عملية تَولُّد الأوعية الدموية.. كيف تتغذى الخلايا السرطانية؟

عملية-تَولُّد-الأوعية-الدموية.

||

عندما يحدث خلل ما في الخلية الطبيعية لتتحول إلى خلية سرطانية فهي بطبيعة الحال تنقسم بشكل سريع وبطريقة شاذة خارجة عن إرادة الجسم لتكون خلايا سرطانية جديدة وتتوالى عمليات الانقسام حتى تتكون مجموعة من الخلايا المتراصة فيما يشبه النسيج. عند تلك النقطة تواجه تلك الخلايا مشكلة كبيرة فيما يتعلق بالتغذية، فهي في النهاية مجرد خلايا تحتاج الإمداد بالغذاء والأكسجين وإخراج فضلات الخلية للخارج، وبدون هذه العمليات لا يمكن لهذه الخلايا النجاة وتصبح هذه هي النهاية بالنسبة لهذا النسيج السرطاني.

في الطبيعي تكون عمليات التغذية ونقل الأكسجين عبارة عن عمليات الانتشار الغشائي حيث ينتقل الغذاء الزائد عن حاجة الخلية إلى الخلية المجاورة عبر الغشاء الخلوي. أو عن طريق الأوعية الدموية كباقي أنسجة الجسم.

ولكن في حالة الأنسجة السرطانية فالأمر مختلف، في الواقع النسيج السرطاني لا يمكنه أن ينمو في الحجم أكثر من حجم رأس الدَبُّوس. فهذا هو أقصى إمكانيات الانتشار الغشائي، حيث أن النسبة بين مساحة سطح النسيج إلى حجمه تصبح صغيرة. وبالتالي النسيج السرطاني لا يمكنه النجاة أكثر من ذلك دون إمدادات الغذاء والأكسجين التي توفرها شبكة الأوعية الدموية. وهنا يأتي دور (عملية تولد الأوعية الدموية – Angiogenesis).

ما هي عملية تَولُّد الاوعية الدموية؟

عند بداية تكون الجنين في الرحم أو عند عملية التئام الجروح تكون العملية الأساسية هي عملية الانقسام الخلوي وتكوين أنسجة جديدة حتى مرحلة معينة (عند وصول النسيج المتكون تقريبًا لحجم 1 ملميتر مكعب) بعد هذه المرحلة تصبح عملية الانتشار الغشائي مفيدة للخلايا السطحية فقط، أما الخلايا الداخلية فلا يصلها ما تحتاجه من الغذاء والأكسجين ونقل الفضلات الأيضية وثاني أكسيد الكربون للخارج. حينئذٍ يأتي دور عملية تولُّد الأوعية الدموية، حيث ترسل الخلايا الداخلية إشارات معينة للخلايا المجاورة للأوعية الدموية وتحفيزها لتقوم تلك الخلايا بتكوين امتدادات للأوعية الدموية لتمتد داخل النسيج المتكون وتقوم بتغذيته وإمداده بالأكسجين واستخراج الفضلات الأيضية منه. الخلايا السرطانية أيضًا تستغل تلك الميكانيكية لتكوين شبكة من الأوعية الدموية داخل النسيج السرطاني.

التحكم في عملية تولد الأوعية الدموية

عملية تولد الأوعية هي عملية أساسية، تحدث بشكل طبيعي في حالة نمو أنسجة جديدة عند الأجنة وعند التئام الجروح. أثناء مراحل النمو الطبيعية، يحدث ثبات في عدد الأوعية الدموية وأماكنها، بعد ذلك يحدث إيقاف لعملية تَولُّد الأوعية. في الأشخاص البالغين، لا يحدث تشغيل لهذه العملية مرة أخرى إلا في حالات فسيولوجية معينة كالتئام الجروح وحالة الحيض عند النساء. وتحدث العملية بشكل عابر وتكون مُنظمة بطريقة دقيقة جدًا. أما في حالات السرطان، تكون تلك العملية في حالة تشغيل طوال الوقت.

تنظيم عملية تولد الأوعية عن طريق عوامل نمو الخلايا المبطنة للأوعية الدموية

يتم تنظيم عملية تولد الأوعية الدموية عن طريق موازنة الإشارات الإيجابية التي تعمل على تحفيز هذه العملية والإشارات السلبية التي تعمل على إيقافها. هذه الإشارات تتضمن العديد من عوامل النمو، يعتبر أهمها هو (عامل نمو الخلايا المبطنة للأوعية الدمويةVascular Endothelial Growth- Factor) أو للاختصار (VEGF).

(VEGF) يقوم بالارتباط بمستقبلات معينة على سطح الخلايا الداخلية المبطنة للسطح الداخلي للأوعية الدموية، مما يجعل الخلايا الداخلية تخترق الوعاء الدموي وتتجه ناحية مصدر الإشارة لتقوم بعدها بالنمو والتضاعف مكونة وعاء دموي جديد.

أما الإشارات السلبية فتتضمن بروتين يسمي thrombospondin-1 الذي يعمل على تثبيط نمو وهجرة الخلايا البطانية الداخلية. فعند بدء الهجرة يحدث ارتباط لهذا البروتين بالخلايا البطانية الداخلية ويقوم بتنشيط مجموعة من البروتينات المحللة للخلية لينتهي الأمر بانتحار الخلية. حاليًا توجد الكثير من البروتينات المعروفة التي تقوم بتثبيط أو تنشيط عملية تَولُّد الأوعية الدموية عن طريق آليات مشابهة.

نقص التأكسج وعلاقته بعملية تَولُّد الأوعية الدموية

كيف تقوم الخلايا السرطانية بالتحكم في تفعيل عملية تَولُّد الأوعية الدموية؟ ببساطة، الخلايا السرطانية تقوم بإخلال التوازن بين محفزات عملية تَولُّد الأوعية الدموية ومثبطاتها في البيئة الخلوية.

عملية النمو السريع للورم السرطاني تؤدي إلى نقص في توصيل الأكسجين للخلايا الداخلية في الورم. هذه الخلايا تعاني من نقص الأكسجين الواصل اليها، ويؤدي ذلك إلى (استجابة إجهاد نقص الأكسجة – hypoxia stress response ). الاستجابة الأولية لعملية نقص الأكسجين تكون على المستوى الخلوي عن طريق اطلاق عامل يسمىhypoxia inducible factor  أو للاختصار (HIF) وهو عبارة عن عامل نسخ يقوم بإنتاج بروتينات أخرى لازمة لحدوث تأثيرات نقص الاكسجين.

في حالات الأكسجة الطبيعية، تحدث إضافة مجموعة هيدروكسيل (OH) إلى عامل (HIF) كعلامة لبدء انحلاله. وكنتيجة لذلك، تبقى كمية عامل (HIF) في الخلية قليلة وثابتة. ولكن، خلال حالة نقص التأكسج، تتوقف عملية الانحلال وتتراكم كمية عامل (HIF) في الخلية. بعد ذلك تبدأ في الانتقال لداخل النواه في الخلية، حيث تحفز تنشيط العديد من الجينات. واحد من أهم تلك الجينات هو عامل النمو (VEGF) السابق ذكره. الزيادة في نسبة هذا العامل تؤدي إلى الاخلال باتزان العوامل المثبطة لعملية تَولُّد الأوعية الدموية والعوامل المنشطة لها. وتكون النتيجة هي رجوح كفة عوامل التنشيط لعملية تَولُّد الأوعية الدموية.

بعد تفعيل عملية التنشيط تقوم الأورام السرطانية بإجبار الخلايا البطانية الداخلية للعمل معها رغمًا عن إرادتها. بالإضافة لذلك، تقوم الأورام أيضًا بتجنيد خلايا تسمى pericytes وهي خلايا مسؤولة عن تثبيت وتدعيم الخلايا الأخرى، لتوفر التدعيم اللازم للأوعية الدموية الجديدة المتكونة. لتضمن نجاه الخلايا البطانية المهاجرة وإرشاد نمو الوعاء الدموي وتفرعه جهة الورم المتكون. ولكن، كيف يمكن للورم تجنيد تلك الخلايا الداعمة؟

الإجابة مرة أخرى تكمن في الإشارات الخلوية، عند تنشيط الخلايا البطانية الداخلية تقوم تلك الخلايا بدورها بإفراز (عامل نمو مشتق من الصفائح الدموية – Platelet-derived growth factor) أو (PDGF) للاختصار. تحتوي (الخلايا الداعمة Pericyte) على سطحها مستقبلات لعامل النمو (PDGF). وعند ارتباط عامل النمو مع المستقبلات يحدث تنشيط لتلك الخلايا الداعمة. وهذا يجعل الخلايا الداعمة تنتج المزيد من عامل النمو الأصلي (VEGF) لتتكرر العملية من البداية، لينتج عن ذلك نمو سريع للأوعية الدموية الجديدة.

يوضح الشكل مخطط بسيط للعملية. في حالة نقص التأكسج حيث ينتج (HIF) بكميات كبيرة وتدخل إلى النواه لتحفيزها على إنتاج عامل النمو الأساسي(VEGF) الذي يصل إلى الخلايا البطانية الداخلية ويرتبط بالمستقبلات على سطحها ويحفزها على اختراق الوعاء الدموي والهجرة إلى مكان الورم المتكون وتكوين وعاء دموي جديد وأثناء عملية التنشيط تقوم الخلايا البطانية بإنتاج عامل نمو (PDGF) الذي يرتبط مع الخلايا الداعمة عن طريق المستقبلات على سطحها وتحفيزها للنمو والتضاعف لتدعيم ومساندة الوعاء الدموي الجديد وأيضًا افراز المزيد من عامل النمو الأساسي (VEGF) لإرشاد الخلايا البطانية جهة الورم المتكون.

بالتأكيد إن العامل الأساسي في هذه العملية هو (VEGF) ولهذا فإن إنتاجه في الحالة الطبيعية يخضع لتنظيم دقيق جدًا في الخلية. ولكن تنشيط البروتينات المنتجة للأورام السرطانية يؤدي إلى زيادة في معدل إنتاج (VEGF). أيضًا الخلايا السرطانية توقف عمل مثبطات عملية تَولُّد الأوعية الدموية. فمثلًا Thrombospondin-1 هو مثبط هام لتلك العملية ويتحكم في افرازه بروتين يسمى P53 يعمل على حماية الجسم من السرطان. ولكن في حالة الخلايا السرطانية، يحدث فقد في هذا البروتين وبالتالي هبوط شديد في مستويات Thrombospondin-1

هذه العملية تعتبر مثال ممتاز للتدمير الذي يحدثه السرطان. حيث يمكن للخلايا السرطانية استغلال آليات الجسم الفسيولوجية الدقيقة لتخدم نموه وانتشاره.

تثبيط عملية تَولُّد الأوعية الدموية

ما مدى أهمية تَولُّد الأوعية الدموية على عملية تطور السرطان؟ أظهرت تجارب عديدة أن البروتينات التي توقف عمل عامل النمو (VEGF) توقف نمو السرطان في الفئران. والعكس، عند إضافة عوامل محفزة لعملية تَولُّد الأوعية الدموية كعامل النمو (VEGF) يحدث تحفيز للأورام السرطانية على النمو. وهذا يطرح تساؤل هام عن إذا ما كنا قادرين على استخدام مضادات تلك العملية (التي تنشأ طبيعيًا في الجسم) في مقاومة السرطان.

بالفعل، عوامل عديدة مضادة لتلك العملية تخضع الأن للتجارب السريرية على مرضى السرطان. فمثلًا Avastin هو أول مثبط لعملية تَولُّد الأوعية الدموية متاح تجاريًا. ويعتمد نشاطه على الارتباط مباشرًة بعامل النمو (VEGF) ويمنع ارتباطه بالمستقبلات الخاصة به. من المثبطات الأخرى التي ظهر الاهتمام بها أيضًا endostatin، angiostatin والمثبط السابق ذكره thrombospondin-1. أيضًا هناك بعض العقاقير ذات الوزن الجزيئي المنخفض المثبطة لعامل (VEGF) في التجارب السريرية مثل sorafenib، axitinib  وpazopanib.

في الأنسجة الطبيعية، التواصل بين الخلايا يعطي لها القدرة على إرشاد بعضها البعض للنمو عن طريق الإشارات الخلوية. البيئة الخلوية للورم تستغل تلك الطريقة للانقسام والنمو بشكل غير متحكم فيه. فالخلية السرطانية لا يمكنها العمل وحدها بل تبقى معتمدة على الخلايا مجاورة لها. تلك الخلايا التي لا دخل لها، هي فقط تتبع الإشارات الخلوية المؤذية التي تنتجها الخلايا السرطانية لتحقيق النمو والتضاعف الغير متحكم فيه.

عملية تَولُّد الأوعية الدموية في حالة السرطان هي نسخة سيئة مشوهة للعملية التي تحدث في الحالة الطبيعية. فالأوعية الدموية تكون ملتفة ومتفرعة بشكل مبالغ فيه. وتكون مشوهة وضخمة في الحجم، مع وجود جروح وتسرب للدم منها. لذلك تكون الأورام مشوهة ودموية. فعملية تَولُّد الأوعية الدموية في حالة السرطان هي عملية انحراف في العملية الخلوية الطبيعية. وهذا الانحراف مكون أساسي لعملية تطور السرطان وسمة مميزة له.

___________________________________________

ترجمة: أبانوب ادوارد

مراجعة علمية: Mohamed Gadallah

مراجعة لغوية: أماني الشباسي

#الباحثون_المصريون

 

المصدر:

Samarasinghe B, Samarasinghe B. Hallmarks of Cancer 5: Sustained Angiogenesis [Internet]. Scientific American Blog Network. [cited 2017 Sep 12]. Available from: https://blogs.scientificamerican.com/guest-blog/the-hallmarks-of-cancer-5-sustained-angiogenesis/

 

مصدر الصورة:

https://www.mdrnyu.org/fall-2015-eat-to-defeat-cancer-angiogenesis-and-the-promise-it-carries/

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي