التهديدات الاقتصادية العالمية الجديدة والغزو الروسي لأوكرانيا

التهديدات الاقتصادية العالمية الجديدة والغزو الروسي لأوكرانيا

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

«من الممكن لأسعار الطاقة المرتفعة وحدها فقط أن تدفع العالم إلى ركود ثانٍ خلال ثلاث سنوات فقط»

بمثل هذه العبارة لخّص المحللون الاقتصاديون في جريدة الفايننشال تايمز (The Financial Times) فالانتين رومي (Valentina Romei) وجونسون ويتلي (Jonathan Wheatley) وكريس جيليز (Chris Giles) الأخطار والتهديدات الاقتصاديّة الجديدة التي يمكن أن تُصاحب الغزو الروسيّ لأوكرانيا الذي بدأ يوم الخميس الرابع والعشرين من فبراير 2022.

هذا الصراع السياسيّ السياديّ بين الجارتين الأوربيّتين، الذي من الممكن أن يتطور ليصبح الصراع الأكبر في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، الذي جاء بعد توقعاتٍ وآمالٍ في حدوث انتعاشٍ اقتصاديٍّ عالميٍّ قويٍّ على المدى القصير على الأقل، توقع بحصول تعافٍ اقتصاديٍ طال انتظاره للتخلص من تبعاتِ جائحة كوفيد 19 وما نتج عن فيروس كورونا من آثار اقتصاديّة سلبيّة عانت منها غالبية دول العالم، لتأتي هذه الأزمة في ظل ترقب وتخوف من تبعات اقتصاديّة أخرى لم تكن بالحسبان.

بداية الأزمة

البدايات الحقيقة للأزمة كانت عندما هزّ الغزو الروسي لأوكرانيا يوم الخميس الأسواقَ الماليّة العالميّة، حيث ازدادت علميات بيع الأسهم تخوفًا من انخفاض أسعارها في الأيام التالية. كما يتوقع أن تؤدي التوترات الجيوسياسية المتزايدة إلى تفاقم حدة التضخم العالميّ المرتفع وتزايد حدة الاختناقات في سلاسل التوريد العالميّة للسلع ومواد الخام المختلفة.

الآثار المتوقعة للأزمة

أجمع عددٌ كبير من الخبراء الاقتصاديين على أن الآثار الاقتصاديّة المباشرة ستنعكس على التجارة الخارجيّة لروسيا التي ستنخفض بشدة، كما أن العقوبات الاقتصاديّة المفروضة على موسكو من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبيّ، ستتسبب في أزمة ماليّة دوليّة قد تكون عواقبها أكبر من الأزمة المالية العالميّة التي سبقتها. بالإضافة إلى النتائج غير المباشرة للغزو التي ستؤثر سلبًا على أسواق الأعمال التجارية في المنطقة، وسيترتب عليها انعدام ثقة المستهلكين في حكومات ودول الصراع، بالإضافة إلى الآثار المدمرة على أسواق السلع الاستهلاكية في المنطقة.

أما التداعيات الأكثر خطورة على الأسواق العالميّة ستكون في سوق الطاقة العالميّ، إذ إن استمرار أسعار الطاقة العالميّة في الارتفاع سيؤدي وبكل سهولة في النهاية إلى دفع الاقتصاد العالميّ إلى ركودٍ عالميّ في غضون ثلاث سنوات.

كذلك قد تكون نهاية الحرب أو اللعبة المنشودة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين غير واضحة. حيث وضع المحللون عدة سيناريوهات لنهايتها، تتراوح هذه السيناريوهات بين تغيير الحكومة في كييف إلى نظام صديق لموسكو إلى محاولة شاملة لإعادة رسم الحدود الدوليّة لأوروبا.

وقد صرّح هولجر شميدنج (Holger Schmieding) كبيرُ الاقتصاديين في بنك بيرنبرغ (Berenberg Bank) بأن الآثار الاقتصاديّة للحرب ستُحدَّد بناءً على ردة الفعل المحتملة في أسواق المال والطاقة في الأيام المقبلة.

بينما صرَّح اقتصاديون آخرون بأن الاستجابة العالميّة الأوسع ستكون حاسمةً وخطيرة وغير واضحة في الوقت الحاليّ.

أما الاقتصاديّ تيم آش (Tim Ash) فقد أشار إلى الدعم الذي لوَّحت به الصين عندما أبدت استعدادها لمساعدة روسيا في إدارة التداعيات الماليّة لأعمالها العسكرية، الأمر الذي يعني أن رد بكين على العواقب الاقتصاديّة سيكون أوسع نطاقًا من مجرد دعمٍ اقتصاديّ، نحو الاتجاه إلى مزيدٍ من التوتر مع النظام السياسيّ في تايوان المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية، الذي طالما عانت منه الصين، الأمر الذي قد يؤدي أيضًا إلى انتهاج طرقٍ دبلوماسية أكثر اعتدالًا في حل ذلك الصراع. وقد لخص تيم آش فكرته بقوله: «إما أن الصين قد تعتبر الأوضاع فرصة للذهاب إلى تايوان وحل النزاع سلمياّ، أو اعتباره فرصةً ذهبيةً لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة».

يوم الخميس الماضي، ومع بداية الغزو تراجعت الأسواق الماليّة العالميّة بشدة منذرةً بكارثة ماليّة عالميّة، حيث تفاجأت الدول بهذه الحرب، ولكن هذه النتيجة كان من الممكن أن تكون أسوأ بكثير، وقد يترتب عليها انهيار الأسواق الماليّة العالميّة، لكن هذا الأمر قد أصبح الآن مجرد إنذارٍ محتملٍ لأزمة مالية قصيرة أقرب منها إلى حصول انهيارٍ كاملٍ في أسواق المال العالميّة، أزمة لها عواقب سلبيّة ستنعكس قي وقتٍ قريب على ثروات أصحاب الشركات العالميّة، بالإضافة إلى انعكاس أثرها على مستويات الاستهلاك والثقة العالميتين.

كما وأشار كبير الاقتصاديين في كابيتال إيكونوميكس (Capital Economics) نيل شيرينج (Neil Shearing) إلى أن تباين عمليات التداول في أسواق المال العالميّة قد حدث بالفعل، حيث ازدادت عمليات بيع في الأسهم في الأسواق العالميّة وانخفضت عائدات السندات، بينما لم تتسع هوامش الائتمان كثيرًا، مما يدلل على أن ردة فعل السوق كانت منتظمة ولم تتأثر بتباعات توقع حربٍ أوسع وأكبر قد تمتد عبر أوروبا والعالم.

أما الآثار السلبية للحرب فكانت في الاقتصادات الناشئة التي تعرضت لتقلبات أكثر حدة، فقد لاحظ كيفن دالي (Kevin Daly) مدير المحفظة المالية في أبردين لإدارة الأصول (Aberdeen Asset Management) حدوث عمليات بيع مكثفة في كل من غانا وتركيا ومصر وباكستان، مشيرًا إلى التصرفات الماليّة العشوائيّة انحصرت فقط في الدول الضعيفة ماليًّا.

كما وأعلن راندي كروسزنر (Randy Kroszner)، نائب عميد كلية الأعمال بجامعة شيكاغو بوث والمحافظ السابق للاحتياطي الفيدرالي أن مخاطر الركود الاقتصاديّ ستظهر في حجم الاختلاف في العائدات الاستثمارية مقارنةً بالديون غير الاستثمارية، التي لم تعانِ من أيِّ تغيرٍ ملحوظٍ يوم الخميس الماضي. وأضاف أن عوائد الديون السياديّة للدول القريبة جغرافيًّا من روسيا وأوكرانيا ستقدم مؤشرًا جيدًا يدلل عما إذا كانت الأسواق بدأت تخشى صراعًا أوسع وأخطر.

أما الآثار الاقتصاديّة العالميّة النهائية ستُحسم في وقتٍ لاحق عندما تتضح صورة الإجراءات الروسيّة الفعليّة في الحرب، التي ستظهر من خلال ردة فعل الشركات العالميّة والمستهلكين العالميين على هذه الحرب.

ويرى كبير الاقتصاديين في شركة بانثون ماكروايكونميكس (Pantheon Macroeconomics) إيان شيبردسون (Ian Shepherdson) إن حدوث تباطؤ في النمو الاقتصاديّ العالميّ قد بات أمرًا لا مفر منه، حيث ستضعف معنويات المستهلك في كل مكان أكثر وأكثر نتيجةَ التخوف من ويلات هذه الحرب. سينعكس هذا الخوف في انخفاض حجم الاستهلاك، ويترتب حدوث نموٍّ اقتصاديٍّ أبطأ مما كان متوقعًا في كلٍّ من أوروبا والولايات المتحدة ومعظم اقتصادات الدول الناشئة.

أما سوزانا ستريتر (Susannah Streeter) كبيرة محللي الاستثمار والأسواق في هارجريفس لانتون (Hargreaves Lansdown) فترى أن المدة التي ستستمر فيها هذه الأزمة هي التي ستحدد حجم الخسائر التي ستعاني منها الشركات وهي أيضًا من ستحدد مقدار انعدام الثقة من المستهلكين في الأسواق العالميّة.

ومن التداعيات الخطيرة الأخرى لهذه الحرب الضغوط التي يمكن أن تتعرض لها الشركات التي تعمل ضمن سلاسل التوريد التابعة لروسيا، حذّر الاقتصاديون أيضًا منها ومن تبعاتها، حيث توفر هذه الشركات 40% من الخام للبلاديوم الذي يستخدم في صناعة المحولات المحفزة في المركبات التي تعمل بالبنزين والأجهزة الإلكترونية في العالم، مما سينعكس أيضًا على صناعة الالكترونيات وصناعة السيارات العالميّة التي أصبحت الآن تحت رحمة روسيا.

سوق الطاقة العالمي

تعتمد أوروبا بشكل كبير على الغاز الطبيعيّ الروسيّ ولا يمكنها العثور بسرعة على مصادر إمدادات بديلة، لذلك تخشى أوروبا من القيام بأيِّ ردةِ فعلٍ قد تؤدي إلى قطع الإمدادات الروسيّة للغاز الطبيعيّ.
ولكن مع اقتراب انتهاء فصل الشتاء الذي تزامن مع توفر مستويات مخزون عالي من الغاز الطبيعيّ في جميع أنحاء أوروبا أعلى مما كان متوقعًا من قبل بداية أزمة الطاقة العالميّة التي بدأت نهاية العام الماضي، فإن بعض محللي الطاقة يعتقدون أن مسألة إمدادات الغاز قد أصبحت أقل خطورة ولكنها ستعود للظهور في أيّ وقتٍ لاحق من العام إذا استمرت الأزمة.

أما الخطورة الأكبر المصاحبة للحرب ستنعكس في الارتفاع الكبير في أسعار النفط والغاز الطبيعيّ والسلع الاستهلاكيّة الأخرى، إذ إنه من المتوقع أن يؤدي الارتفاع الحاد في أسعار هذه السلع الأساسيّة إلى تضخمٍ اقتصاديٍّ عالميٍّ حاد، ويضرب المستهلكين بشدة ولفترات مستقبليّة قد تكون طويلة.

ويّضيف المحلل الاقتصاديّ شيرنج (Shearing) من مجلة كابيتال إيكونوميكس إلى أنه في حالة توقع أسوأ السيناريوهات قد ترتفع أسعار النفط إلى 120-140 دولارًا للبرميل، ولكن إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع هذا العام وازدادت معها  أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا  فإن ذلك سيؤدي إلى إضافة نحو نقطتين مئويتين إلى مستوى التضخم الاقتصاديّ العالميّ، حيث ستعاني منه أوروبا أكثر، بينما ستكون حدته في الولايات المتحدة أقل، ناهيك عن الضغوط  الإضافية على الدخل الحقيقي التي ستنعكس سلبًا على القوة الشرائية للمستهلكين، وبذلك ستزداد معدلات الفقر العالميّة.

ويضيف شيفردسون من بانثيون أيضًا أن الآثار السلبية للحرب الروسية الأوكرانية ستكون محدودة الأثر على الولايات المتحدة، إذ إن الارتفاع المستمر في الأسعار سيؤثر فقط على منتجي النفط والغاز الصخريّ، لكنه سيلحق الضرر بمستهلكي الطاقة الأمريكيين الذين سيضطرون لدفع فاتورة أعلى نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة العالميّة.

ارتفاع أسعار الفائدة

وكذلك من الممكن أن يؤدي ذلك زيادة الضغط على البنوك المركزيّة لرفع أسعار الفائدة حتى تستطيع امتصاص أثر التضخم. وهذا ما حدث بالفعل عندما أعلن البنك الفيدراليّ الأمريكيّ الشهر الماضي أنه سيبدأ في رفع أسعار الفائدة اعتبارًا من مارس القادم بهدف السيطرة على مستويات التضخم العالية. ولكن مع رفض جاي باول (Jay Powell) رئيس البنك الفيدراليّ الشهر الماضي تحديد مستويات ارتفاع أسعار الفائدة المتوقعة لهذا العام، فإن النتائج المترتبة عليها لا يمكن توقع أثرها بدقة في الوقت الحالي.

أما كريشنا جوها (Krishna Guha) نائب رئيس ايفركور أي اس أي (Evercore ISI) فتعقد أن الغزو الروسي لأوكرانيا سيحد من قدرة البنوك المركزية على جانبي المحيط الأطلسي من هندسة هبوطٍ مرنٍ وسلسٍ للتضخم السعريّ المرتفع، الذي نتج عن جائحة كوفيد 19، وتوقعت أيضاً أن تقلص الأسواق الماليّة توقعاتها، الأمر الذي سيؤدي إلى رفع البنوكِ أسعارَ الفائدة.

كلمة أخيرة

ما زالت معالم الحرب الروسية الأوكرانية غير واضحة، وهناك الكثير من التوقعات بشأن نتائجها الاقتصاديّة، إلا أن الحقيقية الأكيدة التي لا يمكن إنكارها أننا على أعتاب أزمة اقتصاديّة عالميّة جديدة قد تضرب أسواق الطاقة العالمية، وتنعكس على أرباح الشركات الدوليّة وستؤدي إلى انعدام ثقة المستهلكين. ولكن روسيا أثبتت أنها قوة سياسية وعسكريّة لا يستهان بها بالإضافة إلى دورها القوي على مستوى الاقتصاد العالميّ، الذي يتمثل في قدرتها في التحكم في أسواق الطاقة ومصادر المواد الخام النادرة التي يمكن أن تضر بقطاعات اقتصاديّة أخرى كصناعة السيارات والإلكترونيات العالميتين. وما زلنا ننتظر نتائج هذه الأزمة العالميّة بترقب لعل نتائجها تكون في صالحنا.