المنتدى الاقتصادي العالمي: أين وكيف تُصنَع القرارات الاقتصاديَّة العالميَّة؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
في العام 2021، عُقِد المنتدى الاقتصادي العالميّ (World Economic Forum) -أو ما يُسمَّى أيضًا بمنتدى دافوس الاقتصادي (Davos Forum)- افتراضيًّا عبر الانترنت، بشكلٍ جديدٍ يختلف تمامًا عن جميع المنتديات السَّابقة. وقد تميَّز أيضًا بوجود مشاركة عربيَّة واسعة، كان أبرزها للمملكة العربيَّة السّعوديَّة -التي تُعَدُّ المُشارِكة الأكبر والأبرز بين الوفود العالميَّة- التي استعرضت قدراتها في مجالات الصِّناعات البتروكيماويَّة، وفرص الاستثمار المتاحة فيها. كما كان لدولة الإمارات العربيَّة المتَّحدة دورًا بارزًا أيضًا من ناحية تبنِّي جانب الابتكار والإبداع.

تشارك في هذا المنتدى القوى الاقتصاديّة الدوليّة الفاعِلة من حكومات، وشركات، وأفراد؛ لرسم وصناعة القرارات الاقتصاديّة الدوليّة. فما هو المنتدى الاقتصادي العالميّ؟ وما دوره في صناعة القرارات الاقتصاديّة الدوليّة؟.[1]

 

ما هو المنتدى الاقتصادي العالمي

هو منظَّمة دوليّة، غير ربحيّة، مستقلَّة، تهتم بتطوير العالم عن طريق تشجيع الأعمال والسِّياسات الاقتصاديّة والعلميّة، تتكوَّن من عضويَّة كافَّة قادة الاقتصاد العالميّ؛ بهدف تشكيل أجندة الأعمال الاقتصاديّة العالميّة والإقليميّة. بعبارة أخرى، هو منظَّمة دوليّة للتَّعاون الاقتصادي بين القطَّاعَين العام والخاص في العديد من الدول، يتشارك فيه أبرز القادة السياسيِّين، والتِّجاريِّين، والثَّقافيِّين، على مستوى العالم؛ بهدف رسم وصناعة القرارات الاقتصاديّة الدوليّة المستقبليّة بناءً على موازين القوى لأعضاءه، وحسب توقُّعات النُّموّ المعرفيّ والتِّكنولوجيّ.

 

تأسيس المنتدى الاقتصادي العالمي

تأسَّس المنتدى عام 1971، على يد أستاذ الأعمال كلاوس شواب (Prof. Klaus Schwab) في كولوجني (Cologny) التَّابعة لجنيف في سويسرا، بدأ كمنظَّمة أعمال مستقلّة، وغير متحيّزة، وغير مرتبطة بأيَّة مصالح خاصَّة لأعضائها، كما أنَّها غير هادفة للرَّبح؛ وإنَّما يهدف المنتدى إلى المحافظة على المصلحة الاقتصاديّة العالميّة العامَّة من خلال المبادرة إلى رسم السِّياسات للأعمال الدوليّة والاقتصاديّة؛ للحفاظ على أعلى معايير الإدارة الرَّشيدة في إدارة الاقتصاد العالميّ، كما ويركز على النَّزاهة الأخلاقيّة والفكريّة في صميم جميع أعماله الاقتصاديّة الدوليّة.

كلاوس شواب مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي
كلاوس شواب مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي

 

أنشطة المنتدى الاقتصادي العالمي

تَنبُع أنشطة المنتدى من ثقافة مؤسَّسيَّة فريدة، بُنيَت على أساس نظريَّة أصحاب المصلحة، والتي تؤكِّد على مسؤوليَّة المنظَّمة أمام جميع أجزاء المجتمع الدُّوليّ؛ وذلك من خلال شمول المنظَّمة على عضويَّة أفضل المنظَّمات الاقتصاديّة الدُّوليّة سواء أكانت من القطّاع العام أو الخاص، أو كانت منظَّمة أعمال دوليّة أم مؤسّسة أكاديميّة، وتعمل على إيجاد نوع من التوازن بينهم عند رسم السّياسات الاقتصاديّة العالميّة لتحقيق المصلحة العامّة.  إنَّ هذه المنظَّمة تركِّز على إحداث تقدُّم اقتصاديّ عالميّ من خلال جمع كافة الأطراف الاقتصاديّة التي لديها الدَّافع والتَّأثير لإحداث تغيير إيجابي يعود على الاقتصاد العالميّ بنفعٍ كبير.[2]

 

شركاء المنتدى

يضمّ المنتدى أكثر من ألف شركة من كبرى الشّركات في العالم -عادةً ما يكون رأس مالها أكبر من 5 مليار دولار أمريكي- بشرط أن يكون تصنيفها  ضمن أهم الشَّركات في مجال عملها على مستوى العالم، وأن يكون لها دور في قيادة وصياغة مستقبل صناعتها، والمنطقة التي تعمل بها. أي أنَّ شركاء المنتدى هم اقتصاديِّين متميِّزين، وشركات عالميّة رائدة تعمل على وضع وتطوير حلول تذلِّل من التَّحدّيات العالميّة.

يقع على عاتق الشُّرَكاء تأسيس منصَّات تعمل على تشكيل المستقبل من خلال الوصول إلى الشّبكات والخبراء؛ لضمان اتّخاذ قرارات استراتيجيّة للقضايا العالميّة.

 

أهمّيَّة عمل المنتدى

يتميَّز النِّظام العالميّ بالتَّعقيد والتَّرابط؛ الأمر الذي يجعل البيئة العالميّة أكثر صعوبة في التَّنبُّؤ والتَّنقُّل. وللوصول إلى الإدارة الرَّشيدة العالميّة؛ لا بُدَّ من إيجاد نوع من التَّوازن بين الدول. ومع ظهور منافسة سياسيَّة اقتصاديَّة جديدة، وإقليميَّة جديدة -كظهور الصين كقوَّةٍ اقتصاديّة دوليّة فاعلة-؛ قام المنتدى بفتح فرعٍ له في العاصمة الصِّينيّة بكِّين تأكيدًا لدورها الفاعل في تشكيل السِّياسة الاقتصاديّة الدُّوليّة.

بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ المنتدى يأخذ أيضًا بعين الاعتبار الدور المحوريّ للتّغيُّرات التّكنولوجيّة الحديثة، وأثرها الكبير على تغيُّر الاقتصادات العالميّة، وعولمة التِّجارة والصِّناعة، وما ترتَّب عليها من تعقيدات للأسواق الحاليّة والمستقبليّة تفوقُ التّوقعُّات؛ مما سيترتَّب عليه المزيد من التَّغيُّرات التّكنولوجيَّة على مدار العقود القادمة أكثر ممّا شهدناه في الخمسين عامًا الماضية.

إنَّ التَّقدُّم العلميّ الذي شهدته صناعة الرُّوبوتات، وعلم الوراثة، والتّطوّر الرّهيب في عالم الاتصالات والعلوم الاجتماعيَّة؛ سيؤثِّر بالضّرورة على جميع جوانب المجتمع العالميّ. بالإضافة إلى ذلك، هنالك جيلٌ شابٌّ يطالب بأن يُسمَع؛ حيث يعتقد جيل الشَّباب أنَّ القرارات الاقتصاديّة الحاليّة تُتَّخَذ على حساب مستقبلهم ومستقبل أبنائهم.

كل ذلك يتطلَّب أخذ  هذه العوامل وأخرى غيرها بالحسبان، كما يتطلَّب نوعًا جديدًا من المؤسَّسات التي تتمتَّع بالقدرة على التَّكيُّف، والمبادرة، والثِّقة من جميع أصحاب المصلحة، مؤسَّسات يمكنها أن تجمع الأشخاص الذين لديهم القدرة على إحداث التَّغيير لتحقيق التّفاهم والتَّشارك المستقبليّ، بما يضمن الوصول إلى اتِّفاق مشترَك يدفع العمل إلى الأمام، ويرضي جميع الأجيال.

والمنتدى كمنظَّمة دوليّة ليس لها مصلحة تجاريّة ربحيّة خاصَّة، بل يقدِّم خدماته من خلال توفير منصَّة تُمكِّن قادة العالم الاقتصاديِّين من الالتقاء  مع جميع أصحاب المصلحة، ومن جميع أنحاء العالم -سواء أكانوا رجال أعمالٍ، أو حكومات، أو مجتمع مدنيّ-؛ لصناعة قرارات عالميّة تحقِّق مصلحة عادلة ومتوازنة للجميع.[3]

 

منتدى اقتصادي فريد

المنتدى الاقتصاديّ العالميّ منتدى فريد؛ لأنه منظَّمة دوليّة للتَّعاون بين القطَّاعَين العام والخاص، وهو المنظَّمة العالميّة الوحيدة التي تخدم هذا الدور؛ حيث يجمع بين كبار المدراء التّنفيذيِّين، ورؤساء الدُّول، والوزراء، وصانعي السِّياسات، والخبراء، والأكاديميِّين، والمنظَّمات الدّوليَّة، والشَّباب، ومبتكِري التِّكنولوجيا وممثِّليها؛ مع أعضاء المجتمع المدني في مساحة محايدة بهدف إحداث تغيير إيجابي.

ومن أهمّ العوامل التي تجعل هذا المنتدى فريدًا من نوعه أنَّه:

منتدى حياديّ

ليس له مصالح أيديولوجيَّة أو تجاريَّة مع أيِّ أحد، ولا يتحيَّز لأحد، وهو أيضًا ملتزم بتحسين العالم أجمع بطرقٍ موضوعيَّة، وقابلة للقياس والاستدامة.

 منتدى عالميّ

يهتمّ المنتدى بالتَّحدِّيات التي تؤثِّر على مستقبل المجتمع العالميّ؛ لأنَّ العالم نظام بيئي مترابط، ولا توجد قضيَّة معزولة، فهناك دائمًا تأثيرات وترابطات يجب أخذها في الاعتبار بشكل منهجي.

منتدى شامل

يركِّز المنتدى على مشاركة جميع الأطراف المعنيَّة عند رسم السِّياسات الدوليَّة، ويأخذ وجهات النَّظر المختلفة عند وضع حلول لمواجهة تحدِّيات العالم، من خلال مشاركة جميع أعضاء المجتمع العالميّ الفاعلة.

منتدى يستشرف المستقبل

يركِّز المنتدى بالدِّراسة على المدى الطَّويل، ولا يأخذ بعين الاعتبار حالات الطَّوارئ؛ لأنَّ النجاح لا يُقاس بنتائجه الفوريَّة، إنَّما يركِّز على التَّقدُّم الحقيقيّ الذي  يتطلَّب وقتًا والتزامًا مستدامًا.

 

 

آليَّة عمل المنتدى

يعمل المنتدى من خلال عقد اجتماعات دوريّة وسنويّة بين أعضائه الدُّوليِّين، إلَّا أنه لا يقوم بتنظيم المؤتمرات؛ وذلك لأنّ الاجتماعات الدَّوريَّة تُعقَد باستمرار، وتحقِّق التَّفاعل بين الأعضاء. في الاجتماعات يُعطَى كل مشارك أكبر قدر ممكن من الفرصة للمشاركة وإبداء الرَّأي بناءً على الخبرة التي تنعكس على المدى الطويل، بما يضمن التَّأثير على المشاركين، ومن ثمَّ يستخلص من كل اجتماع نتائج ونقاط عمل واضحة.

يعقد المنتدى أربع اجتماعات سنويّة رئيسيَّة، هي:

  1. الاجتماع السَّنويّ للمنتدى الذي يُعقَد في (دافوس كلوسترز) بسويسرا، والذي يوضع فيه جداول الأعمال العالميّة، والإقليميّة، والصِّناعيّة في بداية السَّنة الميلاديَّة.
  2. الاجتماع السَّنويّ للأعضاءالجدد: وهو اجتماع سنويّ للمنتدى، يركِّز على الابتكار والعلوم والتّكنولوجيا.
  3. الاجتماع السَّنويّ لمجالس المستقبل العالميّ: ويركِّز على مجتمع المعرفة في العالم، ويتمّ فيه تبادل الأفكار حول التَّحدِّيات الرَّئيسيّة التي تواجه العالم اليوم.
  4. اجتماع وضع استراتيجيَّة الصِّناعة: ويضمّ أعضاءً من الشَّركات الصِّناعيَّة الكبرى، مهمَّتهم وضع استراتيجيَّة الصِّناعة العالميّة، وتشكيل أجندات الصناعة، واستكشاف كيف يمكن للصِّناعات أن تتحوَّل من إدارة التَّغيير إلى ريادة التَّغيير.

بالإضافة إلى ذلك، هناك مجموعة أخرى من الاجتماعات الإقليميّة، وأيَّام الاستراتيجيَّة الوطنيّة المشتركة التي تتركِّز حول القضايا التي تهمّ جداول الأعمال الإقليميَّة والمحليَّة.

كما أنَّه هناك برنامج مستمرّ لورش العمل، والنَّدوات، والاجتماعات لبعض القضايا المشتركة؛ هدفها تعزيز الهدف، والعمل الإقليمي والمحلِّي، وتعزيز القدرة التَّنافسيَّة والتَّكافؤ في العمل بين الجنسين، وتحسين استخدام تقنية المعلومات العالميّة.

هذه الاجتماعات الاقتصاديّة العالميّة لصانعي القرار من مختلف أنحاء المجتمع العالمي تجمتع للعمل على المشاريع والمبادرات التي ينتج عنها اختلافًا حقيقيًّا في الحياة.

ونتيجة تعاون أصحاب المصلحة ذوي وجهات النَّظر المتنوِّعة؛ تتحقَّق مشاريع لها نتائج ملموسة ومستدامة، ولها تأثير إيجابي على جميع مستويات المجتمع.

مشاركة السعودية والإمارات في اجتماعات منتدى الاقتصاد العالمي
مشاركة السعودية والإمارات في اجتماعات منتدى الاقتصاد العالمي

 

مجالات عمل المنتدى

نتيجة لتغيُّر نماذج النُّمو الاقتصاديّة العالميّة، واستمرار تغيُّر موازين القوى الاقتصاديَّة الدُّوليَّة واقتراب بعضها من حافَّة الانهيار، وما صاحبها من اختراعات علميَّة لتكنولوجيا غيَّرت من شكل الاقتصادات والمجتمعات؛ فإنَّ منصَّة المنتدى تساعد قادة العالم على الاستعداد والتَّأقلم مع التَّغيُّرات الكبيرة النَّاتجة عن ذلك.

ويتمُّ ذلك من خلال اتِّباع ثلاث استراتيجيَّات رئيسيَّة هي:

1- قيادة مركز الثَّورة الصِّناعيَّة الرَّابعة: في عام 2021، دُشِّن مركز الثَّورة الصِّناعيَّة الرَّابعة بالشَّراكة مع المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)، وذلك على هامش أعمال المنتدى السّعودي الأوَّل للثَّورة الصِّناعيَّة الرَّابعة، الذي نظّمته  السّعوديّة بمشاركة مؤسِّس ورئيس مجلس إدارة المنتدى البروفيسور (كلاوس شواب)، وعدد من أصحاب السُّموّ والمعالي الوزراء والمسؤولين السّعوديِّين، بوجود نخبة من المتحدِّثين المحلِّيِّين والدُّوليِّين.

يهدف هذا المركز إلى التَّحكُّم في الثَّورة الصِّناعيَّة الرَّابعة، واستشراف التَّحوُّلات التي سوف يشهدها الاقتصاد العالميّ في السَّنوات القادمة على مستوى نظم الإنتاج والتَّوزيع والاستهلاك، وكيف ستؤثِّر هذه التَّحوُّلات على حياتنا وعلى الأجيال القادمة، وتعيد النَّظر في تشكيل واقعنا الاقتصاديّ، والاجتماعيّ، والبيئيّ، والثقافيّ.

2-  حل الإشكالات المتعلِّقة بالمشاعات العالميّة: حيث أنَّ التِّحدِّيات المشترَكة التي تواجهها البشريّة -مثل التَّغيُّرات المناخيّة- تستدعي بناء توافقات عالميّة أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، وتتطلَّب مواجهتها تحفيز نماذج جديدة من التَّعاون بين القطَّاعين الخاص والعام، وإبداع حلول تكنولوجيَّة جديدة.

3ـ معالجة قضايا الأمن العالميّ: إذ يعمل المنتدى على تطوير استراتيجيَّات لفائدة قادة العالم، تؤهِّلهم للتَّعاطي مع التَّحوُّلات السَّريعة المتعلِّقة بالأمن الاقتصاديّ لهم.

 

هيكلة المنتدى

يتكوَّن المنتدى من مجلس للأمناء ولجنة تنفيذيَّة. يضمّ مجلس الأمناء مجموعة من الشَّخصيِّات القياديَّة في مجالات الأعمال، والسِّياسة، والمجتمع المدني، والأكاديميِّين، مهمَّتهم هي حراسة قيم المنتدى وتنفيذ رسالته؛ أما اللجنة التَّنفيذيَّة فتعمل على إدارة مختلف أنشطة المنتدى بإشراف من الرَّئيس التّنفيذي، وتضمّ العشرات من الموظَّفين المنحدرين من جنسيَّات مختلفة.[4]

 

خاتمة

قد يكون منتدى دافوس الاقتصاديّ متميِّزًا  عن غيره؛ لوجود دول عربيَّة لم يكن لها دور في السَّابق، إلَّا أنَّ هذا المنتدى يُعتبَر فرصة للدَّمج بين المواهب والتّقنيَّة بما يدعم الافكار المُحفِّزة على الابتكار، حيث يوضِّح أهمِّية اجتماع المفكِّرين والفاعلين كالحكومات، ورجال الأعمال، والمؤسَّسات غير الحكوميَّة، لدعم هذا التَّفكير التَّنظيمي الذي يهدف إلى إمكانيَّة التَّغيير العالميّ الإيجابي، وسيتحقق التَّقدُّم من خلال الجمع بين القادة من جميع مناحي الحياة للتَّوصُّل إلى فهم مشترك،  وهدف منشود، واتِّخاذ الإجراءات المناسبة للمصلحة العالميّة.