سلسلة تاريخ الذرة: كيف أُعيد اكتشاف الذرة بعد ألفي عام ؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
||||

استكمالًا لسلسلة تاريخ الذرة التي تقدم رحلة لأحد أعظم الاكتشافات، ليس فقط في الأهمية وإنما في المنهجية والتطور على مر العصور لكي نصل إلى النموذج الذري الحالي .
تم عرض في المقال السابق أن الفيلسوف (ديمقريطس – Democritus ) قد افترض – بناء على أفكار معلمه (ليوكيبوس – Leucippus) – أن الكون يتكون من لا شيء غير عدد هائل من الذرات تتحرك و تصطدم ببعضها في الفراغ، ولكن الأمر لم يزدد عن كونه تأملًا فلسفيًا بلا أي تجربة؛ لذلك تم تسمية المقال بعنوان «الذرة الفلسفية»، وقد وضع ديمقريطس تصورًا للذرة بناء على تفكيره بأنها لا تتغير بلا أي بنية داخلية كالحجر الصغير بينما تمتلك ذرات العلم الحديث بنية داخلية – سنتعرف على تاريخ اكتشافها بالتفصيل – كما أنها تخضع للتغير.
و اختلاف أخر بين رؤية ديمقريطس للعالم من حيث أنه ذرات تتحرك في الفراغ والنظرية الذرية الحديثة، فالعلم الحديث لا يطلق العنان لنفسه ليقول مصطلح «المكون الوحيد للعالم» – فلا نعلم ماذا ستكشف لنا البنية الداخلية للإلكترون باستخدام الجيل القادم من مسرع الجسيمات ــ particles accelerator-، كما أن نظرية المادة الحديثة تتبنى وجود مجالات بالإضافة إلى الجسيمات .
الهدف في أخر قطعة هو توضيح الفرق بين العلم الحديث والإغريق من حيث المنهجية التي اتخذها كل منهما في محاولة لتفسير العالم، فالعلم يستند إلى الملاحظة و التجربة و سيتضح هذا أكثر في بداية القرن العشرين
، بينما فلاسفة الإغريق و طريقهم للتعرف على العالم كان عن طريق التفكير المجرد الفلسفي المبني أحيانًا على الملاحظة بدون تجربة، فالأرض ثابتة عند (أرسطو-Aristotle ) لأننا نشعر بأننا ثابتين، قبل أن يأتي أبو العلم التجريبي (جاليلو – Galileo) ليؤكد قول (كوبرنيكوس –Copernicus ) و يقول أن الأرض تتحرك حول الشمس، يمكننا الأن أن نبدأ رحلتنا من الفلسفة إلى العلم، رحلة تعكس التطورالفكري للإنسان و قوة العلم.
عادة عند التحدث عن تاريخ الذرة و اكتشافها يتم ذكر الإغريق أو ديمقريطس بشكل خاص ثم القفز إلى القرن التاسع عشر حيث (جون دالتون – john Dalton ) و هذا صحيح من حيث وضع النماذج الذرية و النظريات، لكن عند التحدث عن تاريخ الذرة بشكل مُفصل يجب ذكر جميع الوقائع التي وصلت لنوذج ذرة دالتون حتى النموذج الذري الحالي.
أول واقعة هو ما يسمى بقانون بويل – Boyle’s Lawللكيميائي والفيلسوف (روبرت بويل Robert Boyle -)
الذي عاش في القرن السابع عشر (1627-1691م) ورفض عناصر أرسطو الأربعة .
افترض بويل أنه طالما يمكن ضغط كتلة ثابتة من أي غاز، فحتمًا الغاز مكون من جسيمات أصغر- أو قل ذرات -؛ وهذا بسبب وجود فراغ بين تلك الجسيمات الصغيرة

قانون بويل
في الشكل السابق :
p يرمز للضغط، V يرمز للحجم ، k هو ثابت .
فكان نص قانونه :
« حجم كتلة معينة من الغاز يتناسب عكسيًا مع الضغط وذلك عند ثبوت درجة الحرارة »، وهذا لا يمكن تفسيره إلا إذا كانت الغازات مكونه من جسيمات صغيرة كما بالشكل، فكان افتراضه أن العناصر تتكون من جسيمات أو كريات صغيرة – corpuscles ذات أحجام وأنواع مختلفة يمكنها أن تنظم نفسها في مجموعات التي تمثل المواد الكيميائية المختلفة.
روبرت بويل مثَل مرحلة بداية العلم التجريبي المبني على الملاحظة والتجربة، ليس على الملاحظة و التفكير المجرد كفلاسفة الإغريق، رغم أن افتراضاته لم تزدد عن كونها إثباتًا على وجود ذرات، لكنها كانت ذات أهمية .
الواقعة الأخرى التي لا يمكن أن يتم تغفيلها عند التحدث عن تاريخ الذرة المعروفة ب«الحركة البراونية – Brownian motion» .
في عام 1827م ، بدأ عالم النبات (روبرت براون – Robert Brown) في دراسة حبوب اللقاح الإقريلقية، أراد براون أن يدقق في حجم و شكل جسيمات حبوب اللقاح، على أمل أن يكشف وظيفته وعلى الطريقة التي يتفاعل بها مع أجزاء أخرى من النبات كي تقوم بدورها التكاثري، فوضع الحبوب تحت مجهره الحديث، التي كانت عدسته المركبة قادرة على محو أثار أطياف لون قوس قزح التي كانت تؤثر سلبًا في رؤية حواف الأشياء، فاصبحت الحبوب واضحة في عين براون إلا أنه كانت هناك مشكلة؛ ظلت حبوب اللقاح تتحرك بعشوائية وتهتز باستمرار.
لم تكن واقعة براون هي الواقعة الأولى التي يتم وصفها هكذا، برر براون في البداية حركة حبوب اللقاح بأنها تحوز نوعًا من الأرواح الحيوية، لكنه سرعان ما فضل الملاحظات على التخمينات المبهمة فأعاد فحص حبوب لقاح لنباتات أخرى، فاكتشف انها تهتز بطريقة مماثلة ، ثم فحص جسيمات دقيقة من الأوراق و الجذوع، ونفس النتيجة تتحرك بسرعة عالية، بل وصل الأمر إلى فحص مسحوق من قطعة في تمثال أبي الهول في المتحف البريطاني – وهذا بالتأكيد لا حياة فيه – ووضع المسحوق في ماء تحت عدسات مجهره، ليجدها تتحرك مثل أي شيء .
لم يفسر براون نفسه الحركة، حيث كان عالمًا حريصًا يخشى الوقوع في الخطأ حسب وصف (تشارلز داروين – charles Darwin) له ،وقد تجاهل العلم تلك الحركة المزعجة حسب وصف كل من استخدم المجهر ،و تشبس علماء النبات و الحيوان بفكرة الأرواح الحية متجاهلين تجارب براون على الجسيمات الخاملة، مثل مسحوق أبي الهول .
بحلول عام 1860م، إهتم علماء الفيزياء بالحركة البراونية، حيث كانوا يبحثون عن تفسير لها متسق مع خصائصها التي يمكن ملاحظتها بسهولة؛ عدم توقف الحركة، الجسيم الواحد-كحبة اللقاح الواحدة- يمكن أن يتحرك في أي إتجاه ممكن …إلخ.
وفي عام 1889 أكتشف العلماء أنه كلما صغر الجسيم -كحبة اللقاح- و قلت سرعة المائع المحيط كلما زادت الحركة البراونية، وتم اكتشاف أن درجة الحرارة العالية تزيد من الحركة البراونية أيضًا .
كما فعل بويل – من استنتاجه من خلال قانونه أنه يوجد جسيمات ضئيلة تتكون منها المادة وليست الأربعة عناصر لأرسطو – شرع عدد من علماء الفيزياء ذوي الميول الرياضية في مطاردة فكرة أن حركة الذرات يمكنها أن تفسر ظاهرة الحرارة، فالذرات تكتسب طاقة في حجم من الغاز، تجعلها تتحرك بسرعة أكبر، فتزداد التصادمات أكثر ببعضها البعض و بجدران الوعاء.
وهذا ما يجعل الغاز يتمدد حين يسخن ويمارس قدرًا أكبر من الضغط، فتخيل تفسير الحرارة في ظل وجود ذرات، فما هي إلا طاقة حركة ذرية، تعرف هذه النظرية ب «النظرية الحركية للغازات – kinetic theory of gases » .
فبعد هذا من الطبيعي التفكير في أن الحركة – بطريقة ما – قد تكون ممنوحة للجسيمات الكبيرة -كحبوب اللقاح-
ولو صح هذا، فسيكون أول تأثير ملحوظ لنظرية الحركة- kinetic theory .
هذا التفكير هو الذي دفع عالم الفيزياء (ألبرت أينشتين – Albert Einstein) عام 1905م لطرح تفسيره للحركة البراونية و (ماريان سمولوهوفسكي-Marian Smoluchowski ) عالم الفيزياء الأخر في 1906م الذي استخدم طريقة أخرى غير أينشتين .
كان هدف أينشتين الأساسي عند تفسيره للحركة البراونية هو إيجاد أدلة تدعم وجود ذرات بأحجام محددة، متذكرًا النظرية الذرية في تفسير بنية المادة، أدرك أن الحركة البراونية ما هي إلا تصادمات بين ذرات المائع أو الهواء وجزئيات حبوب اللقاح.

 الجسيمات الحمراء تمثل حبوب اللقاح بينما تتصادم معها جزيئات الماء

هكذا كشفت الذرات عن نفسها من خلال تفسير الحركة البراونية والحرارة بواسطة العلم التجريبي وليس مجرد الملاحظة و التفكير، ولكن كيف توصل العلماء إلى الشكل الحالي للذرات و بنيتها الداخلية ؟
تابعوا باقي السلسلة .
هنا تجد الجزء الأول من سلسلة تاريخ إكتشاف الذرة: http://goo.gl/nUrrwf
نذكر بأن هذه السلسلة مختصة فقط بالبحث في تاريخ الذرة، يمكنك معرفة المزيد عن الذرة ومكوناتها عبر الرابط : http://sc.egyres.com/VkJlx

إعداد و تصميم : Peter Sawiris

References:
The scientists’ Atom and the Philosophers’ Stone” book ”
Uncertainty”- David Lindley”
http://sc.egyres.com/7XGaZ
http://sc.egyres.com/q06pE
http://sc.egyres.com/Q056e