العقيدة والمنطق: بين جلال الوحي وسلطة العقل (2)

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
العقيدة والمنطق|العقيدة والمنطق

الفترة الكلاسيكية

العقيدة والمنطق عند الديانات اليونانية

كانت العقيدة والمنطق عند هذه ديانات على نقيض اليهودية، فكانت تقوم على التكهّن والتأمل في المقام الأول ليس على مستوى العالم البشري فقط، بل على الكون ككل.

كثيرًا ما كان يصاغ ذلك بالخرافات الأدبية، ومع ذلك فإنَّ هذه الأشكال من التكهنات الدينية عمومًا ذات طبيعة عملية؛ فكانت تهدف إلى زيادة الفضيلة الشخصية والاجتماعية لدى أولئك الذين يشاركون فيها.
وكانت هذه الديانات تنطوي على الممارسات الثقافية المدنية.

حاول أوائل الفلاسفة في العصور اليونانية استخلاص القضايا الميتافيزيقية من هذه الادّعاءات الأسطورية، وبمجرد تحديد هذه المبادئ واستئصالها؛ قاموا بتنقيتهم من التكهنات الباطنية والخرافات الموجودة في أصولهم الدينية.

وعلاوة على ذلك، استنكروا الميل إلى الغنوصية[1] والنخبوية[2] الموجودة في الثقافة الدينية حيث تطورت الأساطير الدينية؛ ومع ذلك، لم يكن أي من هؤلاء الفلاسفة مهتمين بشكل خاص بمسألة الموافقة أو الإيمان بهذه المعتقدات الدينية على هذا النحو.

العقيدة والمنطق عند أرسطو وأفلاطون

وجد كلٌ من أفلاطون وأرسطو مبدأ التنظيم الفكري في التفكير الديني، والتي يمكن أن يعمل بشكل ميتافيزيقي كوضع حد لتراجع وتدهور التفسير والتوضيح.

العقيدة والمنطق عند أفلاطون

يوجد ذلك في النماذج، وخاصةً شكل الخير، وهذا الشكل حيث توجد كل الأشياء التي تكسب تفسيرها وتوضيحها.

العقيدة والمنطق عند أرسطو

رفض أرسطو هذا الشكل من التعامل في هذه الأمور؛ وذلك لأنه غير قادر على حساب مجموعة متنوعة من الأشياء والأمور الجيدة (أي أنّها طريقة غير كاملة)، وجذب أرسطو بدلًا من ذلك المحرك الغير متأثر[3] (The unmoved mover) ككيان كوني غير قابل للتغيير؛ واعتبر هذا الجوهر الأساسي/الأوّلي بمثابة نُصّ/نوص/العقل[4] (Nous): حيث «التفكير الذاتي، والقدرة على الإدراك والتفكير بعقلانية»؛ فيظهر تباعًا من هذا المفهوم نماذج لأشياء موجودة.

العقيدة والمنطق
رسم يوضح مفهوم المجالات السماوية التي وضعها أرسطو كما شرحها بطليموس، وبحسب هذا المفهوم، فللدائرة الخارجية قدرة إدراكية خاصة بها هي النوص.

طوّر كلا المفكرين أيضًا إصدارات من اللاهوت الطبيعي من خلال إظهار كيف تظهر المعتقدات الدينية من الانعكاسات العقلانية على الواقع الملموس، حيث يمكن الاطلاع على العلوم الدينية للدفاع عن العقائد/الدين -مما يدل على وجود الآلهة- والتي يمكن إيجادها في قوانين أفلاطون.
وقدمت فيزياء أرسطو حججًا تثبت وجود محرك غير متأثر كمفكر ذاتي سرمدي الوجود من أدلة الحركة في العالم.

العقيدة والمنطق عند الرواقيّون والأبيقوريون

استمدت كلتا المدرستين الفكريّتين بعض أنواع التفكير اللاهوتي من الفيزياء وعلم الكونيات.

العقيدة والمنطق عند الرواقيّون

لدى الرواقيّون بشكل عام نظرة كونية لدورة مستمرة وأبدية مطابقة تمامًا لثورات ودمار العالم من خلال حريق كوني.

وتحكم بذلك الضرورة المطلقة تلك العملية الدورية ويتم تحديدها من خلال سبب وعناية إلهية. وعلاوة على ذلك، فهم يعتبرون هذا الإله الحكيم والخيّر شيء جوهري في هذا العالم المادي، كما يرون أن الله يأمر الكون، لكن بدون غرض واضح. بينما يعتبرون البشر عوالم مصغرة، أرواحهم ما هي إلا انبثاق ونتيجة للروح النارية للكون.

العقيدة والمنطق عند الأبيقوريون

ومن ناحية أخرى، كان الأبيقوريون متشككين، وماديين، ومناهضين للدوغماتية/للجزميّة[5].
لم يكن من الواضح أبدًا أنهم كانوا مؤمنين، رغم أنهم في بعض النقاط يبدون كذلك!

وتحدثوا عن الآلهة على أنهم يعيشون في دولة سعيدة في المناطق البينية، دون أي اهتمام بشؤون البشر؛ ولذلك قالوا أنّه لا توجد علاقة بين شرور الحياة البشرية والتوجيه الإلهي للكون، كما يتوقف كل تصور للبشرية عند الموت.

العقيدة والمنطق عند أفلوطين

قال أفلوطين في التاسوعات[6] (The Enneads) أن جميع أنماط الوجود وكل ما هو ملموس وله قيمة ينشأ من تجاوز انبثاق قوة واحدة لا توصف، والتي حددها بالأصولية البسيطة، وهي واحدة من فلسفات (بارمينيدس-Parmenides) أو مسألة الخير في جمهورية أفلاطون.

من ناحية أخرى، طبقًا للنُصّ، فإن الأقنوم[7] الثاني بعد الأوّل يتشابه مع مفهوم المتحرك الغير متأثر لأرسطو. علاوة على ذلك، فإن أوامر من روح العالم والطبيعة تلحق نُصّ في انبثاق خطي أي بشكل واضح ومفهوم.
بالإضافة إلى أن البشرية تحتوي على إمكانيات هذه القواعد الإبداعية، والتي تمكنهم من الاختيار التي يحرك حياتهم نحو الأفضل ومن ثم اتحادهم مع الذكاء الحدسي/البديهي.

كما يعتبر الواحد (الله) ليس كيان فقط، بل كيان لانهائي وغير محدود؛ وهذا هو السبب الرئيسي في وجود الكائنات، وهكذا يمكن للفلاسفة المسيحيين واليهود الذين عقدوا مع الخالق الإله أن يؤكدوا مثل هذا التصوّر.

ربما كان أفلوطين أوّل عالم لاهوتي سلبي، ومجادلًا ببساطة أنّ الله يعرف أكثر من غيره ما هو ليس عليه من شخصيته عما هو عليه.

المصادر

http://sc.egyres.com/M3UzC

[1]  الغنوصيّة: كلمة يونانية الأصل تعني المعرفة أو العرفان، ثم تطورت واتخذت معنى اصطلاحيًا «العرفانية»، وصارت تعبّر عن تذوق المعارف مباشرة أو التوصل بنوع من الكشف والإلهام إلى المعارف العليا، ومثلت الغنوصيَّة نزعة فلسفية صوفية دينية معًا، غايتها معرفة الله بالحدس لا بالعقل، وبالوجد لا بالاستدلال، أي بالذوق والكشف؛ لهذا تطلق أيضًا على المذاهب الباطنية. ويذهب بعضهم إلى أنها ترجع بأصلها إلى إلهام إلهي منذ البدء وتناقله أهل العرفان (المريدون) سرًا.

[2]  النخبويّة: مجموعة من الناس يتمتعون بأعلى مرتبة في المجتمع أو في مجال معين بحيث يتاح لهم امتيازات وقوة سلطوية عن غيرهم؛ وذلك بناءً على مهارات خاصة أو خبرة أو ذكاء عالي أو حتى السلالة.

[3] المحرك الغير متأثر (The unmoved mover): هو المحرك الرئيسي والذي يعتبر السبب الأوّلى في وجود كل شيء (الله).

Who Is The Unmoved Mover? [Internet]. Classical Wisdom Weekly. 2014 [cited 2018 Aug 13]. Available from: https://classicalwisdom.com/unmoved-mover

[4] نُصّ/نوص (Nous): مصطلح يدل على القدرة على فهم الحق أو الواقع، وهو مرادف للفطنة والذكاء، واعتمد أرسطو كلمة النُصّ قاصدًا تفريق المفهوم عن الإدراك الحسي والخيال بل القدرة البشرية على الإدراك والتفكير بعقلانية.

Nous [Internet]. [cited 2018 Aug 13]. Available from: http://www.muslimphilosophy.com/ip/rep/A075.html

[5]  الدوغماتيّة/الجزميّة: كلمة من أصل يوناني وتعني الرأي أو المعتقد الأوحد، وهي التزمّت والتعصّب لفكرة معينة دون قبول نقاش فيها؛ فهي كما عند الإغريق حالة من الجمود الفكري والتشدد في الاعتقاد الديني أو المبدأ الأيديولوجي أو موضوع غير قابل للنقاش أو للشك. (قاموس المورد – منير البعلبكي)

[6]  التاسوعات: مجموعة من النصوص المنسوبة إلى أفلوطين جمعها تلميذه فرفوريوس الصوري، وتتألف من أربعة وخمسين مقالة، وموزعة على ستة مجموعات، وكل مجموعة منها تتكوّن من تسعة أقسام. (المعجم الكبير، جورج صدقني – أفلوطين – الموسوعة العربية).

[7]  الأقنوم: تعني باليونانية هيبوستاسيس، وهي مكونة من مقطعين: هيبو وتعني تحت، وستاسيس وتعني قائم أو واقف؛ وبهذا فإن كلمة هيبوستاسيس تعني تحت القائم، ولاهوتيًا معناها ما يقوم عليه الجوهر أو ما يقوم فيه الجوهر أو الطبيعة.
والأقنوم كائن حقيقي له شخصيته الخاصة به، وله إرادة، ولكنه واحد في الجوهر والطبيعة مع الأقنومين والآخرين بغير انفاصل، وهذا مفهوم مسيحي بحت.
وهناك ثلاثة أقانيم في المسيحية: الأب، والإين، والروح القدس.
الأب: وهو الله من حيث الجوهر، وهو الأصل من حيث الأقنوم.
والإبن: هو الله من حيث الجوهر، وهو المولود من حيث الأقنوم.
والروح القدس: هو الله من حيث الجوهر، وهو المنبثق من حيث الأقنوم.

St-Takla.org [Internet]. [cited 2018 Aug 13]. Available from: https://st-takla.org/FAQ-Questions-VS-Answers/03-Questions-Related-to-Theology-and-Dogma__Al-Lahoot-Wal-3akeeda/044-What-does-hypostasis-means-and-who.html


ترجمة وإعداد: مُحمد فتحي
تحرير: زياد الشامي.