سلسلة نشأة الكون:الجزء 5: المادة السبب وراء بقاء الكون حيًا

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
من أين أتت أول ذرة؟ ومن أين أتت مكونات تلك الذرة؟،وهل بدأ الكون بذرة واحدة ثم تكاثرت أم لم يبدأ بها مطلقًا وكانت هي وليدة الظروف؟ أسئلة تدور في أذهاننا منذ زمان بعيد، لكن من بعد أن أتت نظرية الانفجار الكبير التي تحدثنا عنها سابقًا وها قد بدأت الأسئلة تلمع إجاباتها. رحلة اليوم تجبرنا على العودة للخلف مرة أخرى لذا سنسافر بسرعة عالية جدًا مفترضة مني أنا الكاتب فنعود للماضي ونرى ماذا يحدث هناك، عند بداية كل شيء.

سلسلة نشأة الكون:الجزء 5: المادة السبب وراء بقاء الكون حيًا

ونحن في طريقنا للنقطة التي عندها كل شيء دعني أخبرك أنَّ المادة تتشكل من ذرات والذرات بطبيعة الحال تتشكل من عدة جسيمات إلكترونات وبروتونات ونيترونات وبداخلهما ما نسميه الكواركات، وكما تعلم أنه في بداية  هذا الحدث (الانفجار الكبير) كان كل شيء مُكدس في نقطة عالية الكثافة خيالية في درجة حرارتها بلغت درجة حرارة قصوى لا يمكن أن تتشكل عندها أي مادة أو أي ذرة. [1]

ها قد وصلنا انظر هناك بعد وقت نسميه نحن الفيزيائيون زمن بلانك لقصره الشديد وفي منطقة بطول قصير جدًا جدًا نسميه طول بلانك لا وجود لأي مادة تُذكر، ولكي تكون على دراية بما يجري هناك في المكان لا يتسع أبدًا لنواة واحدة حتى، فقطر الذرة يُعد مقارنة بها فضاء فسيح، تلك الفترة والتي سُميت بعصر بلانك لم تكن تحوي بداخلها سوى وحش الطاقة أو الإشعاع في ظل ظروف فيزيائية معقدة للغاية كثافة تكاد تكون لا نهائية وحرارة لا تدركها الأرقام، كل الظروف تخبرني وإياكم أنَّه لا مجال لتُخلق المادة، فلم يحن أوانها بعد. [1] [2]

بدأت الحرارة تنخفض تدريجيًا في نفس اللحظة التي يزداد بها عمر الكون، لابد أنك تعلم أننا لم نصل حتى إلى النانو ثانية من الزمن، وفي تلك اللحظات يتمدد الزمن مع المكان فيما نسميه الزمكان، وهو الشيء الذي يحمل كل شيء بداخله. تخبرنا أحد النظريات أنَّ الكون في تلك اللحظة كان يشبه المفاعل النووي الضخم الذي ينتج الجسيمات الأولية، الكون قد فعلها وظهرت لنا أول معانى المادة وهي الكواركات، لكن مهلًا من أين أتت؟ لم تكن موجودة ثم ظهرت فجأة؟ أين مبدأ حفظ الطاقة ؟ الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم أتذكر؟، أكمل جملتك يا صديقي ولكن يمكن تحويلها من صورة إلى أخرى، هنا بيت القصيد تذكر معادلة ألبرت الشهيرة E=MC2 وهي مبدأ تكافؤ الكتلة والطاقة، ببساطة يخبرك أنَّ الكتلة تتحول إلى طاقة والطاقة قد تتحول إلى كتلة، أعتقد أنَّ عقلك المنتبه قد أدرك ما قد حدث أمام أعيننا الآن. [2] [3]

سلسلة نشأة الكون:الجزء 5: المادة السبب وراء بقاء الكون حيًا

بعد أن انخفضت درجة الحرارة للحد المناسب لتتشكل أول جسيمات أولية أساسية للمادة بدأت تتحول من الطاقة إلى الكتلة، بدأت سيطرة الطاقة تقل تدريجيًا وهذا أول مسمار في نعشها يا صديقي. بدأت تظهر جسيمات مثل الكواركات واللبتونات ثم انخفضت الحرارة أكثر وأكثر فظهرت لنا البروتونات والنيترونات. وبهذا قد تجمعت مكونات أول نواة في الكون وأخفهم، نواة الهيدروجين.

مازالت درجة الحرارة تنخفض والإلكترونات الحرة تتجول في الكون حتى تصل درجة الحرارة إلى مقدار مناسب يسمح للنواة باصطياد الإلكترونات حولها، وبهذا بدأت أول ذرة في الظهور هيدروجين وهيليوم وهما أكثر عنصرين في الكون ثمَّ الباريوم وغيرهم. [1] [2]

لكن دعني أخبرك شيئًا هذا الكون لم يكن مقدرًا له الحياة وهذا لأن المعادلات تخبرنا أنه مع مولد كل جسيم يولد معه جسيم مضاد يصطدمان ببعضهما فيفني كل منهما الأخر. ينتج زوجين من المادة والمادة المضادة فيصطدمان ببعضهما فيلاشي كل منهما الآخر وينتج عنهما طاقة وتستمر العملية، لكن طبقًا لهذا الأمر لم نحن هنا؟ لم نحن وكل شيء في الكون مكون من مادة ولا شيء يتكون من المادة المضادة لم لم تتلاشى تلك المادة؟ لمَ لم تتحول كل المادة في الكون إلى إشعاعات؟.

النظريات في هذا الصدد كثيرة أشهرهما نظرية السويدي أوسكار كلاين حيث أخبر عن تساوي المادة والمادة المضادة وكل منهما انفصلت عن الأخرى لتكون الكون الخاص بها. أمَّا النظرية الأكثر رواجًا في هذا الأمر هو أنَّ الانفجار العظيم صاحبه تكوَّن عدد أكبر بكثير من المادة عن نظيرتها المادة المضادة أو حدث خلل ما خلال فترة التضخم الذي أخبر به آلان جوث فازداد عدد جسيمات المادة عن المادة المضادة، المهم أنَّ فناء الجسيمات تسبب عنه كمية كبيرة جدًا من الإشعاع والباقي من المادة هو ما يتكون منه الكون الآن وأنا وأنت من ضمنهم.  [1][2]

لكن دون الدخول في تفاصيل الفيزياء النووية دعني أخبرك بتقسيمة الأسماء الرئيسية لعوائل الجسيمات الأولية دون التطرق لفروعهم الكثيرة. تتكون الجسيمات الأساسية والتي تكونت منها الجسيمات الأولية من ليبتون وكوارك تعرف بالفيرميون مثل الإلكترون والبروتون والنيوترون. أما بالنسبة للجسيمات الأولية فمنها الليبتونات الخفيفة وتلك النوعية قائمة بذاتها لا تتفاعل مع غيرها من أنواع الجسيمات. أما عن جسيمات الكوارك الثقيلة فهي تعرف باسم الهادرونات والتي تنقسم إلى الميزون والباريون.

سلسلة نشأة الكون:الجزء 5: المادة السبب وراء بقاء الكون حيًا

ولكن كيف نشأت العناصر الأخرى؟ وكيف انتشرت في أنحاء الكون؟، هذا هو دور مطبخ الكون لتلك العناصر قلب النجوم، حرارتها كافية جدًا لطهو تلك العناصر. يبدأ النجم الجديد في حرق الهيدروجين داخل القلب بالتفاعلات النووية، حيث تتم عمليات اندماج نووية لنوى ذرات الهيدروجين في درجة حرارة حوالي 15 مليون درجة كلفن لتكوين الهيليوم وهذا التفاعل النووي في قلب النجم يولد ضغطًا داخليا يحافظ على توازن النجم حتى لا ينهار تحت ثقله. [1] [2]

 وبعد ملايين السنين يستنفد النجم معظم الهيدروجين بداخله والذي بالفعل تحول إلى هيليوم ويتم تحديد مصير النجم بعد ذلك حسب كتلته وهذا ليس بموضوعنا اليوم.

المادة السوداء

قام أحد العلماء الفلكيين البارعين وهو فريتز زويكي بقياس كتلة جرم ما بطريقتين مختلفتين أحدهما تعتمد على شدة الإضاءة والأخرى كلاسيكية أو ميكانيكية. انتظر أن تتساوى الكتل بالطريقتين لكن حدثت مفاجئة أن أحد الطرق تتفوق على الأخرى بأربع أضعاف ربما، وهذا ليس خطأ في الحسابات يا صديقي فقد فعلها كثيرًا. كأنك تزن كيلو من البرتقال به عدد خمس برتقالات فتجد أنها تزن خمسة كيلو جرامات، رغم أنَّ الموجود فقط ما يعادل كيلو واحد، ما هذا؟

سلسلة نشأة الكون:الجزء 5: المادة السبب وراء بقاء الكون حيًا

قرر أخيرًا أن يقول كيس البرتقال به شيئًا أخر، لا نراه لكن الميزان يلتقطه! ليست مرة ولا اثنين، إنه خمسة أضعاف الكتلة الموجودة، إذن لنقول عليها المادة المظلمة. لم يصدقه أحد على الإطلاق حتى قامت الرائعة فيرا روبن بقياس كتلة سديم معين فوجدت نفس أرقام فريتز زويكي!، انتبه المجتمع العلمي كله لهذا الحدث، رفضها البعض، وتقبلها البعض ويبحث عنها البعض الأخر، لا نعرف أي شيء عنها، كل ما يقال عنها مجرد نظريات لا أكثر ولا أقل. [1] [2] [3]

ما جعلهم يرفضون هذا أن ما نراه من مادة يمثل نسبة تقدر تقريبًا ب 5% من الكون والباقي من الكون مادة مظلمة لا نراها! لا تنصدم إذا اخبرتك أنَّ هناك طاقة مظلمة أيضًا لجأ لها الفيزيائيون لعلاج قصور المعادلات، الكون لم يكشف عن أسراره حتى الآن مازال غامضًا صدقني غامضًا جدًا.