مقدمة عن الثقوب السوداء.

مقدمة عن الثقوب السوداء.. وكيف رأيناها

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
لقد كان عامُنا الماضي مَليئًا بالإنجازاتِ والإسهاماتِ العلميّة، ففي يوم الأربعاءِ 10 أبريل/نيسان 2019، أعلنَ العلماءُ عن نجاحِهم في التقاطِ أوّلِ صورةٍ لثقبٍ أسود، والذي يقعُ في مركزِ مجرَّةِ (ميسييه 87 – Messier 87)، ويبعدُ عنّا نحوَ 55 مليونِ سنةٍ ضوئيّة، ذي كثافةٍ تصلُ إلى 6.5 بليون مرة أكبر من شمسِنا، والذي كان حديثَ العالَمِ بأجمعِه عن هذا التقدُّمِ الهائلِ وأهميّتِه(1). ولكن، ما هو الثقبُ الأسودُ في الأصل؟ ولماذا أثارت تلك الصورةِ كلَّ هذه الضجّة؟

لنبحثْ معًا عن أجوبةِ تلك الأسئلة.

ما هو الثُّقب الأسود؟

الثقوبُ السوداءُ هي أماكنٌ في الفضاءِ ذاتُ قوّة جاذبيّةٍ شديدة، وتسحبُ كلَّ ما يَمرُّ بقربِها، حتّى أنّ الضوءَ لا يستطيعُ الهروبَ منها، ولذلك لا يُمكنُ رؤيةُ الثقوبِ السوداء؛ بسببِ عدمِ انعكاسِ أيِّ ضوءٍ منها.

يتكونُ الثقبُ الأسود عند موتِ أحدِ النّجوم الكبيرة ذات الكثافة العالية، ففي تلك المرحلة يسقطُ النّجمُ متهاويًا على نفسه، مسببًا انفجارًا هائلًا، وتُعرف بظاهرة (المستعر الأعظم – Supernovae) ، ويفقد كلَّ طاقته، ويسبب انحناءً شديدًا في نسيج الفضاء (الزَّمكان – Space Time)، مما يزيد من قوة الجاذبية في تلك المنطقة، ويتباطأ الوقت، وتبتلعُ كلَّ ما يمرّ بجانبها(2) (3).

الجاذبيّة والزّمكان

في عام 1915 نشر العالِم (ألبرت أينشتاين – Albert Einstein) بحثَه عن النظريّة النسبيّة العامة، التي تصادمت مع قوانين العالِم (نيوتن – Newton)، وغيّرت كلَّ المفاهيمِ العلميّة عن الكون بشكلٍ عام، ومفهومَ الجاذبيةِ بشكلٍ خاص.

فسَّرَ أينشتاين في تلك النظرية تكوينَ الكون من نسيج الزمكان، وأنَّ الجاذبيةَ ليست انجذابِ جسمين إلى بعضَيْهما كما شرح نيوتن، وإنَّما الجاذبيةُ عبارةٌ عن استقرارِ جسمٍ ذي كثافةٍ في ذلك النسيج؛ مما يؤدِّي إلى ثَني هذا النسيج حول هذا الجسم؛ فتسيرُ الأجسامُ العابرةُ بالقرب من الجسم المستقرِّ على انحناءات هذا النسيج، مع تباطؤ البُعد الزمني. وهذا يوضِّحُ؛ أنّه كلّما ازدادت الجاذبية تمدّدت انحناءات هذا النسيج ليصبح الوقت أطول، مما يعنى أنَّ الوقتَ يمرُّ أبطأ  كلّما زادت الجاذبية(4).

لاحقًا، نشر العالِم (كارل شوارزشيلد – Karl Schwarzschild) بحثَه عن اكتشافه لفكرة وجود الثقوب السوداء، حيث إنه إذا ضُغِطَ أيُّ جسمٍ كُرويٍ كبيرٍ إلى حجمٍ صغيرٍ جدًا، يتسبَّب ذلك في تكوين انحناءٍ شديدٍ في الزمكان، ممّا يؤدي إلى زيادة جاذبية وكثافة تلك المنطقة بشكلٍ كبير، وهذا ما يُعرف بالثقب الأسود(5).

 

كيف نرى الثقوب السوداء؟

حتّى الماضي القريب، كان لا يمكننا رؤية الثقوب السوداء، لأنّه كما وضَّحنا سابقًا؛ أنَّ الثقوبَ السوداءَ لها جاذبيّة عاليّة، تُمكِّنها من ابتلاع كلِّ ما يمرُّ بقربها إلى داخلها، حتّى الضوء؛ لذلك لا يمكننا رؤيتها، لكن العلماء على مقدرةٍ من تحديد أماكن الثقوب السوداء عبر مراقبة سلوك كلِّ الأجسام -بما فيهم النجوم- المحيطة بهذا المكان الذي يُشتبه في كونه ثقبًا أسود؛ حيث إنّ تلك الأجسام تبدأ بالدوران حول هذا المكان بسرعةٍ كبيرة. وكذلك عبر مراقبة تغير الخصائص الفيزيائية لتلك الأجسام كلما اقتربَت منها.

 

 

صورة أوّل ثقب أسود

حدثت المفاجأة العلميّة الكبيرة في العاشر من أبريل/نيسان من عام 2019، عندما نشر مرصد (أفق الحدث – Event Horizon) أولَ صورةٍ لثقبٍ أسود، والذي يقبع في مركز مجرة ميسييه 87، وهي مجرَّةٌ كبيرةٌ تقع بالقرب من كوكبة العذراء، وتبعد عن كوكبنا نحو 55 مليون سنةٍ ضوئية.

هذه الصورة هي نتيجة مشروع مرصد أفق الحدث، والذي هو عبارة عن تعاونٍ دوليّ بين ثمانية تلسكوبات لاسلكية راديوية، في أماكن مختلفة من الكوكب، حيث شُغِّلَت جميع التلسكوبات تزامنًا مع بعضهم، مع استغلال دوران كوكب الأرض حول نفسه، وتوجيه كلِّ منهم على وِجهة معينة تِجاه هذا الثقب، ممّا يتيح لكل واحدٍ منهم التقاط صورةٍ لجزءٍ من الثقب، وتجميع بعض من البيانات الخاصة بذلك الجزء.

بناءً على ذلك؛ تم تجميع كل البيَّانات على حِدة، والتي وصل حجمها إلى 5 بيتابايت –أي ما يعادل 5000 تيرابايت- على أقراصٍ صلبة، وتحليلُها بخوارزميّات ذات كفاءة عالية لتأتي لنا بهذا الإنجاز العلميّ الشيّق(5).

يُعدُّ هذا الإنجاز العلميّ من أهمِّ الإنجازات التي وردت في تاريخنا البشري، والذي بدوره سيوضح لنا ولعلمائنا كثيرًا من الأسرار الكونيّة، ويساعدنا بالتعرُّف إلى كثيرٍ من خصائص الثقوب السوداء، ورؤية أسرارٍ أخرى لم يخطر ببالنا رؤيتها.

المصادر:

  1. Press Release (April 10, 2019): Astronomers Capture First Image of a Black Hole [Internet]. [cited 2020 Feb 5]. Available from: https://eventhorizontelescope.org/press-release-april-10-2019-astronomers-capture-first-image-black-hole
  2. MSFC JW: What Is a Black Hole? [Internet]. NASA. 2015 [cited 2020 Feb 2]. Available from: http://www.nasa.gov/audience/forstudents/k-4/stories/nasa-knows/what-is-a-black-hole-k4.html
  3. Black Holes, Explained [Internet]. Science. 2018 [cited 2020 Feb 5]. Available from: https://www.nationalgeographic.com/science/space/universe/black-holes/
  4. Hawking, Stephen, 1942-2018. A Brief History of Time. New York :Bantam Books, 1998, Ch.2 Space and Time, P.29
  5. September 11 PS, 2017. On the Existence of Black Holes [Internet]. Space.com. [cited 2020 Feb 5]. Available from: https://www.space.com/38091-the-existence-of-black-holes.html