمة الأدبية لرواية إلى المنارة في التجريب الذي أقدمت عليه فرجينيا بالعمل الروائي. حيث ترتكز الرواية على يومين يفصل بينهما عشرة أعوام لكي تحكي قصة عائلة رمزي، كما أن جملها المسترسلة وفقراتها الملتوية جاءت لتنسخ ما تفكر فيه الشخصيات وما يفعلونه.

إلى المنارة.. فرجينيا وولف تطارد أفكارالإنسان وحيرته
شخصيات رواية إلى المنارة

ففرجينيا وولف من أنصار المدرسة الأدبية القائلة بإن الكاتب عليه أن يُري القارئ لا أن يخبره، فبدلًا من رسم صور واقعية للشخصيات في الرواية، تأخذ بنا الروائية الإنجليزية للتأثير العاطفي في دواخلهم.

وعُرِفت فرجينيا وولف ككاتبة حداثية بسعيها لإيجاد طريقة جديدة في الكتابة واستعياب العالم، بدلًا من الطريقة القديمة الكلاسيكية التي تركز على الحبكة والكوميديا وغيرها. فحاولت فرجينيا أن تُظهر في روايتها إلى المنارة أن الحياة ليست سلسلة منظمة من الأحداث، مليئة بالتوتر المصاحب دائمًا لحبكة الرواية، ولكنها أحداث مستمرة وفي بعض الأوقات مربكة ومخيفة وجميلة.(1)

إلى المنارة.. حُلْم تأخر الوصول إليه

«تمنى جيمس لو كانت هناك فأس يدوية، أو قضيب معدني، أو أي سلاح كان يمكن أن يمسك به ويطعن والده في صدره ويقتله هنا والآن. كانت تلك أقصى عواطف يستثيرها السيد رمزي في صدور أولاده لمجرد وجوده بينهم واقفًا كما هو الآن».

إلى الفنار، ترجمة إيزابيل كمال.

تدور الفكرة الرئيسية والتي اتخذت الرواية منها الاسم عن الذهاب إلى المنارة، وهي رغبة الابن الصغير، جيمس، للسيد والسيدة رمزي (Ramsay) وذلك أثناء وجودهم في منزل العائلة الصيفي بجزر هبريز (Hebrides)، مع رفض الوالد الذي عُرِف بتسلطه للفكرة باستمرار. شخصيات الرواية الرئيسية هم السيد والسيدة رمزي، وأبنائهم الثمانية، وبعض الزائرين أهمهم الآنسة ليلي بريكسون.

وتبدأ الرواية وتنتهي من الفنار وإليه، حيثُ يسرد الفصل الافتتاحي في الرواية رغبة الابن الصغير للذهاب إلى المنارة واعتراض أبيه والأمل الذي تبعثه الأم في طفلها. وتأتي نهاية الرواية بذهاب الأبن والأب وابنة إلى الفنار بعد مرور عشر سنوات، وتغير كثير من الأشياء في نفس الابن الذي صار شابًا.

ويصبح الفنار رمزًا لما يرغب فيه المرء ثم ينفر منه بعد حين، فبعدما كان الابن يسعى للذهاب إلى المنارة ويطمح في رحلة إليها، يذهب في الفصول الأخيرة من الرواية راضخًا مستسلمًا وخانقًا من سيطرة أبيه في الذهاب إلى المنارة بعد مرور السنوات.(3)

رُغم ذلك فإن الفنار والذهاب إليه لا يبدو إلا كخلفية لأحداث أكبر، أو مساحة ومحطة للتأمل والاسترسال في الأفكار والمشاعر المتضاربة لدى شخصيات الرواية. فكون النص الروائي ينتمي لتيار الوعي، يجعل غالبية الرواية استكشافًا للعالم الداخلي لشخوص الرواية ونظرتهم عن أنفسهم والحياة.

إلى المنارة.. فرجينيا وولف تطارد أفكارالإنسان وحيرته

معنى الحياة ومطاردة الحيرة

«فكرت، تلك الكتب يزداد عددها من تلقاء نفسها. لم يتسع وقتها مطلقًا لقراءتها. ياللحسرة! حتى الكتب التي أعطيت لها بشكل شخصي وكُتب عليها الإهداء بخط يد الشاعر شخصيًا:” إليها من أتمنى أن تحقق كل أمنياتها” “أسعد هيلين في زماننا” من المخجل أن تقول إنها لم تقرأها مطلقًا».

السيدة رمزي، إلى الفنار، ترجمة إيزابيل كمال.

منذ اللحظة الأولى في إلى المنارة تغمرنا فرجينيا وولف بسيل من الخواطر والعواطف لشخصيات الرواية التي لا تكف عن التأمل والتساؤل في حالها ومن حولها.  فعلى الرُغم من أن شخوص الرواية ليس من بينهم من يمكن للقارئ أن يهتم له، ورغم أن ذلك الأمر في العادة قد يجعل الرواية تنتهي بالفشل، لكن منهج فرجينيا وولف شديد الحساسية في تقفي أثار أفكار ومدركات الشخصيات وحوارات الشخصيات الداخلية المفصلة المكتوبة بطريقة أٌقرب للنص الشعري هو ما كتب لها النجاح وضمن لها المكانة الأدبية الرفيعة.(4) فتحاول الرواية إجابة التساؤل الخالد عن ما هو معنى الحياة؟ أو معنى اللحظات التي نختبرها ككل. وتمثل الرواية تأمل طويل في العلاقة بين الفن والحياة.(5)

يقول السيد رمزي على سبيل المثال أثناء حواره الداخلي عن معنى الفن، وأهميته:

«تساءل لو أن شكسبير لم يوجد مطلقًا، فهل كان العالم سيختلف كثيرًا عما هو عليه اليوم؟ هل يعتمد التقدم الحضاري على العظماء؟ سأل نفسه، هل مصير الإنسان العادي، على آية حال، هو المعيار الذين نقيس به مستوى الحضارة؟»

وتتصف كل النفوس في رواية إلى المنارة بكونها تعتمل بالقلق ويشوبها الحيرة والارتباك على مدار الرواية، فهي تتميز بالتشويش إلا في لحظات قليلة ويشغلهم بعمق البحث عن الذات.

وتطرح الرواية سؤالًا متكررًا وهو الرضا بالاختيار، فكل منا لديه تصورات أخرى عن حياة أخرى غير التي يعيشها، وتتزايد هذه التصورات مع مرور السنوات فتتولد مشاعر مثل الندم والحسرة خاصة مع الوصول إلى سنٍ متقدم.(3)

المرأة وشاعرية المشهد الروائي

تبدو  المرأة لدى فرجينيا وولف في الرواية معطاءة باستمرار وتمنح الكثير لغيرها من عائلتها الصغيرة أو الكبيرة وتنسى ذاتها. ويظهر ذلك بشكل خاص في السيدة رمزي، التي لم تعرف في الحياة سوى الزواج والإنجاب ورعاية الأبناء، ولديها قدر كبير من الاهتمام بعائلتها وبالناس حولها.

ففي آخر مشهد لها على قيد الحياة كانت تُحيك جوربًا لابن حارس الفنار المصاب بالسل، في إشارة لارتباطها بالآخرين وحبها لتقديم المساعدة لهم.

ومما يميز رواية إلى المنارة أن الكاتبة الإنجليزية لا تتوقف عند مشاعر الشخصيات وذكرياتهم فقط في قلمها الأدبي، بل تلقي بعدستها أيضًا في السرد على عناصر الطبيعة في المشهد المرئي حيث تسيطر مشاهد البحر والأمواج والأشجار والزهور والشاطئ على الرواية في مختلف فصولها.(3) 

ونختتم بمقطع مما جاء في الرواية على لسان السيدة رمزي في تأملها أثناء عملها بالتطريز للدلالة على المزج بين شاعرية المشهد وتدفق الأفكار في عقل الشخصية:

«لقد عرفت السعادة الرائعة، السعادة الكثيفة، وقد فضضت الأمواج العنيفة بإشراق أكثر قليلًا، إذ خبا ضوء النهار، واختفت زرقة البحر وهو يتدحرج في أمواج من اللون الليموني النقي انعطفت وانتفخت وتكسرت على الشاطئ وانفجرت النشوة في عينيها وأمواج من البهجة الصافية طفت على أرض عقلها».(3)