طريقة مبتكرة لمزج الماء والكهرباء، و(3) تطبيقات مختلفة

خليط مبتكر بين الماء والكهرباء

لا يتماشى استخدام الكهرباء مع الماء في الظروف الطبيعية، ولكن جاء اثنان من مهندسي شركة (نورثروب غرومان – Northrop Grumman) لتغيير هذا الاعتقاد؛ فقاما بإزاحة خطر تعرض التيارات الكهربائية للمياه، مع عمل مواءمة بينهما. وذلك عن طريق اختراع نوع جديد من الموصلات الكهربائية لا تتأثر بتعرضها للمياه.

فكان لا يهدأ لأغلب مصنعي الموصلات الكهربائية بالٌ للعمل على منع التيارات الكهربائية من وصولها للمياه، إلى أن توصلوا لهذا الاختراع الذي قام بتغيير نظرتنا للأمر عمليًّا، وفلسفيًّا أيضًا.

فيقوم هذا الموصل الكهربائي المبتكر -تحت الماء- بزيادة سُمك الطبقة العازلة الناتجة بفعل التفاعل الكيميائي بين الموصل والماء.

فهذه الطبقة ذاتية الالتئام والمعالجة حين تعرضها للخدوش عند عملية توصيل الموصلات؛ حيث تعيد الطبقة عزل نفسها ثانيًا.

وتضمن تقنية (نيوبيكون – NiobiCon) -الشركة المبتكرة لهذا الموصل- أمانًا بشكل كبير؛ فهي عازلة للتيارات الكهربائية عند لمسها -وهي منغمرة في المياه- دون التعرض لصدمة كهربائية مع ضمان جودتها حتى عند قيام توصيل الموصلات آلاف المرات.

يقول دكتور (هارفي هاك – Harvey Hack) الحاصل على لقب زمالة، والمهندس (جيم ويندغاسن – Jim Windgassen) وهو كبير المهندسين، اللذان دمجا خلفيتهما المختلفة لاختراع تقنية الـ«نيوبيكون» الجديدة تحت الماء:

بينما توجد موصلات كهربائية أخرى لمحاولة مقاومة مياه البحار، تتفوق موصلاتنا بتناغمها مع المياه.

يهدف اختراعهما -في الأصل- إلى تطوير عملية شحن البطاريات، بالإضافة إلى عملية تبادل البيانات بالمركبات الغاطسة -الغواصات- بدون غواص (unmanned underwater systems)؛ فتلك التكنولوجيا لديها القدرة على تطوير المركبات والأنظمة المائية التي تتواجد تحت سطح الماء بما في ذلك شبكات الاستشعار تحت الماء، بالإضافة إلى المعدات المتواجدة فوق سطح الماء التي يمكن أن تتعرض لمواد مسببة للتآكل، مثل الآلات الزراعية.

قصة الاختراع الذي يتحدى الماء

كان «ويندغاسن» يسعى إلى إيجاد نهج متعلق بالاختراع إزاء التحديات المرتبطة بمسألة عدم موثوقية (reliability) الموصلات تحت الماء، عندما وجد «هاك» يعمل على تحسين مقاومة تآكل وصدأ مواضع تلامس الموصلات تحت تأثير عنصر النيوبيوم (niobium) الذي يُكافئ في مقاومته عنصر التيتانيوم (titanium).

عنصر النيوبيوم
عنصر النيوبيوم (المصدر: موقع periodictable)

عدل «ويندغاسن» نهجه في تحسين جودة الموصلات؛ فاختار عنصر التنتالوم (tantalum) -وهو يُستخدم عادةً في المكثفات (capacitors)- الذي يتشابه في تأثيره بعنصر التيتانيوم؛ حيث تُستخدم طبقة رقيقة من العنصر كعازل كهربائي.

عنصر التانتالوم
عنصر التانتالوم (المصدر: موقع periodictable)

ومن خلال معرفة عمل تلك الطبقة العازلة المتواجدة بالمكثفات الكهربائية المصنوعة من عنصر التنتالوم، استنار «ويندغاسن» بنظرية مضمونها أنه يجب لخصائص تلك الطبقة العازلة أن تمتاز بسرعة تحقيق الاتصال المعدني عند تلامس الموصلات.

طلب «ويندغاسن» من «هاك» اعطاءه بقايا عنصر النيوبيوم؛ ليقوما هما الاثنين بعمل نموذج أوّلي (prototype) خام لتطوير الموصل. وعند مرحلة اختبار النموذج، فُوجئ الاثنان بنجاح عمل الفكرة؛ فرأوا مدى فعالية الطبقة العازلة في منعها من انتقال التيار الكهربائي في الماء مع ضمان تدفق التيار بشكل مستقر عند إحكام الموصلات.

 

 

يقول «هاك»: 

يمكن لطبقة النيوبيوم منع أي فرصة تدفق كهربائي من الموصل إلى الماء رغم نحافة تلك الطبقة؛ فسُمكها يعادل عددًا قليلًا من الجزيئات. وذلك حتى في حال تطبيق جهود كهربية من شأنها تدمير مواد الاتصال (التلامس الكهربائي) التقليدية.

فعند إحكام الموصل المغطى بالنيوبيوم بنصفه الآخر (الطرف الآخر)، تتشابك جهات الاتصال (الموصلات) مع بعضها البعض حيث تتآكل طبقة النيوبيوم داخليًا لسماح مرور التيار الكهربائي دون عائقٍ عن طريق التلامس المعدني المباشر ببعضها البعض.

وعند انفصال طرفي الموصل، تتكون طبقة النيوبيوم -في أجزاء من الثانية- بسرعة مذهلة لتغطية الأجزاء المتعرية مرة أخرى.

تغني تقنية «نيوبيكون» عن الحاجة إلى شرائط اللحام، أو مواد التشحيم، أو  القطع المتحركة، بالإضافة إلى مقاومتها لعوامل التآكل، وحماية الموصلات من التدفق الكهربائي، غير مقيدة بعمق المياه.

وتظهر مرونة هذه التقنية عند تشابك وتوصيل الموصلات وانفصالها عن بعضها البعض أثناء التشغيل الكهربائي مما يعزز عوامل السلامة لهذه التكنولوجيا.

أضف إلى ذلك قدرة الشريط العازل (طبقة النيوبيوم) على مقاومة الجهد الكهربائي والحماية من الصدمة الكهربائية حتى مع تلامس أطراف الموصل بيدٍ مبتلةٍ تحت الماء دون خطورة.

حماية المركبات الغاطسة من خطر الكهرباء

تعمل المركبات الغاطسة بدون غواص ببطاريات ذات سعة محدودة للطاقة (limited energy storage capacity) مما يؤثر بالسلب على أداء مهمتها.

إنزال مركبة غاطسة بدون غواص
إنزال مركبة غاطسة بدون غواص (المصدر: wikipedia)

وهنا يظهر دور تقنية الـ«نيوبيكون» -التي يمكن دمجها بالمركبات الغاطسة- في تيسير عملية إعادة شحن البطاريات، أو حتى استبدالها تحت الماء.

وهذا يدفعنا إلى اكتشاف مساحات أعمق من المحيطات مما يفتح لنا مجالًا أمام اكتشافات جديدة للكائنات البحرية الذي من شأنه تمكين العلماء بمواصلة دراسة تأثر أعماق البحار بتغير المناخ بشكل أفضل.

ويمكن أيضًا لهذه التقنية التحسين من موثوقية (reliability) أجهزة الاستشعار تحت الماء التي عانت منذ وقت طويل من الخطر الكهربائي، ومشاكل تآكل الموصلات.

لا ينتهي دور تلك التقنية تحت الماء؛ فالكثير من التكنولوجيات المتواجدة على الأرض معرضة للماء أيضًا. ومن أمثلة ذلك: معدات الرش الكيميائي (المبيدات الزراعية)، وشبكات الري، وغيرها من المعدات التي تتعرض للماء بشكل يومي.

كما أن تاريخ الفياضانات في منطقة الغرب اﻷوسط اﻷمريكية يبرز الحاجة إلى آليات مقاومة للتآكل والصدأ وفقًا لمجلة (الزراعة الناجحة – Successful Farming).

فمن المؤكد أن تجهيز تلك الآلات بتقنية الـ(نيوبيكون) لحمايتها من التعرض للظروف الرطبة، وعملها بشكل موثوق به سيفيد المزارعين دون شك.

وكما قال (ويندغاسن):

يمكن لعمال مصانع الجعة (breweries) أن يستخدموا أياديهم أثناء عملهم دون القلق من رطوبة معدات التخمير، وغيرها من المعدات بفضل تقنية الـ(نيوبيكون) التي تحمي الموصلات من الصدأ والتآكل مما يضمن عملها لفترة طويلة تحت الماء.

أحيانًا، لا يكون هناك مفر من التعامل مع الماء؛ ,بفضل براعة (هاك) و(ويندغاسن) فإن الموصلات الكهربائية التي تتحدى الظروف الرطبة قد تشهد تحولًا في النموذج الفكري العلمي (paradigm shift) في نظرتنا للعلوم (science) وأيضًا للمشاريع التجارية (businesses).

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي