الدخل الأساسي المعمم.

الدخل الأساسي المعمم: هل يعد بديلًا مناسبًا لتحقيق العدالة الاجتماعية بعد كوفيد-19؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
أعادت أزمة كوفيد-19 الجدل حول الاقترابات أو السياسات المختلفة بمواجهة الفقر وتقديم الدعم والحماية الاجتماعية للفئات المهمشة. ومع تجدد الجدل حول السبل المختلفة للتعامل مع الأزمة برز من جديد مفهوم الدخل الأساسي المعمم باعتباره أكثر الطرق مُلائمة وأكثرها قدرة على الوصول المباشر للفئات المحتاجة للدعم. ونحاول في هذا المقال توضيح الأبعاد المختلفة لهذا المفهوم بشكل مبسط والأبعاد المرتبطة به.

أولًا: ما هو مفهوم الدخل الأساسي المعمم

لا يُعد توزيع الإعانات الشهرية أو المبالغ النقديّة بشكل مباشر في فترات الأزمات الاقتصادية أمرًا نادرًا فغالبًا ما لجأت الدول لهذا البديل كجزءٍ من سياساتها الاقتصادية في فترات الركود الاقتصاديّ وفي حالات الكوارث الطبيعيّة والنزوح الجماعيّ والأوبئة. فلا تقتصر فائدة تقديم المبالغ النقديّة على التخفيف من وقع الصدمات الاقتصادية نفسها وإنما قد تكون جزءً من مواجهتها مثلما حدث في الفترة الأولى لجائحة كوفيد-19 لأنها تتيح للأفراد خيارَ البقاء في المنزل مما يساعد في السيطرة على معدلات العدوى (1).

إلا أن الجدل المثار بشأن قضية الدخل الأساسي المعمم غير مرتبطٍ بتقديم هذه الإعانات أو المبالغ النقدية بشكل مؤقت أو طارئ وإنما الانتقال إلى تقديم هذه المبالغ بصورة دائمة لمواجهة أوجه ضعف أنظمة الحماية الاجتماعية التي انكشفت في الأزمة الأخيرة وحفزت البحث عن بدائل.

ويُشير مفهوم الدخل الأساسي المعمم إلى فكرة دفع مبلغ ماليّ بانتظام (بما يمثل دخلًا) إلى جميع أفراد المجتمع على أساس فردي غير مشروط. وهو بذلك يقوم على خمس أبعاد أو أركان: فهو يأخد شكل تحويل نقديّ مباشر، خلافًا للإعانات أو المساعدات التي تأتي في شكل إعانات عينية وخدمات. ويُصرف بشكل منتظم ودائم. ويستفيد منه جميع الأفراد بصرف النظر عن ثرواتهم أو أوضاعهم الاجتماعية أو الوظيفية. كما أنه يرتبط بالأفراد وليس الأسر. وغير مقيد أو مشروط. (2)

والحقيقة أن تحليل الآثار الاقتصادية المتوقعة لتطبيق فكرة الدخل الأساسي المعمم قد تذهب إلى أن هذا البديل وإن كان من الممكن أن يساعد على حل بعض القضايا العالقة مثل قضايا الجماعات المهمشة، والتفرقة في الحصول على فرص العمل، أو تحسين شروط العمل للعمال، وتحسين قدرتهم التفاوضية من خلال توفير حد أدنى للدخل أو بديل يكفيهم لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

أو يكون له دور في حركات التمكين من خلال منح دخل على مستوى فرديّ للنساء اللاتي لا يعملن ويكتفين بالعمل المنزليّ أو الأسريّ (العمل بلا أجر). إلا أن التطبيق العملي المحدود لهذا البديل في ألاسكا على سبيل المثال من خلال «صندوق ألاسكا الدائم» والذي يقدم مبالغ ماليّة تتراوح بين ألف دولار وألفي دولار سنويًا لجميع المواطنين الأمريكيين القاطنين في ألاسكا، أظهر أن هذه السياسة لم يكن لها أي تأثير على الحد من الفقر خاصة للأطفال أو وقف وتضييق هوة التفاوت في توزيع الدخول كما لم يكن له أثر على النشاط العمالي. (1)

على صعيد آخر هناك بعض التجارب الدوليّة لفكرة الدخل الأساسي المعمم ولكن بصورة مختلفة تتمثل في تقديم تحويل نقديّ لفترات زمنية محددة لمواطنين يعيشون على دخول منخفضة بأماكن مختارة في دول نامية (أغلبها في الهند وبعض دول أفريقيا جنوب الصحراء مثل كينيا التي تستضيف حاليًا أكبر تلك التجارب المنضبطة عشوائيًا التي سيحصل خلالها (6000) شخص على تدفق نقدي ثابت لمدة عشر سنوات على الأقل) في ظل تشيع كبير لمثل هذه السياسات من المنظمات الدوليّة والمؤسسات المانحة بوصفها أداة مكافحة الفقر عالميًا مقارنة ببرامج التدريب أو الإعانات العينية. وقد عرفت هذه البرامج باسم «صناديق العمل الاجتماعيّ» أو «التنمية القائمة على المشاركة المجتمعية» وعادة ما تتشارك في إدارتها الحكومات والجمعيات الخيرية والمؤسسات والوكالات الإنمائية. (3)

حدود تطبيق الدخل الأساسي المعمم

بغض النظر عن مدى الجدل المثار حول سياسة «الدخل الأساسي المعمم» حاليًا إلا أن هناك العديد من النقاط التي قد تدفع إلى إعادة النظر في مدى قابلية هذه الفكرة للتطبيق كبديل عن برامج الحماية الاجتماعيّة الموجودة بالفعل:

أولًا: من أهم المعوقات التي تواجه تبني مثل هذه السياسة في الدول النامية والأكثر فقرًا هي محدودية الموارد المالية المتاحة في تلك الدول في ضوء ما تعانيه من أزمات اقتصادية متكررة وعجز مزمن في الموازنة العامة وضعف أو تشوه في أنظمتها الضريبية وارتفاع معدلات المديونية بها. واتجاه تلك الدول لترشيد الإنفاق وبرامج الدعم وليس التوسع فيها.

ثانيًا: التساؤل حول دور هذه السياسة في مواجهة الأزمات الهيكلية في تلك الدول والمتمثلة في ارتفاع معدلات الفقر والتفاوت الكبير في توزيع الدخل. فسياسة الدخل الأساسي المعمم هي بالتعريف تقدم بشكل متساوٍٍ لكل الأفراد بغض النظر عن درجة احتياجهم وبالتالي قد تكون السياسات الحالية للحماية الاجتماعية القائمة على مشروطيات معينة ترتبط بمستوى الدخل أو الظروف الاجتماعية والصحية، على سبيل المثال هي الأكثر ملائمة في استهداف مشكلات الفقر والتفاوت في توزيع الدخل إذا ما تم تطبيقها على النحو الملائم.