البورصات السلعية.

البورصات السلعية

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
قد يبدو للوهلة الأولى مصطلح البورصات السلعية (commodity stock markets) بأنه سوق مالي أو بورصة يتداول فيه أسهم أو سندات بالطرق المتعارف عليها، ولكنه في الواقع ليس كذلك، إنّما هو سوق متخصص في تجارة المواد الخام، والمنتجات الزراعيّة الأوليّة غير المصنّعة، ولا علاقة له بأسواق المال أو بتداول الأسهم والسندات فيها بالطرق المعروفة. فما هي البورصات السلعيّة وكيف تعمل؟

تعريف البورصات السلعية

البورصات السلعيّة، أو سوق المواد الخام، أو بورصة السلع كما قد يطلق عليه أحيانًا، عبارة عن سوق يجتمع فيه مُنتجي المحاصيل الزراعيّة الأولية، أو منتجي المواد الخام مع عملائهم الذين يرغبون بشراء هذه السلع بسعر الجملة ولكن بطريقة أكثر تنظيمًا من طرق البيع التقليديّة، بحيث يتم الاتفاق على سعر البيع والكميّات المرغوب شراءها مسبقًا قبل وصولها للسوق. وهناك اتجاهات عالميّة نحو تنظيم هذه الأسواق وهناك ما يقارب من 50 سوقًا رئيسيًا للسلع الأساسية في مختلف أنحاء العالم تنظم تجارة 100 سلعة أساسية.

أنواع السلع في البورصات السلعيّة

هناك نوعين مختلفين من السلع يتم عرضها في البورصات السلعية، هي:

الأول: السلع الصلبة (Hard Commodity): وتشمل جميع إنتاج السلع المتأتية من الموارد الطبيعيّة، والتي يتم استخراجها أو سيتم استخراجها من الطبيعة، مثل استخراج النفط، أو الذهب، أو الألماس، أو المطاط، أو الزيت.

الثاني: السلع الليّنة (Soft Commodity): وتشمل على منتجات طبيعتها ليّنة لا تستخرج من باطن الأرض، إنّما يتم إنتاجها على سطح الأرض، مثل المنتجات الزراعيّة كالقمح، والسكر، والذرة، والسكر، والبن، وتضم أيضًا الماشية كالأبقار، والأغنام.

آلية عمل البورصات السلعية

لا تعتبر البورصات السلعيّة كأسواق جديدة بمفهوم جديد، إنما هي أسواق موجودة منذ القِدم، ولكن تم تحديث طريقة عملها وتنظيمها ضمن نظام جديد. حيث يتم تحديد أماكن محددة في الدول تعرف باسم «الأسواق المركزية» للسلعة المراد بيعها، يجتمع فيه منتجي السلعة مع مشتريها في أوقات محددة غالبًا ما تكون قبل موسم حصاد السلعة الزراعيّة أو وقت إنتاج المادة الأولية الذي تحدده الهيئة المنظمة لعمل السوق، بهدف الاتفاق المُسبق على صفقة تجارية، يتحدد فيها سعر شراء السلعة بعد جمع المحصول أو إنتاج المادة الخام، مع كميات الشراء عن طريق «عقود آجلة» أو «عقود مستقبلية» توثق شروط البيع بين هذين الطرفين.

هذه العقود الآجلة أو المستقبلية بما تحويه من صفقات تجارية يتم تنفيذها في موعد لاحق يحدد فيها. وتعتبر هذه العقود من المشتقات المالية، التي يمكن أن يتم تبادلها في أسواق تشبه أسواق المال تعرف باسم «أسواق المستقات المالية»، فهناك بعض المشترين لا يرغبون في استخدام السلعة المتفق على شراءها ضمن العقد، إنما هم مستثمرون يرغبون في الربح، يدخلون البورصات السلعية بهدف الاستثمار في العقد الآجل والحصول على أرباح من بيعه في سوق المشتقات الماليّة. وهناك فئة أخرى تعرف باسم المضاربين، الذين يكتفون بشراء العقود الآجلة أو المستقبلية من سوق المشتقات الماليّة بهدف إعادة بيعها مرة أخرى بعد فترة معينة في نفس السوق بهدف الحصول على أرباح مجزية من هذه العمليّة، حتى يصل العقد الآجل إلى المشتري الذي يرغب في الحصول على السلعة.

ويعتبر السبب الرئيسي في قيام هذه البورصات أو الأسواق السلعيّة هو تنامي أعداد السكان، الذي أدى إلى التنافس على شراء السلع قبل موعد حصادها، وحتى تستطيع الشركات توفير مستلزمات إنتاجها من المواد الخام أو المنتجات الزراعيّة الأولية، حتى لا تضطر إلى تحمل تكاليف إضافية في حالة نفاذ المواد الخام من السوق، ودفع أسعار أعلى من الأسعار الفعلية للسلعة، وكأن العملية تشبه عملية حجز المواد الخام قبل نفاد كميات الإنتاج.

الخلفية التاريخية للبورصات السلعيّة

الأسواق السلعيّة أو البورصات السلعية كفكرة موجودة منذ القِدم، منذ قيام أبسط أشكال الأسواق التي كانت أسواق مقايضة، يُقايض فيها القمح بالبيض، أو السمك بالفراء. وقد عرفتها الامبراطوريات القديمة في اليونان، وروما، والصين، حيث أنشأت هذه الامبراطوريات أنظمة تجارية معقدة تُسهّل تبادل السلع عبر حدودها الدولية، ومن أشهر الأمثلة عليها طريق الحرير الذي ربط الصين بآسيا الوسطى وأوروبا. وتعتبر بورصة القطن التي استمرت في العمل في مصر قبل قرنين من الزمان، من أشهر البورصات السلعيّة في العالم والوطن العربي.

وقد تطور هذا المفهوم في وقتنا الحالي وأصبح أكثر تعقيدًا، وظهرت أسواق للتبادل السلعيّ وأسواق أخرى لتبادل المشتقات من عقود آجلة وعقود مستقبلية.

ويعتبر مجلس شيكاغو للتجارة الذي تأسس في عام 1848 من أقدم الأسواق السلعيّة الحديثة، حيث كان ينظم تجارة المنتجات الزراعيّة كالقمح، والذرة، وفول الصويا بهدف مساعدة المزارعين والمشترين في تقليل مخاطر عدم التّيقن من الأسعار. وفي عام 2007 اندمج هذا المجلس مع بورصة شيكاجو التجارية، لتظهر أسعار الفائدة ومؤشرات الأسهم بجانب العروض الزراعية المتاحة للبيع على البورصة التجاريّة.

أنواع البورصات السلعيّة

تقسم البورصات السلعية أو الأسواق السلعيّة إلى نوعين من الأسواق، هما:

الأول: الأسواق السلعيّة الفوريّة، وتُعرف أيضًا باسم الأسواق المادية، أو النقدية، ويتم فيها تبادل السلع المادية بين البائعين والمشترين بالتسليم الفوريّ.

الثاني: أسواق المشتقات الآجلة، وهي عبارة عن أسواق يتم فيها الاتفاق على شراء سلعة والحصول عليها في وقت لاحق في المستقبل، ولا يتم تسلمها للمشتري فور الانفاق على بيعها، وبسعر يتفق عليها اليوم، وعند انتهاء الأجل المتفق عليه يتم التسليم المادي للسلعة. ويمكن تداول هذه العقود في أسواق تشبه أسواق المال تعرف باسم «أسواق المشتقات».

البورصات السلعيّة على أرض الواقع

تقع أكبر البورصات السلعية في الولايات المتحدة الأمريكية، في شيكاجو ونيويورك، أقدمها بورصة شيكاغو التي تأسست عام 1848 وتطورت إلى الشكل الحالي، ومن أهم السلع التي يتم تداولها فيها، الذرة، والذهب، والفضة، وفول الصويا، والشوفان، والأرز، والحليب، والزبدة، والأبقار، والماشية، والأخشاب. أمّا بورصة نيويورك التجارية (نايمكس NYMAX) فتتخصص في السلع النقديّة كالسكر، والبن، والكاكاو، والذهب، والفضة، والنحاس، والألومينيوم، والبلاديوم، والبلاتين، وزيت التدفئة، والبروبان، والكهرباء.

وهناك بورصات دولية متخصصة في الذهب، أو النفط، أو الماس، وغيرها من السلع النقدية، يتم فيها عقد صفقات مستقبلية لهذه السلع.

كلمة أخيرة

الزيادات المضطردة في أعداد السكان على مستوى العالم، وارتفاع متوسط الدخول وما ترتب عليه من ارتفاع الطلب العالمي على السلع أدى إلى زيادة الطلب على المواد الخام والمنتجات الأولية، حتى تستطيع المصانع توفير احتياجاتها من المواد الخام والإنتاج وتوفير السلع.

ونتيجة لذلك ظهرت البورصات السلعية بهدف مساعدة المنتجين والمشترين من الحصول على صفقات تجارية عادلة لكلا الطرفين، عن طريق الاتفاق على كميات البيع وأسعار الشراء قبل وصول موعد الحصاد.

وهناك اتجاهات عالميّة لتنظيم هذه الأسواق ووضع القوانين المنظمة لها، وقد أعلنت وزارة التموين المصرية في فبراير2021 عن بدء عمل بورصة القمح في موسم حصاد القمح الحالي، لما لذلك من آثار ايجابية على المنتجين والمشترين.

ومن المتوقع أن تظهر المزيد من البورصات السلعية في الدول العربية، على غرار بوصات النفط والذهب. كما وأن هناك اتجاهات لتأسيس أسواق للمشتقات الماليّة تساهم في دعم البورصات السلعيّة وتسهّل عملها وتتيح خيارات أكبر وأوسع للمشترين والمستثمرين والمضاربين في هذه الأسواق.