ما هي “حروب الأفيون”؟!

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
تُعد حروب الأفيون من أغرب الحروب التي خاضتها الصين في تاريخها، بل وربما من أغرب الحروب على مستوى العالم.

تنقسم حروب الأفيون التي قامت بين الصين الإمبراطوريَّة والمملكة البريطانية إلى حربَين تحملان الاسم ذاته على الترتيب: حرب الأفيون الأولى (1839-1842)، وحرب الأفيون الثانية (1856-1860).

سبب قيام حروب الأفيون

قامت هاتان الحربان على خلفية انتشار زراعة الأفيون وتدخينه في الصين، لكن هذا الانتشار لم يكن طبيعيًّا؛ وإنَّما بفعل فاعل.

كانت الصين تعيش إحدى أكثر فتراتها قوَّةً في أواخر القرن الثامن عشر تحت حكم عائلة (تشينغ)، وكانت التجارة الخارجية الصينية في أوج ازدهارها، لاسيَّما التجارات التي تتفرَّد بها الصين -كتجارة الشَّاي، والبورسلين، والحرير-؛ الأمر الذي خلق توازنًا في القوى العظمى، وأوشك أن يجعل الموازين تنقلب لصالح الصين بدلًا من الصالح البريطاني. وقد أدركت المملكة البريطانية ما يحدث؛ ممَّا دفع الملك البريطاني حين ذاك الملك جورج الثالث أن يطلب من الإمبراطور الصيني (تشيان لونغ) توسيع العلاقات التجاريَّة بين البلدين بشكل يسمح لبريطانيا بتصدير سلعها للصين، بحيث تتمكَّن من دفع ثمن وارداتها الصينية، وهو ما قوبل بالرفض من الجانب الصيني. نتيجة لهذه المُجرَيات، قامت بريطانيا عن طريق شركتها المحتكرة للتجارة مع الصين (شركة الهند الشرقية البريطانية) بوضع خطَّة لقلب الموازين لصالحها مرة أخرى. [1]

 

الإمبراطور تشيان لونغ - ويكيبيدياالإمبراطور تشيان لونغ 1711-1799

الخطة البريطانية

بدأت شركة الهند الشرقية البريطانية في أواخر القرن الثامن عشر -كوسيلة لسداد قيمة وارداتها الصينية- بزراعة الأفيون في وسط وشمال الهند وتصديره للصين، وقد لاقى الأفيون رواجًا هائلًا بين صفوف الشعب الصيني، حتى بدأت موازين القوة في الانقلاب لصالح الجانب البريطاني مرة أخرى؛ ليس بسبب قيمة الفضَّة المدفوعة لشراء الأفيون وحسب، بل أيضًا لأنَّ زيادة أعداد المدمنين الصينيِّين أثَّرت على النشاط الاقتصادي في البلاد. [1] [2]

وقد أثار هذا حفيظة المسؤولين الصينيين؛ إذ قام الإمبراطور الصيني (يونغ تشينغ) عام 1829 بإصدار فرمان إمبراطوري يقضي بتحريم استيراد مخدِّر الأفيون وزراعته أو تناوله. [1]

إلَّا أنَّ هذا الفرمان لم يمنع المملكة البريطانية من استكمال مخطَّطها؛ لكنَّها استعاضت عن تصدير الأفيون بتهريبه.

 

الصين ومكافحة الأفيون

لم يتوقف الأمر عند استمرار تهريب الأفيون، بل تصاعد خلال العقد التالي حتى بلغت كميات الأفيون المهرَّبة مئات الأطنان في العام الواحد مشكِّلةً 57% من إجمالي الواردات الصينية، مؤثِّرةً بشكل كبير على صحة المواطنين الصينيين، ومساهِمةً في تزايد عدد المدمنين منهم؛ لذا قامت الإمبراطورية الصينية بإجراءات أكثر حزمًا على الصعيدَين الخارجي والداخلي. [1]

فعلى الصعيد الخارجي، أهاب الإمبراطور الصيني (داو غوانغ) بالملكة فيكتوريا من خلال خطاب مفتوح أن توقف تجارة الأفيون من جانب دولتها؛ نظرًا لمسؤوليَّتها الأخلاقية عن تهريبه وتجارته في الصين، كما قام بمفاوضة الشركات الأجنبية على مخزونهم من الأفيون مقابل الشاي، لكن كلتا المحاولتين بائتا بالفشل؛ إذ تجاهلت المملكة البريطانية هذا الخطاب، كما رفض التجَّار الأجانب الاتِّفاق مع الجانب الصيني. [1] [2]

لذا لجأت الصين لحل الأمر داخليًّا وباستخدام طرق عنيفة؛ إذ قامت بما يلي:

أولًا: من جانب التجَّار، قامت بمحاصرة التجَّار الغربيِّين حيث يعيشون في الصين، كما صادرت مخزونهم من الأفيون، وأمرت بحصار السُّفن الأجنبية حتى سلَّمت حمولتها التي بلغت آلاف الأطنان، وقامت بإحراقها على مرأى ومسمع منهم ومن الشعب الصيني. [3]

وثانيًا: من جانب المواطنين، رفضت مقترحات تشريع الأفيون مع فرض الضَّرائب عليه، وحظرت تداوله تمامًا، مع فرض عقوبات صارمة على مَن يخالف ذلك. [3]

 

التدخُّل العسكري البريطاني

اتَّخذت بريطانيا من إجراءات الصين ذريعةً لها لمهاجمة الصين عسكريًّا بكلِّ قوَّتها؛ معلِّلةً ذلك بتطبيقها لمبدأ حرِّية التجارة. ومبدأ حرِّية التجارة هو أحد مبدأين كان النظام العالمي قائمًا عليهما في ذلك الحين، وكان المبدأ الآخر هو مبدأ دبلوماسية السفن المسلَّحة. وكانت بريطانيا هي مَن فرضت هذين المبدأين أيضًا باعتبارها الدولة الرأسمالية الأقوى في العالم، وخاصَّةً بعد انتصارها على فرنسا في حروب نابليون وتوجُّهها للثورة الصناعية، فأقرَّت هذين المبدأين بالشكل الذي يسمح لها بتصريف إنتاجها الصناعي، وإيجاد مواد خام أقل سعرًا في مستعمراتها وغيرها من البلاد. [5]

حرب الأفيون الأولى

استخدمت بريطانيا قوَّتها العسكرية متمثِّلةً في قوَّتها الملاحية والمدفعية من السفن والجنود لمهاجمة البوَّابة البحرية لبكِّين.

ونظرًا للمقاومة العنيفة من الشعب الصيني؛ فقد استغرق الأمر الجيش البريطاني عامَين (1840-1842) بمساعدة أمريكية ليتمكَّن من فرض سيطرته العسكرية، ودخول الصين واحتلال مقاطعة (شين جيانغ)، لتبدأ المملكة البريطانية بعدها سلسلة من الاتِّفاقيات المُذِلَّة للجانب الصيني الذي تحوَّل خلال بضعة عقود من دولة مستقلَّة ذات سيادة عظمى إلى كيان محتَل ذليل كما تنصُّ بنود هذه الاتِّفاقيات. [3] [4]

توقيع اتفاقية نان جينغ خلال حرب الأفيونتوقيع اتفاقية نان جينغ

حيث نصَّت الاتِّفاقية الرئيسية (اتفاقية نان جينغ) على دفع الصين تعويضًا لبريطانيا عن نفقات الحرب، وفتح خمسة موانئ للتجارة البريطانية، وتنظيم تجارة العمال، والإذن لسفير بريطاني بالإقامة في بكِّين، وتحديد التعريفة الجمركية على الواردات البريطانية باتِّفاق الجانبَين، وتطبيق نص الدولة الأولى بالرِّعاية فيما يخصّ المعاملات التجارية؛ ممَّا أفقد الصين سيادتها الاقتصادية وأحقِّيَّتها في فرض الضرائب على موانئها. [3]

إلى جانب ذلك، فقد أُجبِرت الصين على التنازل عن جزيرة هونغ كونغ -التي كانت بمثابة منجم ذهب بالنسبة لها- وذلك بموجب اتفاقية انتفاع مدَّتها مائة عام للصالح البريطاني. وأُلحِقت هذه الاتفاقية في العام التالي لتوقيعها ببند ينصُّ على تحديد نسبة 5% على الصادرات البريطانية إلى الصين.[4] [3]

في العام الذي يلي هذا التعديل، طالبت أمريكا -بمقتضى مساعدتها للجيش البريطاني- بأن تحصل على ذات الامتيازات البريطانية، وهو ما حدث في العام ذاته 1844. [4]

إلى جانب الضعف الاقتصادي، أسفرت هذه الحرب عن خلل في النظام الاجتماعي الصيني نتج عن الضعف الذي حلَّ بالأسرة الإمبراطورية الحاكمة.

 

حرب الأفيون الثانية

رغم كل ما سبق، لم تؤتِ الحرب الأولى الثَّمار التي رجتها بريطانيا؛ إذ لم يرتفع حجم التجارة مع الصين بالشكل المتوقَّع، ولم يُرفَع الحظر عن تجارة الأفيون، إلى جانب رفض البلاط الإمبراطوري للتعامل مع القوات المحتلَّة بشكل مباشر.

هذا ما دفع القوَّات البريطانية للمطالبة بمزيد من التعديلات على حقوقهم المأخوذة بالقوة، وهو ما قابله الإمبراطور الصيني بالرَّفض التام؛ لذا قرَّرت بريطانيا بمساعدة من فرنسا -إلى جانب الشريك القديم أمريكا- شنَّ حرب جديدة على الصين.

وقد ساعدهم في بدء هذه الحرب وقوع حادث صغير بميناء (جوانج شو) عام 1856، عندما طالبت القوات الصينية بتفتيش سفينة تحمل العلم البريطاني، ثم اعتقلت بحَّارِيها، وتسبَّبت في مقتل مبشِّر فرنسي. فتعلَّلت القوَّات البريطانية والفرنسية بهذا الحادث في شنِّهما الحرب مجدَّدًا، فبدأت قوَّاتهما بتدمير أربعة حصون لمدينة (تيان)، وتفجيرها بالقنابل بمعدَّل قنبلة لكلّ 10 دقائق حتى تستسلم. [2]

ولمدَّة عامَين، استخدمت بريطانيا وفرنسا كامل قوَّتهما -بمساعدة أمريكية وروسيَّة أيضًا؛ بحكم التدخُّل الرُّوسي في هونغ كونغ- لهزم الشعب الصيني، الذي رغم تصدِّيه القوي لهما للمرَّة الثانية؛ إلَّا أنَّ التفوُّق العسكري قد تسبَّب بهزيمته.

ليتمَّ بعد هذه الهزيمة توقيع اتِّفاقية (تيان جين) عام 1858، والتي نصَّت على فتح خمسة موانئ جديدة للتجارة الدُّولية، مع السماح باستيراد الأفيون، وحرية الملاحة على نهر اليانغتسي، إلى جانب السماح بالتَّبشير الكاثوليكي، وحرية تجوُّل المبشِّرين في الصين. [2] [3]

وقد تعامل الجانب المحتَل بعنف شديد مع تنفيذ بنود هذه الاتفاقية؛ حيث قام بنهب وحرق القصر الصيفي للإمبراطور نتيجة لتأخُّر تنفيذها، وهو ما عُدَّ خسارة كبيرة للحضارة الصينية؛ إذ كان هذا القصر إلى جانب فخامته وعراقته، يحوي آثارًا تاريخية هامَّة.

ونتيجةً لهذا الضغط؛ فقد رضخ البلاط الإمبراطوري لتنفيذ البنود المتَّفق عليها، متسبِّبًا في مزيد من الضعف الاقتصادي، وتزايدًا في عدد مدمني الأفيون الذي بلغ نحو 120 مليون مدمن صيني للأفيون بحلول عام 1878. [2] [3]

 

في النهاية، لم تنتهِ حرب الأفيون إلَّا في العام 1911؛ نتيجة لاندلاع الثورة الصينية الأولى (الثورة الجمهورية أو ثورة شين هاي)، والتي أطاحت بالنظام الإمبراطوري لسلالة تشينغ، وأعلنت قيام الجمهورية الصينية، وما تبع ذلك من قرارات وإجراءات ثورية هي أُولى الخطوات التي وصلت بالصين لما هي عليه اليوم. [6]