Notice: Undefined index: options in /home/egyresmagadmin/web/egyresmag.com/public_html/wp-content/plugins/elementor-pro/modules/theme-builder/widgets/site-logo.php on line 192

ماذا تعرف عن الدرويد (كهنة شعوب السلتيك)؟

شكَّلتْ طبقةُ (الدرويد- DRUIDS) “كهنة شعوب السلتيك” تهديدًا قويًّا للإمبراطوريّة الرومانيّة قبل أن تحتويها المسيحيّة؛ لكن ظلَّتْ بعضُ التساؤلات الخاصّة عن هؤلاء الكهنة مطروحة، هل كانوا مسالمين أم مصدر قلقٍ وتمرُّد؟ هل كانوا يعبدون الطبيعة أم شكَّلوا شكلًا مختلفًا من الاعتقاد؟

                       صورة رمزية لكهنة الدرويد

أصل الدرويد

للأسف، لا يُعرف الكثير عن تلك الطبقة الاجتماعيّة التي عُرفت بكهنة “الدرويد”، ولكن ذلك لا يمنع من البحث والتكهُّن بطبيعتهم وحقيقتهم، أمّا عن معنى كلمة “الدرويد” أو DRUIDS، فهي تقريبًا تأتي من كلمة Doire، وهي كلمة أيرلندية تعني شجرة البلوط (التي غالبًا ما كانت رمزًا للحكمة والمعرفة عندهم) نظرًا لاهتمام هؤلاء الكهنة بالعالم الطبيعيّ، ودوره في تفكيرهم وخاصة شجرة البلوط، التي اعتبروها شيئًا مقدسًا، ورغم اتفاق أغلب الكتابات على أصلهم لبلاد السلتيك، لكن هناك بعض النظريات البديلة ترى أن لهم أصلًا مشتركًا مع ثقافات الشرق القديمة وغيرهم، بل هناك من نَسَبَهم إلى بلاد أتلانتس.

لم يستخدمْ السلتيك القُدامى الكتابةَ في تدوين تاريخهم، لذا فإن أغلبَ ما استقيناه من معلوماتٍ حول كهنة الدرويد جاءتْ من مصادرَ ثانويّة، وخاصة المصادر الرومانيّة، فإنَّ التاريخَ المُسجَّل عنهم يأتي من مصدرين أولهما: كتابات الرومان الحقيقية، وثانيهم: تفسيرات قائمة على تلك الكتابات الرومانية، التي يُنظر إليها على أنها محاولات تشويه رومانية لكهنة الدرويد؛ لذا شابتْ بداية ظهورهم عدم الدقة، في حين يقترح كونليف، أستاذ علم الآثار بجامعة أكسفورد، في كتابه (الدرويد- DRUIDS) أن أولَ إشارةٍ لهم تعودُ إلى حوالي 2400 عام، ولكن يؤكّد أن تاريخَهم أبعدُ من ذلك بكثير، ولكن لا يمكن الجزمُ بتاريخٍ مُعيَّن لعدم وجود تاريخٍ مُسجَّل لهذه الفترة السابقة.

        صورة رمزية لأحد كهنة الدرويد

كهنة الدرويد في الكتابات التاريخيّة

أمّا عن مصدرِ المعلومات عن كهنة الدرويد، وهي كتاباتُ الرومان، فتأتي كتابات يوليوس قيصر أكثر المدونات ذكرًا لهم، ولكن تباينتْ هذه الكتابات بين المدح والذم، وبين الإعجاب بهم وتشويههم، فكَتَبَ يوليوس قيصر في عام 50 ق.م بمناسبة دخوله بلاد الغال (فرنسا حاليًا) واصفًا إيّاهم بدراسة الفلك، وقيامهم بالتعليم والفنون وتفسير جميع المسائل الدينيّة والقضاء، وفي موضعٍ آخر وصفهم بالوقار والاحترام وقيامهم بدور الوسيط بين الناس والآلهة، ولكنه يصفهم في مواضع أخرى بكثير من صفات الذم التي قد تكون متناقضة مع وجهة النظر الأولى، فوصفهم بأنهم فئةٌ شاعتْ فيهم الخرافة والطقوس الزائفة، وأنهم لم يكونوا يهتمّون بالكتابة، واقتصرت تعاليمُهم على التدريس الشفهيّ، بل زاد على الأمر بأن وصفهم بالوحشيّة والقتل والتضحية بمواطني بلاد الغال للتقرُّب من الآلهة؛ عندما قاموا بقتلهم وحَشْوِ بطونِهم وإضرام النار فيهم، ولم تقتصر تلك الأوصاف الشنيعة للدرويد على كتابات يوليوس قيصر، فقد كتب بليني (المؤرخ الروماني بلينيوس ت 79م) عنهم قائلًا:

“إن قتلَ الرجل عندهم هو أعلى درجات الإخلاص، وأكل جسده هو أعلى درجات الصحة والعافية”

ويضيف المؤرخ الروماني تاكيتوس -ت 120م- واصفًا إياهم خلال معركة ويلز بأن الدرويدز قاموا بعمل مذبحة، وقاموا بتغطية ضحاياهم بالأحشاء البشريّة بعد استشارة آلهتهم.

هذا وقد تصدَّى للدفاع عن تلك الاتّهامات العديدُ من المؤرخين، منهم عالمة الكلاسيكيّات جين ويبستر التي برَّرَتْ ما أُشيع عنهم من أفعال بأنها كانت بمثابة مقاومة للرومان الذين قمعوا الدرويد بدءًا من عهد أغسطس في عام 27ق.م، وعارض غيرها الكثيرون تلك النظرة التي وصفهم بها يوليوس قيصر، وأنها كانت محاولة منه لتبرير احتلال مناطق وجودهم وضرورة إدماجهم في المجتمع الروماني، وأنهم كانوا في حاجة للتحضُّر، وفي نفس سياق الدفاع عنهم يصفهم المؤرخ ديو كريسوستوم -الذي عاش قبل 1900 عام- بالحكمة والوساطة، وأنهم كرَّسوا حياتهم لدراسة فن الأنبياء والحكمة بشكلٍ عام، وقارن بينهم وبين المجوس والبراهمة في الهند، ورغم كل ذلك الدفاع عن ممارسات الدرويد والمبالغة فيها، إلا أن الجدل حول طقوسهم الشنيعة تلك قد أُثير مرةً أخرى في عام 1984م، حينما عثر أحد رجال قطع الفحم في منطقة شيشاير، إنجلترا على رفات بشريّة، ظلَّت محفوظة داخل أحد المُستنقَعات لمدة ألفي عام، وقد وُجد في آثار الرفات احتواءُ أحشائها على حبوب لقاح لنبات (الدبق)؛ مما أدّى إلى تكهُّنات مثيرة للجدل وتفسيرات تفيد بأنه تم التضحية به كقربانٍ ضمن طقوس كهنة الدرويد، أو ربما هو نفسه كان أميرًا للدرويد.

وفي محاولةٍ لتفسير كل تلك النقاط؛ فقد كانت ممارسات الدرويد ككهنة تُشبه ممارسات الكهنة اليوم من خلال وسطيتِها بين البشر والآلهة، ولكن في العصور القديمة كانت سلطاتُهم وأدوارهم أكبر وأكثر قوة، فقد ملكوا بجانب عملهم كمربيين وفلاسفة وعلماء وقضاة قدرًا كبيرًا من التبجيل والاحترام، وملكوا القدرة على طرد المذنبين من المجتمعات لخرقهم قوانينهم المقدسة، بل زادت قوتُهم حتى وصلت إلى درجة إيقاف الحروب ومنع وقوعها بين طرفي النزاع، ولم يكونوا مُطالبين بدفع الضرائب أو العمل كمقاتلين في الحروب، زد على ذلك ما تمتعت به المرأة الدرويدية من قوة ونفوذ وتمتُّعها بكامل حقوقها مثل الرجل تمامًا لدرجةٍ وصل الأمر بحقّها في تطليق أزواجهم، وهذا أمر لم يكن مُعتادًا بالنسبة لمجتمعٍ قديم، ورغم كل تلك السلطات لكهنة الدرويد؛ يتعجَّب كونليف في كتابه عنهم أن أغلب النصوص القديمة التي ذكرتهم لم تُطلِق عليهم “كهنة” بشكلٍ مباشر.

عن كهنة الدرويد

يمكن وصف الدرويد ومعتقدهم بأنهم كانوا على دينٍ شامانيّ (ظاهرة دينيّة تتضمن طقوس الشامان، أهل سيبريا وآسيا الوسطى)، لأنها اعتمدت على مزيجِ الاتّصال بين عالم الأوراح والتَّداوي، وجنوا من ذلك الفكر أموالًا وثروات طائلة، تلك الثروات التي جعلت منهم مجتمعًا خاصًّا بذاته، فلم يكن الدرويد فئةً واحدة، بل كانوا مُقسَّمين في هرمٍ اجتماعيّ إلى أكثر من فئة، ولكل فئة منهم رداءٌ بلونٍ مختلف، فقد كان الكاهن الأكبر أكثرَهم حكمة أو كما عُرف عندهم بـ “الكاهن القوس” يرتدي جلبابًا ذهبيّ اللون، ويأتي بعده الكهنة العادُون ويرتدون لباسًا أبيض اللون، ثم الفرع الثالث منهم والمنوط به القيام بتقديم القرابين للآلهة، ورداؤهم أحمر اللون، بينما كان المجندون منهم والأقل مرتبة يرتدون أردية بنية أو سوداء اللون.

كان أشهر الاحتفالات عند الدرويد ما عُرف باسم (سمحين- Samhain) وهو اليوم الذي يُشار إليه حاليًا بعيد الهالوين في 31 أكتوبر، وكانوا يحتفلون به في نهاية موسم الحصاد، وقد كان يومًا تطغى عليه طقوس التصوّف والروحانيّة، لأنه حسب معتقدهم كان هذا اليوم هو الوحيد الذي كان فيه الأحياء والأموات أقربَ للكشف عن أنفسهم أكثر من أيّ يومٍ آخر.

ومع ظهور المسيحيّة، وتقدُّمها إلى فرنسا والجزر البريطانيّة في القرن الأول الميلاديّ، وتقدمها إلى بلاد السلتيك؛ تغيَّرت طقوس الدرويد وعرفوا بالسحر والعلاج الروحاني، وحلَّت المسيحية محلَّ الكثير من معتقداتهم حتى تلاشت الدرويدية تدريجيًّا شيئًا فشيئًا، ولكن لم تختفِ أو تنتهِ مُطلقًا، فقد لاحظ كونليف ظهورهم في القرن الثامن الميلادي في أيرلندا، ولكن لم يكونوا بقوة عهدهم القديم، وفي عصرنا الحديث تم إحياء الكثير من طقوسهم بعد حوالي ألف عام من انقراض شكلهم القديم.

إن أكثر الكتابات عن كهنة الدرويد هي في الحقيقة مصادر ثانويّة وغير أصليّة، لذا لا يمكن التأكيدُ على رواياتها، وبالمثل؛ فإن علماء الآثار لا يملكون إجابات كافية عن التساؤلات التي طرحناها في بداية المقال، حتى أن بعض العلماء لا يمكلون إجماعًا حول ارتباط هذه الفئة بمفهوم الكهانة، ومن الغريب أنه لم يتم العثور على أي قطعة أثريّة واحدة تُنسَب إلى الدرويد، ويظلُّ الغموضُ يشوبُ الكثيرَ والكثيرَ حول طبيعة كهنة الدرويد.

 

المصادر:

1

2

3

4

 

شارك المقال:

فريق الإعداد

إعداد: عُمر بكر محمد
تدقيق لغوي: محمود خليفة
تحرير: هدير جابر
0 0 votes
Article Rating
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي