الثمار اللذيذة للعنة الحروب البشرية

war

ليس هناك خلاف على أن كل حرب هي سقطة في مسار البشرية، وجرح نافذ في ذاكرة التاريخ، يُخلف آثاراً تختلف حدتها وطبيعتها بحسب كل حالة، فالموت والجوع والدمار والخوف هي وصمات أساسية على جبين الحروب. ولكن ماذا لو لم تكن هناك حرب أصلاً … !!!

 

ما هو حجم النفقات التي أهدرها العالم من أجل لا شيء إلا بعض الفتوحات أو النزاعات للسيطرة على جزيرة معزولة أو لتسيير تجارة في دولة ما رغم أنفها ؟؟ ماذا لو تم توجيه ثمن كل قنبلة انفجرت في العصر الحديث لإنتاج ما يفيد الجنس البشري ؟؟ وبدلاً من صناعة المقاتلات، كان هناك طائرات تقل السياح من بلد لأخرى.

 

تُقدّر حجم النفقات التي أنفقت في الحرب العالمية الثانية بأكثر من (288) مليار دولار بحسابات العام (1940)، أي ما يساوي (5) تريليون دولار تقريباً في العام (2007)، ماذا لو أننا وفرّنا كل هذا ؟؟ هل كان بالإمكان أن يصل العالم لمرحلة يصبح فيها بلا فقر أو أوبئة وبلا نزاعات ؟؟ يسرد التاريخ كماً من الحقائق ينافي هذا التصور، حيث يذكر معظم المؤرخين نجاحات لم تكن لتتحقق لولا الحروب، ونقلات هامة في تاريخ البشرية، الثقافي والاقتصادي كان محركها الأساسي حروب شرسة ودامية، منها على سبيل المثال:

 

  1. في مجال الطيران الحربي، الذي كان يخطو خطاه الأولى خلال الحرب العالمية الأولى، كانت طرق التواصل مع الطيار بعد الإقلاع هي الإشارات بالإعلام والتلويح من الأرض، فلم يكن ثمة نظام اتصال لاسلكي، ولكن الجيش الأمريكي دأب على إدخال موجات الراديو في تطبيقات التواصل بين الطائرة وقاعدة الملاحة العسكرية، حتى استطاعوا في العام (1916) أن يستخدموا نظاماً يُمكنهم من التواصل مع الطائرة حتى بعد (140) ميلاً، وكان ذلك هو المفتاح لتطوير أنظمة الاتصال اللاسلكية فيما بعد وإدخالها في تطبيقات أكثر سلمية.

  2. حجرة الطيار المضغوطة: عانى الطيارون الذين حلقت طائراتهم على ارتفاعات عالية قبل الحرب العالمية الثانية من أعراض نقص الأكسجين في الدم والإعياء أو ما يعرف بالهيبوكسيميا (hypoxemia وذلك بسبب اختلاف الضغط الجوي، وفي ذروة الحرب، قام العلماء بتطوير الطائرة (B-29) وهي أول طائرة ذات حجرة طيّار مضغوطة الهواء، وجرى تجريب النماذج الأولية منها خلال الحرب، وأخيراً طُرحت رسمياً في العام (1944)، كأول طائرة ذات حجرة طيّار مضغوطة الهواء لمواجهة مشاكل اختلاف الضغط الجوي عند الارتفاعات الكبيرة، وهو النظام الذي تعمل به جميع الطائرات في الوقت الحالي.

  3. تطبيقات سبيكة الستانلس ستيل(Stainless steel) التي تتميز بمقاومة الصدأ، بدأ العمل على تطويرها في الحرب العالمية الأولى، عندما واجه الجيش البريطاني مشكلة تتمثل في تعرّض بنادقه للصدأ والتلف، فابتكر المهندس البريطاني هاري بيرلي (Harry Brearley 1871-1948) هذه السبيكة التي لا تصدأ، واستخدمت أولًا في صناعة البنادق، وثم انتقلت إلى أغلب المنتجات المعدنية التي تستخدم بشكل دوري في المنزل.

  4. فكرة حمل الساعة باليد، فلم يكن أحد يفكر بذلك قبل الحرب العالمية الأولى، فقد كانت الساعات توضع دائماً في الجيب، ولكن وبسبب قيمة الوقت في الحرب، وفي محاولة من الجنود لتوفير المدة التي يستغرقها التعرف على الوقت، تم ابتكار ساعات اليد التي تربط على المعصم والتي تساعد صاحبها في التعرف على الوقت في أقل من ثانيتين.

  5. الاندماج الثقافي بين حضارات الشرق والغرب كنتيجة لحروب الاسكندر الأكبر (335-323 ق.م) التي شكلت واحدة من أكبر الاختلاطات بين شعوب العالم القديم وأهمها، فقد تأثرت الحضارات الشرقية بالحضارة اليونانية ودخل العالم بعدها عصراً جديداً هو العصر الهلنستي.

 

والكثير الكثير مما وصلنا إليه اليوم ، يرجع أصوله إلى حاجة قصوى في حرب سابقة، أو لقرار طائش، أو لنزعة استعمارية، أدت إلى ردّ فعل طبيعي مساو لقوة الحدث، فأنتج لنا اختراعاً أو أدباً أو فلسفة ساعدت في دفع البشرية إلى الأمام وصولاً إلى ما هي عليه اليوم. فالحرب لعنة، ولكن ثمارها مفيدة في بعض الأحيان، وفي ذلك التجسيد الأصدق لعبارة ” الحاجة أم الاختراع”.

 

إعداد: جورج عياد

مراجعة: المهندس ميشيل نقولا بكني

المصادر: Apocalypse in Paradise, المجلد 4

http://www.expertreviews.co.uk/technology/7907/top-inventions-and-technical-innovations-of-world-war-2/page/0/1

http://mentalfloss.com/article/31326/5-medical-innovations-civil-war

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي