فرناندو بيسوا.. التائه في ذاته

فرناندو بيسوا.. التائه في ذاته

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
 

«إن وجود أفعال ووقائع منغلقة حول الله أو العالم ترعبني، كون الجزء الأكبر من الأشياء التي تنفتح يتوجب إغلاقها، كون الناس ينبغي أن يكونوا سعداء! أن يجدوا حلًا للشرِّ الذي يؤلم المجتمع، مجرد فكرة بسيطة عن هذا كله تجنني، وبرغم ذلك فأنا لست شريرًا ولا قاسيًا. أنا مجنونٌ حنونٌ عسيرٌ على الفهم.

أنا ظلّي نفسي ذاتها، أبحث عن الظل أحيانًا.. أتوقف عند حافة نفسي وأتساءل ما إذا كنت مجنونًا أو أنني سرٌّ موغلٌ في السرية.

 حتى ما قمت به من أفعال كان مُوجهًّا دائما نحو الداخل.. لم ألمس الحياة قط.. لقد قدت معسكرات كبيرة. ربحت معارك كبرى، استمتعت بهزائم كبرى؛ كل ذلك بداخلي.

لم أعرف قط الحب كيف يكون.. عرفت فحسْب كيف يكون الحلم بالحب»

كانت تلك أول كلمات أصطدم بها لفرناندو بيسوا، داهمتني على حين غفلة بينما كنت أتصفّح مواقع التواصل بعين نصف مفتوحة قبيل نومي، حتى وقعت عيني عليها فاتّسعت، وجدتني أعتدل في جلستي، وذهبت لأبحث عن صاحب تلك الكلمات الذي ظهر لي اسمه كاملًا في محرك البحث فور كتابة بضعة حروف من اسمه الأول، عَجِبْتُ تارّتين، تارةً لكل هذا القدرِ من الجمال الذي لم أكتشفه بعد، وتارةً لجهلي الذي خُفي عنه كل هذا القدر من الجمال الذي لم أكتشفه بعد!
استرسلت في القراءة بنهمٍ دون توقف تائهةً بين رسائله ويومياته، استدرت فلم أجد النوم الذي كان يلاحقني قبل دقائق، حتى أني لم أجد رغبتي في الإقلاع عن الكتابة التي كانت تُلّح عليّ طيلة شهورٍ مضت؛ وجدتني أقرأ وأُدوُّن ما أقرأ، وجدتني احتفط بأسماء بعضٍ من كتبه لأفتّش عنها في المكتبات، ووجدتني هُنا، أكتب عنه، علّي أدلّ أحدهم على كاتبٍ قد
يُصبح في وقتٍ قصير كاتبه المُفضَّل الجديد.. تمامًا كما حدث معي، بفضلِ: (فرناندو بيسوا – Fernando Pessoa).

"fernando pessoa"
“fernando pessoa”

فرناندوا بيسوا.. مَن هو؟

شاعرٌ، كاتبٌ وناقد أدبي، مترجمٌ وفيلسوف برتغالي، ولد في 13 يونيو عام 1888 في لشبونة، يوصف بأنه واحدٌ من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، كما أنه كتب وترجم من الإنجليزية والفرنسية، ومن أبرز مترجمي أعماله إلى العربية المترجم «المهدي أخريف».

توفي والده وهو في الخامسة من عمره، وتزوجت والدته مرة ثانية وانتقلت مع عائلتها إلى جنوب أفريقيا، حيث ارتاد بيسوا هناك مدرسة إنجليزية، وعندما كان في الثالثة عشر من عمره عاد إلى البرتغال لمدة عام، ثم عاد إليها بشكل دائم عام 1905، درس في جامعة لشبونة لفترة قصيرة، وبدأ بنشر أعماله النقدية والنثرية والشعرية بعد فترة وجيزة من عمله كمترجم إعلاني. 

بيسوا ذو السبعين نِدًّا

«ثمّة في هذا كلّه لغز محيّر يحبطني ويغمّني. منذ أيّام عانيتُ من إحساسٍ مرعب، بسبب نصٍّ مكتوبٍ قصير لي يعود إلى الماضي. أتذكّر تمامًا وسواسي البارز فيه تجاه اللغة التي تعود إلى سنوات قليلة خَلَتْ. ثم في أحد الأدراج عثرتُ على نصٍّ مكتوب لي، يعود إلى تاريخ أقدم، يبدو فيه وسواسي ذلك مُبرزًا بقوة. لم أدرك في الماضي إدراكًا إيجابيًا، كيف أمكنني أن أتطوّر لأصبح ما كنت بالفعل حينئذٍ؟ كيف عرفت ما كنت أجهله بالأمس؟ والكلّ متداخل عندي داخل متاهة أنا التائه في ذاتي فيها.

مفكّرًا أغرق في الهذيان، موقنًا بأنَّ ما أكتبه الآن قد كتبته بالفعل من قبل. أتذكر ذلك. وأسأل هذا الموجود المزهوّ فيّ أين يوجد إنْ لم يكن في أفلاطونيّة الأحاسيس ذاكرة أخرى، ذاكرة أخرى من حياةٍ سابقة تنتمي بالكاد إلى هذه الحياة.

يا إلهي.. يا إلهي. مَن أكون؟ كم من ذواتٍ أنا؟ ما هو هذا الفاصل الموجود بيني وبيني؟»

كان عام 1914 هو عام الزهو بالنسبةِ لبيسوا، ففيه نُشرت أولى قصائده، وفيه وجد بيسوا أبداله الرئيسة الثلاثة؛ فقد اشتهر بأبداله/ أنداده الأدبية، والتي يصل عددها إلى 80 شخص تقريبًا، وهؤلاء الأبدال هم شخصيات اختلقها بيسوا من وحي خياله ومنح كلًّا منها اسمه ولقبه، ليس هذا وفقط، بل وميز كلًّا منها بآرائه السياسية والفلسفية والدينية، وقام بيسوا بالكتابة والترجمة وحتى النقد الأدبي بقلمِ ولسان كلٍّ من أولئك الأبدال على حِدة، فهو لم يكن يكتب بأسماء مستعارة كما يلتبس لدى البعض، وإنما يختبئ خلف شخصية كاملة منفصلة ومنفردة بكيانها عنه، حتى وصل به الأمر أنه أسماهم أنداده لأنهم كان يتنافس معهم، وهو في واقع الأمر لا يتنافس إلا مع نفسه، وأظن كان ذلك سبب تميُّز بيسوا، فبعد أن قرأت له يمكنني القول أني عثرت على كاتبٍ كان يُحلِّق في عالمِه مُنفردًا بنفسه وليس معه سوى الشّعرِ والأدب والقليل من الحب، قضى حياته يكتشف ذاته ويفعل ما يتسق مع كونه هو، فنتج عن ذلك مجموعة أدبية ربما ليست الأكبر أو الأشهر، لكنها -في نظري- من أصدق ما كُتِبَ.

يُقال إن عدد أنداده قد بلغ في خاتمة المطاف 72 قرينًا كما يشير خبيرة ومترجم أعماله «ريتشارد زينيث»، غير إن هناك ثلاث شخصيات نديّة شعرية بارزة وهي «ألبرتو كاييرو»، و«ريكاردو ريس» و«ألفارو دي كامبوس». وهناك شخصيتان نديّتان تكتبان النثر وهما «برناردو سواريز» مؤلف «كتاب اللاطمأنينة» و«باراو دي تيفي» الذي دبّج كتاب «التربية الرواقية».

لم ينشر بيسوّا خلال حياته القصيرة سوى أربع مجموعات شعرية بالإنجليزية وكتاب واحد باللغة البرتغالية وهو «رسالة»، أما بقية الكتب الشعرية، والنثرية، والنقدية، والفلسفية فقد وزّعها على أنداده السبعين الذين قالوا كل شيء تقريبًا من دون خوف أو مراوغة.

«ما أملكه في هذه الحياة هو اهتمام محلل لأنماط الجنون. أتوقّف. أفك رموزًا ثم أواصل إلى الأمام. لا أقحم في ذلك أي عاطفة. لكن لا مبادئ لدي. اليوم أدافع عن فكرة. وغدًا عن نقيضها. ولا أؤمن بما أدافع عنه اليوم، ولن يكون لدي إيمان بما أقوله الآن. اللعب بالأفكار والمشاعر بدا لي دائمًا هو الأسمى في جماليّته، أحاول أن ألعب بهن قدر ما أستطيع».

ما تبقى لنا من بيسوا وأنداده

بعد وفاة بيسوا عُثر على حقيبة تحتوي على أكثر من 25000 مخطوطة عن موضوعات مختلفة منها الشعر، الفلسفة، والنقد وبعض الترجمات والمسرحيات، كما أنها تحتوي على خرائط لأبداله، وهي اليوم محفوظة في مكتبة لشبونة الوطنية ضمن ما يعرف بـ«أرشيف بيسوا»، وقد نُشر له: «كتاب اللاطمأنينة»، «أناشيد ريكاردو رييس»، «لست ذا شأن»، «الباب وقصص أخرى»، «قصائد ألبارو دي كامبوس»، «راعي القطيع والقصائد الأخرى»، «رباعيات»، «نشيد بحري»، «رسائل إلى الخطيبة»، «يوميات».

فيما يلي سوف نحاول عبثًا التجوّل بين إرثٍ خلَّفه لنا بيسوا، إرثٌ يَعزُّ عليّ التجوُّل فيه لما يحويه من أشياء شديدة الخصوصية لا ندري شيئًا عن رضا صاحبها بخصوصِ نشرِها، خاصةً أنها نُشِرَت بعد موته، ولا ندري شيئًا أيضًا عن مدى أحقّيتنا في قرائتها بل ونقدها، لا أخفيكم سرًا فإني أجدُ في ذلك شيئًا من (البجاحة)، تخيّل أن يأتي شخصٌ ما -لا يوجد أدنى احتمال أن يجمعكما لقاءُ- بعد ما يقرب القرن بعد رحيلك ليُبدي رأيه في يومياتك؟ أليس شيئًا مُريعًا بل ومثيرًا للاستفزاز؟ ما يسعني قوله لك عزيزي القارئ: من فضلك، قبل أن تُكمِل قراءة، تأكد جيدًا من إخفاء دفتر يومياتك!

يوميات بيسوا: مَن لا ينتهي أبدًا مما يبدأ

«دائما سعيت إلى أن أكون متفرجًا على الحياة بدون أن أتورط فيها. على هذا النحو أعاين هذا الذي يحدث كغريب باستثناء ما أستخلصه من الوقائع المبتذلة المحيطة بي من شهوانية مريرة».

اليوميات دائمًا ما تكون دالَّة على انشغالات الكاتب. لكن مع بيسوا تغدو التكهّنات مستحيلة. يكون القارئ وجهًا لوجه أمام يوميَّات بيسوا الدقيقة، التي يشعر القارئ لوهلة أنّها عادية! لكن مع التقِّدم في القراءة، تغدو الأفكار الموجودة بين طيّات الكتاب كاشفةً عن وحيٍ ما. يبرع بيسوا في الخلق، وهذا ما يبدو عليه في هذه اليوميات التي كتبها قبل بلوغه العشرين، سنٌّ مبكرة بالنسبة للبدء بكتابة ملاحظات وانطباعاتٍ غريبة. لم يُضِع شيئًا مما كتب، حتى بطاقات المجاملة وتذاكر السفر والقصاصات التي دون عليها بعض الملاحظات، كان قد خبأ هذا الكنز بإحكام في صندوق، يشبه مغارة «علي بابا»، لم يُفتح إلا بعد أكثر من ثلاثين سنةً بعد موته.

صدرت عن دار توبقال للنشر بالدار البيضاء «يوميات» الشاعر والكاتب البرتغالي فرناندو بيسوا بترجمة المهدي أخريف الذي سبق له أن ترجم «كتاب اللاطمأنينة» الذي نُشر بعد 47 عامًا من وفاة بيسوا. ظهرت اليوميات أول مرة باللغة البرتغالية عام 2007 وهي تغطي سنوات مهمة من حياة بيسوا الدراسية وانشغالاته الأدبية والفكرية خاصة في المرحلة الأولى المحصورة بين عامي 1906 – 1908، أما المرحلة الثانية الممتدة بين الأعوام 1913 – 1915، فهي مرحلة النضج العميق، والقدرة على تحليل الأحداث الشخصية والعامة، والانخراط في الحياة الثقافية، والسياسية، والفلسفية، واطلاعه بدورٍ رائد في الحداثة الأدبية البرتغالية.

«لماذا أنا تعِس إلى هذا الحد؟ لماذا أنا ما لا يجب أن أكون؟ لماذا نصفي مُعارض دائمًا لنصفي الآخر؟ ونصر أحدهما هو هزيمة الآخر. والهزيمة عذاب. وهي عذابي الدائم».

من خلال اليوميَّات المختزلة والمشذّبة، يستدلّ القارئ على ولع بيسوا بالإيجاز. كلّ شيء مرتّب لفظًا، ودال على المعنى دون زوائد لغويَّة. وهذا ما جعل بعض منظري الأدب يعتبرونه رائد الكتابة «الشذرية».

* الكتابة الشذرية: هي كتابة التفكك، والثورة على المقاييس المنطقية الصارمة، والتحلل من قواعد النسق الفلسفي المحدد، وبالتالي الاختصار بل وطرح الأسئلة أكثر من الأجوبة.

تكشف اليوميات عن التناقضات الحادة التي تنطوي عليها شخصية بيسوا المعقدة، فهو ميّال للعزلة، ويجد ضالته في القراءة والتأمل؛ فعلى الرغم من عُدّته الفلسفية وقدرته على التحليل، فإنه كان عاجزًا عن فهم شخصيته الوعرة المتشابكة الأطراف، وقد يكون الشاعر «أوكتافيو باث» هو أفضل من شخَّص بيسوا حينما قال: «إنه الكائن المجهول من لدن ذاته»، ولعل إشكالية هذه الشخصية تكمن في تعدُّديّتها الكامنة في شخصٍ واحد، قد نجد ذلك دربًا من الجنون، ولكن الإشكالية هُنا أننا نجد بيسوا على الضفّة الأخرى هادئًا لا يبدو عليه غير الرزانةِ والحُلم رغم ما تخفيه تناقضاته من شتاتٍ وتيه. 

«الحالمون بالممكن والمنطقى القريب يثيرون شفقتى أكثر من الحالمين بالبعيد والغريب. الحالمون بالكبير، هم إما مجانين يؤمنون بما يحلمون محققين بذلك سعادتهم الخاصة وإما هذيانيون بسطاء ممن يمثل الهذيان بالنسبة إليهم موسيقى روحية تهدهدهم بدون أن تقول لهم شيئًا. لكن من يحلم بالممكن لديه دومًا الإمكانية الواقعية لخيبة الأمل الحقيقية. لا يمكن أن يؤثر فىّ كثيرًا لو تخليت عن أن أكون إمبراطورًا رومانيًا، لكن يمكن أن يؤلمني عدم قدرتي على محادثة الخيّاطة التى تجتاز الزاوية اليمنى من الشارع. الحلم الذى يعدنا بالمستحيل يحرمنا منه بمجرد الاستسلام للحلم. لكن الحلم الذى يعدنا بالممكن يندرج فى الحياة الفعلية ويفوّض لها إمكانية تحقيقه، الأول يحيا منفصلًا ومستقلًا؛ الثانى خاضعًا لاحتمالات الحدث».

أوفيليا كويروز: جانية أم مجني عليها؟

«لو لم أكن أحبِّك بهذا القدر، ولو كان لديّ الوقت للتفكير في شيء آخر عدا الألم ‎ ‎الذي ‏يحلو لكِ أن تسببيه لي دون أن أكون قد استحققت ذلك؛ فأنا ‎لا أستحق ذلك إلا لأني أحبك.

أنا لا أقبل فكرة الكتابة إليكِ.

أريد أن أحدثك. أريدك دائمًا جواري حتى لا أضطر لكتابة الرسائل؛ الرسائل علامات انفصال.. نكتبها للضرورة لأننا بعيدين الواحد عن الآخر‎

ولكنك تفكرين فيّ أقل مما تفكرين في ساعي المكتب، في المشرف على ‏الحسابات.. في محاسب المكتب..

أنتِ قاسية.. قاسية.. قاسية..»

وقع بيسوا في الحب -على ما نعرف- مرةً واحدة، كانت (أوفيليا كويروز – Ophelia Queiroz) في التاسعة عشر من عمرها حين عُيّنت في نهايات عام 1919 كطابعة على الآلة الكاتبة في واحدة من الشركات التي كان بيسوا يتردد عليها للعمل على ترجمة مراسلاتها الإنجليزية والفرنسية، كان بيسوا حينها في الثانية والثلاثين من عمره، ويبدو أن أحدهما قد جذب اهتمام الآخر فورًا.

"Ofelia Queiroz 1920"
“Ofelia Queiroz”

في عام 1978 تحكي أوفيليا إعلان المشاعر الأول بينهما على النحو التالي:

ذات يوم انقطع التيار الكهربائي في الشركة، وجد فرناندو مصباحًا زيتيًا، أضاءه ووضعه فوق مكتبها. وقبل وقت الانصراف بقليل وضع خلسةً رسالة موجزة فوق مكتبها يقول فيها: «أرجو أن تبقي»، وبقيت، يملؤها الترقب، في ذلك الوقت لاحظت أوفيليا أن فرناندمهتم بها، واعترفت أنها وجدت أنه هو الآخر مثير لاهتمامها!

تذكر أوفيليا أنها كانت واقفة مرتدية معطفها، حين دخل إلى مكتبها وجلس فوق مقعدها، وضع المصباح الذي كان يحمله جانبًا، التفت إليها، وبدأ فجأة في إعلان مشاعره مثلما خاطب هاملت حبيبته -وتُدعى أوفيليا أيضًا-: «عزيزتي أوفيليا، لا أجيد عد هذه التفاعيل، وأنا لا أجيد عدّ تنهداتي والأنين. أما إنني أهواكِ يا خير الحِسان، فصدّقي!»

شعرت أوفيليا بقلقٍ بالغ، كما هو طبيعي أن يحدث، وبما أنها لم تدرِ ما تقول، انتهت من ارتداء معطفها وفي عجلة قالت وداعًا، نهض فرناندو وهو يحمل المصباح الزيتي في يده كي يرافقها إلى الباب، لكن لحظتها -وعلى غير توقع- وقع المصباح الزيتي فوق جدار، وقبض على خصرها فجأةً وبدون كلمة عانقها بمشاعر متّقدة مثل رجل مجنون!

عادت أوفيليا إلى البيت تشعر بالخجل والتشوّش، مرّت أيام وبما أن فرناندو لم يُعيد أبدًا ذِكر ما حدث بينهما فقد قررت أن تكتب إليه رسالة تطلب منه توضيحًا، هذا هو ما خرج عنه خطابهم الأول، الرد المؤرّخ بالأول من مارس 1920، وهكذا بدأ غرامهما!

الرسائل ليست طويلة ولا فلسفية كمثل رسائل جبران لمي زيادة، إلا أنها ذكّرتني -في عتابها- برسائل غسان كنفاني لغادة السمان التي كانت تتمتّع بنفس قسوة أوفيليا -على حدّ تعبير فرناندو-، ونفس توسُّل غسان، واستقبال الرسائل دون الرد عليها، ورغبة الشاعر في تسلم رسالة من الحبيبة والبحث عن خطاب منها وسط الخطابات المُهملة ثم البحث عنها والمرور أمام نافذتها ورؤيتها من بعيد لو للحظات، الأمر الغريب هو أنك تجد أكثر من رسالة بتاريخ واحد!

وتجد أحداثًا ربما تراها بسيطة للغاية ولكنها تُرسل كخطاب عاجل مع رسول. المُثير للفضول بالنسبةِ لي هو كيف استطاع فريق عمل الكتاب إحضار سبع عشرة رسالة كتبها بيسوا إلى أوفيليا، لكن لم يستطيعوا وضع حتى رسالة واحدة في كتاب الرسائل كُتِبت من طرفها له؟ نفس الشيء الذي حدث مع جبران وزيادة، كافكا وميلينا، غسان وغادة، هل قُدِّرَ لنا في أدب الرسائل أن نُحرَم دائمًا من رسائل إحداهن؟

تبادل العاشقان رسائل مختلسة، يرمي بها أحدهما على مكتب الآخر خلسةً، ويخرجان في تمشيات قصيرة بوسط لشبونة، غير إنه لا يبدو أن الأمر تعدّى أكثر من هذا. هل أحبَّ فرناندو أوفيليا حقًا؟ أم هل كان الأمر مجرد لعبة أدبية أخرى مثل لعب الأنداد؟ هل كان الأمر تجربة شعور الحب في انفصال مُحتمَل عن نفسِ الشّاعر على نحو ما كان يفعل بيسوا فيما أسماه «دراما الشخصيات»؟ أم هل الأمر ككل لا يتعدّى تجربة كتابة نوع أدبي جديد عليه وغير مألوف له كرسائل الحب؟ يصعب أن نُجيب، ولكن -من خلال الرسائل- يسهل علينا القول إن بيسوا نفر سريعًا من فكرة البيت والعائلة، نفر حتى من الحميمية بينهما.

لتُنهي أوفيليا العلاقة مُعلنةً أنها لا تقوى على الاستمرار (هكذا)، وتتهم فرناندو بأنه هو من يدفعها لذلك، صمتٌ.. صمتٌ تلاه تسع سنوات لا يعرف أحدهما عن الآخر شيئًا حتى رأت أوفيليا صورة لبيسوا (صورته الشهيرة يشرب الخمر واقفًا في بار أبيل، باره المُفضَّل).

Pessoa..

في هذا الفصل -الفصل الثاني من علاقتهما- تبدو رسائل بيسوا وقد ملؤها اللهفة كسكرانٍ أو مجنون، في الواقع لم يستمر الأمر كذلك، فنجد بيسوا مُجددًا بعد فورة الحماسة وتجدد مشاعر الحب لديه، تتجدد معها تباعًا مشاعر النفور والرغبة المُلِحَّة في الهرب. يكتب بيسوا لأوفيليا خطابات مُعبَّئة بالهذيان. استمرَّت أوفيليا في التعبير بمرارة عن عدم رضاها، واستمر معها هوسها بفرناندو وجنونه، ومن وقتٍ لآخر كانت تنغمس في وصف مُفصَّل جدًا للحياة الزوجية التي تخيّلتها لهما، وكثيرًا ما كانت تذكُر استحالة تحقُّق هذه الخيالات لما تحويها من مسؤولية يركض منها فرناندو لآخر الدنيا، وهو ما يُفسِّر بقاء بيسوا وحيدًا طيلة حياته.

أوقفت أوفيليا تيار الخطابات، لكنها واصلت إرسال تحيات عيد الميلاد إلى بيسوا كل ثالث عشر من يونيو عبر التلغراف، وبدوره كان بيسوا يرسل لها تلغرافًا في اليوم التالي مباشرةً، في الرابع عشر من يونيو، والذي يُصادف أنه يوم ميلادها. 

تزوَّجت أوفيليا في النهاية، وبقي فرناندو مع أنداده، يكتب لهم ويردّوا عليه، وحيدًا في نهاية المطاف، تارةً مُستمتعًا بكونه إياها، وتارةً لاعنًا كونه لا يجد عداها. حتى توفي في نوفمبر عام 1935. لا أحد يمكنه الجزم أن تلك النهاية كان يستحقها فرناندو أم لا، لكن بالتأكيد ما يمكننا الجزم به هو أنها اختياره، ربما عاش بيسوا وحيدًا، لكنه -على الأقل- عاش حُرًا.. إلا من نفسه.. وأنداده.

«أنا اليوم أكثر وحدة مما كنت. معزولٌ أكثر مما كنت. شيئًا فشيئًا تتفكك كل روابطي تلقائيًا. عما قريب سأبقى وحيدًا تمامًا. أسوأ آلامي يكمن في عدم قدرتي أبًدا على نسيان حضوري الميتافيزيقي في الحياة. هنا مكمن خجلي المتعالي الذي يفزع جميع حركاتي وينزع عني جميع عباراتي روح البساطة والانفعال مباشرة. بيني وبين العالم ضبابة تمنعني من رؤية الأشياء كما هي في حقيقتها، كما هي بالنسبة للآخرين.. هذا ما أحس.

سأعاني ما حييت جحيم كوني إياي، المحدودية المطلقة، الكينونة المطرودة من الكون القصيّ. سأستمر موجودًا بدون أن أكون إلهًا، ولا إنسانًا، ولا عالمًا. محض فراغ شخص.. لن أستطيع الشعور لا بالسرور ولا بالكراهية ولا بالرهبة؛ لأنني لا أمتلك القدرة على القيام بذلك. وحده الوعي المُجرَّد في جحيم كوني فراغًا.. فراغ…»