الهوية والخطر ومنى حاطوم

الهوية والخطر ومنى حاطوم

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
تتحدث فنانتنا المعاصرة باللغة التي يفهمها الجميع: الفن. فلا تقتصر أعمال منى حاطوم على جنسيتها اللبنانية، ولا على جنسيتها الأُخرى الإنجليزية، كذلك لا تنحصر أفكارها بين أصولها الفلسطينية، ولا أصولها كمرأة. تتنقل كريشةٍ بين ألوان فنونها المتعددة؛ فن الفيديو (Multimedia Art) كان بدايتها في ثمانينيات القرن الماضي، ثم تنوعت بين فن التنصيب (Installation Art) والتصوير وطي الورق.

تنظر أعمالها بداخل الجمهور كمرآة سندريلا، تتسلل وتعكس ما بداخل كل مشاهد نقيض المشاهد الذي بجانبه. فلا تتقيد بدلالة معينة كما لا تتقيد بهوية معينة. تعريف الهوية والموطن والمأوى مبهمان عندها، كما قد تتخطى فكرة الهوية والموطن تمامًا. تحول كل شيءٍ لفن، بتعديلٍ صغيرٍ يمثل كلُّ غرضٍ عندها عملًا فنيًّا بدلالاتٍ ورؤى مختلفة. يتبدل حال أبسط الأشياء من مسالم وطبيعي إلى خطرٍ ومرعب.

قصة منى حاطوم مع المأوى

ترجع أصول منى حاطوم إلى مدينة حيفا بفلطسين، كالعديد من المهاجرين اللبنانين بعد تهجيرات عام 1948.[1] مما يُلحَظ في أعمالها التنصيبية بشكلٍ ما على هيئة أفكار نازحة مبعثرة. يتمثل في عملها «الوقت الحاضر» جزءٌ من تلك الأفكار، حيث رصَّت عدةً من الصابون النابلسي الفلسطيني على شكل حائط واحد، ورسمت على الحائط قطاعات مبعثرة من خريطة فلسطين الكاملة.[2]

منى حاطوم- الوقت الحاضر (نظرة واسعة)
منى حاطوم – الوقت الحاضر (نظرة واسعة)

منى حاطوم- الوقت الحاضر (نظرة أقرب)
منى حاطوم – الوقت الحاضر (نظرة أقرب)

لا تتوقف الرحلة عند نزوح عائلتها من موطنهم الأصلي، بل تزايدت وتفرعت مع انتقال منى حاطوم إلى لندن لدراسة الفن التشكيلي، فاندلاع الحرب الأهلية في لبنان، فما لبثت أن وجدت نفسها مُهجَّرة من جديد.
اضطرت منى حاطوم لأخذ منحنى جديد ومواصلة حياتها في إنجلترا استمرارًا حتى وقتنا هذا.[1]

يتجسد بعضٌ من هذا الأثر بتكرار في أعمال منى حاطوم كما يُلاحَظ في أعمالٍ مثل «منزل» المليء بالأغراض والخطر (المُتطرَّق إليه لاحقًا) و«بقايا اليوم» الفارغ تقريبًا. فتضم منى حاطوم بتنصيباتها وتركيباتها تيمات التبعثر والفراغ وعدم الاستقرار بكل ما تقدر استخدامه للتنفيس عن مكنون قصتها وقصص آلاف المهاجرين المشابهة.

Home | Guggenheim Museum Bilbao
منى حاطوم – منزل

منى حاطوم- بقايا اليوم
منى حاطوم – بقايا اليوم

قصة منى حاطوم مع فن الفيديو

الازدواجية والتناقض في معظم الأعمال، الضوء والظلام، والكآبة والفكاهة، والجمال والخطر.

– منى حاطوم[3]

كان الفيديو شعلة البداية لحياة منى حاطوم الفنية والمهنية في إنجلترا. بدأت أعمال الطريق كنوعٍ من العرض المتكرر في شوارع لندن متجولةً لمدة ساعة حافية القدمين ومتصلة برباط حذاء ماركة دكتور مارتينز. جدير بالذكر ارتداء الشرطة في لندن الماركة ذاتها، الشرطة التي وُصمت بالوحشية والظلم مع العديد من الطوائف في لندن وقتها.[3]

كانت قدم منى حاطوم تنجرح أو تنزف دون عمد على نقيض الحذاء المتماسك القوي. كانت طريقتها في التعبير عن ما تراه شوارع وسكان المدينة من ظالم وعاجز، وقاهر ومقهور في الوقت ذاته. شارك بعضٌ من المارة في مسيراتها حين وجدتهم حاطوم سائرينَ خلفها، وهذا ما يقوي قيمة الفن.

منى حاطوم- أعمال الطريق
منى حاطوم- أعمال الطريق

لم تعتزل حاطوم فن الفيديو حتى الآن، فقدمت أعمالًا شخصية مثل قياسات البُعد وحُكْم بالضوء.[3] وناقشت دلالاتٍ مختلفة غير السياسية كالاجتماعية والشخصية. لكن أعمالها التنصيبية استولت على الجزء الأعظم من اهتمامها هي وجمهورها.

قصة منى حاطوم مع التنصيبية والخطر

نصيب الأسد من أعمال منى حاطوم هو أعمال تنصيبية (خامات مُنَّصبة بشكلٍ ما) يمكن وصفها بعدم الراحة والخطر. عادةً ما تتلاعب بالحديد حرفيًّا لخلق حالة ومشاعر جدد للأغراض. فمن أشهر أعمالها: كبح وسرير نهاري، حيث تخلط حاطوم غرضين مألوفين وتعبث بدلالاتهم لتعبر عن القلق المدفون بداخل كل غرض مألوف.

منى حاطوم- كبح وسرير نهاري
منى حاطوم- كبح وسرير نهاري

كذلك تبرز أعمالٌ كقفصٍ لاثنين أو سجادة الباب الفكرة ذاتها بتيمات مختلفة كالاحتجاز والتهديد. فكيف ترتاح على سرير مبشرة أو سرير قفص؟ وكيف يرتاح المهاجر الفلسطيني؟

منى حاطوم - قفص لإثنين
منى حاطوم – قفص لاثنين

منى حاطوم - سجادة الباب
منى حاطوم – سجادة الباب

وتطور منى حاطوم فكرة الخطر في أغراض المطبخ قطعًا. كونها امرأة عربية في المقام الأول جعل رؤيتها للأذى الجسدي والنفسي الذي يعترض المرأة متبلور في قطعها الفنية المطبخية.[1] فتمزج شعور الغضب لحجز المرأة في المطبخ مع شعور الخطر بالمحاذاة مع شعور النزوح. فنزح الخطر من السلاح للمطبخ، وهاجرت حاطوم من فلسطين لإنجلترا.

منى حاطوم - مستحيل
منى حاطوم – مستحيل

أُظهِر أخطار الحياة اليومية

– منى حاطوم[4]

منى حاطوم والهوية

لا تتخلى منى حاطوم عن هويتها، ولا تتقيد بها كذلك. بل بحرفية شديدة تخلط وتطور ما هي عليه الآن، امرأة وعربية، امرأة وبريطانية، فنانة وسياسية، عنيفة وحساسة، إلخ. تقول حاطوم:

وكأن بحوذتي وصفة ويمكنني فصل المكون العربي، والمكون الأنثوي، والمكون الفلسطيني. ينتظر الناس تعريفات غيرية مرتبة، كأن الهوية شيء ثابت سهل التعريف![5]

فمثلًا كما في أعمال الطريق والوقت الحاضر (موضح بالصور بالأعلى) يظهر انتماء حاطوم لكلٍ من إنجلترا وفلسطين.

تستخدم حاطوم أيضًا خامات من جسدها ذاته مما يؤكد تلك الفكرة ذاتها مثل عمل الفيديو قياسات البُعد والتنصيبي قلادة الشعر أو عملها الأفضل الكوفية. حيث حاكت خصلات شعرها على منوال الوشاح الفلسطيني كتذكرةٍ باستمرار النضال ولو بخصلة شعر وقطعة قطن.

منى حاطوم - الكوفية
منى حاطوم – الكوفية

ما تقدمه حاطوم مثالٌ للمُثابرة والقوة والابداع، بالنظرِ لما تعبر عنه وما تستخدمه كموارد. تتنقل بين أنواع الفنون وتتنقل بين أهداف ودلالات أعمالها كما تستهدف شرائح متنوعة من الجمهور. فالبرغم من الاختلاف أو الاتفاق على فنِها، فإنها تربعت في مكانها على مدار الثلاثة عقود الماضية. فذِكر أسماء فنانين وفنانات كمنى حاطوم خيرُ بريقِ أملٍ للشعوب في وقتنا هذا.