ثابت الجذب العام: بين الماضي والدراسات الحديثة

ثابت الجذب العام بين الماضي والدراسات الحديثة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
يُعَدُ ثابت الجذب العام ويرمز له بالرمز “G” واحدًا من أهم الثوابت الفيزيائية التي تظهر في قانون الجذب العام لنيوتن وكذلك قوانين النسبية العامة، لكن ثابت الجذب العام هو واحدٌ من أقل الثوابت الفيزيائية دقةً، ومحاولات تحسين دقة هذا الثابت خلال السنين الماضية كلها باءت بالفشل تقريبًا. لِذا دعونا نأخذُ رحلةً في رحابِ ثابت الجذب العام، لنعرف أكثر عن تاريخه والمحاولات الحالية لقياسه.

نبذة تاريخية

بدأت القصة مع السير إسحاق نيوتن في أواخر القرن السابع عشر الميلاديّ، حينما لاحظ من دراسته للبيانات الفلكيّة التي عَمِلَ على تجميعها لسنينٍ عدة، أن القوة التي تتسبب في حركة الأجسام الفلكية في مساراتها هي نفسها القوة التي تجعل التفاحة تسقط من الشجرةِ إلى الأرض، وهي ما تعرف بقوة الجاذبية، وقد نشر هذا الاستنتاج في بحثه الشهير المعروف باسم (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية – Mathematical Principles of Natural Philosophy) عام 1687[1]، وينص قانون الجذب العام لنيوتن على أن قوة التجاذب بين كتلتين تتناسب طرديًا مع حاصل ضرب كتلتيهما، وعكسيًا مع مربع المسافة بينهما، وثابت التناسب هو ما يعرف بثابت الجذب العام G.

ولكن إسحاق نيوتن نفسه لم يحاول حساب القيمة العددية لهذا الثابت، وإنما جاءت أول حساباته في آواخر القرن التاسع عشر، بعد أن صاغ نيوتن قانونه بمائة سنة تقريبًا. وقام العالم (هنري كافنديش – Henry Cavendish) بحساب الكثافة المتوسطة للكرة الأرضية باستخدام (نابض ملتوي – Torsion pendulum)، كما هو مبين بالشكل أدناه، وهي الطريقة التي ألهمت العلماء في آواخر القرن التاسع عشر لاستخدامها في حساب قيمة ثابت الجذب العام، بعدم يقين نسبي مساوٍ لـ1%.

 

ثابت الجذب العام: بين الماضي والدراسات الحديثة. المصدر:National Institute of Standards and Technology
النابض الملتوي المستخدم بواسطة Paul R. Heyl في عام 1930 لحساب قيمة ثابت الجذب العام

القيم المتفق عليها دوليًا لثابت الجذب العام

في عام 1966 قام المجلس الدولي للعلوم (ICSU) بإنشاء لجنة البيانات للعلوم والتكنولوجيا، وتختصر لـ(CODATA)، وهذه اللجنة وظيفتها وضع قيم موصى بها للثوابت الفيزيائية بعد دراسات مطولة لكل البيانات المتاحة. وأصدرت هذه اللجنة نتائجها الأولى لثابت الجذب العام في عام 1973. والنشرات الأخيرة من لجنة CODATA تسمى بتاريخ آخر بيانات تم وضعها في الحسبان عند تطوير قيم الثوابت في النشرة الجديدة؛ فعلى سبيل المثال (CODATA-2014) هي النشرة التي تم اعتمادها من قبل اللجنة لقيم الثوابت الفيزيائية بناءً على الوريقات البحثية المنشورة بحد أقصى في العام 2014. والجدول التالي [2] يوضح التعديلات المنشورة لقيم G في النشرات المختلفة من عام 1973 حتى عام 2014. والقيمة المعتمدة حاليًا من اللجنة في نشرة CODATA-2018) [3])، هي: G=6.67430(15)*10^-11 متر3 كجم-1 ث-2 ، بعدم يقين معياري نسبي (Standard Relative uncertainty) مساوٍ ل22 جزء لكل مليون (22ppm).

النشرة قيمة G (×10-11) عدم اليقين المعياري النسبي (ppm)
CODATA-1973

6.6720(41)

615
CODATA-1986

6.67259(85)

128
CODATA-1998

6.673(10)

1500
CODATA-2002

6.6742(10)

150
CODATA-2006

6.67428(67)

100
CODATA-2010

6.67384(80)

120

CODATA-2014

6.67408(31)

47

وكما يمكننا الملاحظة من الجدول فإن عدم اليقين المعياري النسبي في قيمة G في نشرة (CODATA-1998) كبيرة جدًا بالمقارنة بالنشرة التي سبقتها، الأمر الذي حَيَّر العلماء وجعلهم يبحثون في سبب هذا التناقض الكبير. وفي محاولة لمعرفة السبب في مثل هذا الخطأ الكبير، توصل العلماء[4] إلى أن السبب هو كون التجربة التي اعتمدت عليها النشرة كانت تستخدم عزم دوران إلكتروستاتيكي لمُلاشاة عزم الجاذبية الخارجي في التجربة، غير واضعين في الحسبان السعة الكهربيّة الجزئية (Partial capacitance) للجهاز المستخدم في التجربة، الأمر الذي يفسر عدم اليقين الكبير في التجربة. وبعد أخذ هذا الأمر في الاعتبار يمكننا ملاحظة أن عدم اليقين المعياري النسبي في باقي نشرات CODATA أصبح صغيرًا جدًا مقارنة بنشرة (CODATA-1998).

ولكن وكما هو ملاحظ في الجدول السابق فإن قيم ثابت الجذب العام ما زالت متباعدة إلى حدٍ يمكننا من الجزم بأفضلية إحدى القيم على القيم الأخرى، ولحل هذه المعضلة اتجه العلماء إلى اتجاهات عدة منها:

  • محاولة استخدام طرق مختلفة لقياس ثابت الجذب العام ومن هذه الطرق: (وقت التأرجح – Time of swing ‘TOS’) و(ردود فعل التسارع الزاوي – Angular acceleration Feedback ‘ACF’) و(ميزان الشعاع – Beam Balance) و(طريقة تجويف فابري-بيرو – Fabry–Pérot cavity) وقائمة الطرق المستخدمة تمتد إلى ما يزيد على 15 طريقة مختلفة أو هجين من الطرق المتعارف عليها. ولكن كما هو مبين في الجدول التالي فحتى وباستخدام طرق مختلفة، ما زال هناك تباعد بين القيم المقاسة لثابت الجذب العام بالطرق المختلفة.
  • الاقتراح الثاني هو محاولة قياس قيمة الثابت G بأكثر من طريقة لمرات عدة في نفس المكان، وهو ما قام به الباحث (جونفي وو -Junfei Wu) وأخرج نتائج واعدة في عام 2018، وسنناقش هذه النتائج في الفصل التالي من المقالة.
  • أن يكون السبب في هذه الاختلافات هو نوع غير مكتشف من (الأخطاء المنهجية – Systematic errors) وهو الأمر الذي سنناقشه بالتفصيل في الفصل الأخير من هذا المقال.
اسم التجربة الطريقة قيمة G (×10-11) عدم اليقين المعياري النسبي (ppm)
UCI‐14 زمن التأرجح

6.67435(13)

19
UWash‐00 ردود فعل التسارع الزاوي

6.674255(92)

14
Uzur‐06 ميزان الشعاع

6.67425(12)

19
JILA‐10 تجويف فابري-بيرو

6.67234(14)

21

قيمتان حديثتان لثابت الجذب العام باستخدام طريقتان مختلفتان

قبل أن أتجه في الكتابة إلى ذكر القيمتين الجديدتين والطرق التي استخدمها العلماء للوصولِ إليهما، دعوني أبدي اندهاشي من التكريس الذي يضعه العلماء في عملهم من أجل اكتشاف الحقائق، والوصول إلى نتائج أفضل، وهذه النتائج الأفضل في نظر من لا يقف على الأمور ويفكر فيها بعمق مجرد بضعة أجزاء من المليون سيتم تحسينها في عدم اليقين المعياري النسبي. ولكن في نظر العلماء، هي حقيقة لا بد من البحث عنها، والبحث عنها بنظام ومثابرة، لأننا قد نكتشف بهذه الطريقة حقائق لم نكن نتكهن بها من ذي قبل. وما راعني إذ رأيت مجهود الفريق البحثي (HUST) الذي يعمل على قياس ثابت الجذب العام منذ 30 عام مضت، أن هذا الفريق من أجل تحسين قيمة G المقاسة عن القيمة السابقة في عام 2009 قام بكمٍ هائل من الإجراءات الدقيقة الأولية التي من شأنها أن تضمن دقة النتائج. وهذه الإجراءات من شأنها أن تأخذ مننا مقالات عدة لسردها فقط دون تفصيل، ولكن دعونا نلتزم هنا فقط بذكر نتائج التجربتان.

قام فريق (HUST-18) باستخدام طريقة زمن التأرجح لحساب قيمة ثابت الجذب العام لتكون:  G=6.674184(78)*10^-11 متر3 كجم-1 ث-2 بعدم يقين معياري نسبي مساوٍ لـ11.64 جزء لكل مليون (11.64ppm) وهو عدم يقين منخفض جدًا بالمقارنة بكل المحاولات السابقة لقياس ثابت الجذب العام.

أما الطريقة الثانية التي استخدمها الفريق فهي طريقة ردود فعل التسارع الزاوي والتي أدت إلى نتيجة قريبة جدًا من النتيجة الأولى لكنها أكثر دقة بعض الشيء وهي:  G=6.674484(78)*10^-11 متر3 كجم-1 ث-2 بعدم يقين معياري نسبي مساوٍ لـ11,61 جزء لكل مليون (11.61ppm) وهو أقل عدم يقين معياري نسبي تم التوصل إليه في قياسات ثابت الجذب العام حتى الآن. وقد استطاع الفريق البحثي نشر إسهاماته في عام 2018 في مجلة (الطبيعة – Nature).[5]

تفسير اختلاف قيمة ثابت الجذب العام في القياسات المختلفة

على مدار الأربعين سنة الماضية أُجريت العديد من التجارب لقياس ثابت الجذب العام، والأمر الذي لفت انتباه بعض العلماء أننا إن عرضنا البيانات التي توصلت إليها تلك التجارب على شكل نقاط، بحيث يكون إحداثي النقطة على المحور الرأسي هو قيمة G المقاسة في هذه التجربة، وإحداثي النقطة على المحور الأفقي هو التاريخ الذي أجريت فيه التجربة، فسنجد أن قيم G المقاسة تمثل شكل دالة جيبية لها دورة مساوية لـ5.9 سنة كما هو مبين في الشكل التالي، وهو الأمر الذي بدوره حير العلماء.

افتراض العلماء هو أن قيمة ثابت الجذب العام لايمكنها أن تتغير لذا لا بُد من وجود مصدر للخطأ المنهجي الذي يتكرر أيضًا كل 5.9 سنة، والاقتراح الذي قدمه العالم (جون دي أندرسون-  John D. Anderson) أن هذا الخطأ المنهجي قد يكون له علاقة بمعدل دوران الأرض حول محورها، حيثُ إن سرعة دوران الأرض حول محورها تختلف اختلافًا بسيطًا من يوم لآخر، لكن هذا التغير له دورة قدرها 5.9 سنة أيضًا، والعلماء الذين يؤيدون هذا الرأي لا يرون أن الربط بين هذين الحدثين قد يكون صحيحًا لأن السبب في اختلاف معدل دوران الأرض حول محورها هو التيارات الدورانية في لُبِّ الأرض.[6]

المصدر: J.D. Anderson
مجموعة من 13 تجربة لقياس الثابت G والتي تظهر دورة قيمتها 5.9 في القراءات.

وقد قدم الباحث (تشي تشيج- Zhi Cheng) اقتراحًا مغايرًا لكنه يبدو واعدًا في ورقته البحثية[7] أن قيمة ثابت الجذب العام لا بد أن تتغير في حالة انضغاط الزمكان، لأن هذا الافتراض هو الحل الوحيد لعدم مخالفة قانون حفظ الطاقة. ونِتاجًا لذلك، فإن موضع الأرض من الشمس قد يؤثر على قيمة ثابت الجذب العام G وكذلك الموضع النسبي لكوكب المشتري من كوكب الأرض. وقد قارن الباحث، نتائج العديد من التجارب التي اهتمت بقياس ثابت الجذب العام، فوجد أن هذه الفرضيات تفسر تمامًا التغيرات في نتائج التجارب.

إلى الآن فإن المعضلة لم تُحَلْ بشكل قاطع بعد، والمشكلة أننا لا نعلم هل المشكلة تكمن في الجانبِ العمليّ أم في الجانبِ النظريّ؟ لكن ما يدعو للتفاؤل أن كلًا من الفيزيائيين العمليين والنظريين أخذوا الأمر على عاتقهم، ولعلنا نشهد مع تطور التكنولوجيا، حلًا قريبًا للغز ثابت الجذب العام.