فنانات غيرن العالم الحديث

فنانات غيَّرن العالَم الحديث

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
لم يكنَّ فقط إلهامَ أنفسهنَّ، بل كُنَّ وما زلنَّ مصدرَ إلهامِ العديد والعديد من الأجيال بعدهنَّ. كما لمَعت أسماؤهنَّ لمعَت أعمالهنَّ، حيث ذاع صيت الفنانات القادم ذِكرهنَّ عن جدارة واستحقاق لِما قدموه للفن والمجتمع.

فيهنَّ من عرفها أهل عصرها، وأخرى تردد اسمها عشرات السنين بعد موتها، كما فيهنَّ من احترفت فن الرسم وأخريات احترفنَّ الكتابة والصحافة والسينما والنحت أو جمعنَّ بين مجموعة فنون سويًا.

منذ القرن الثامن عشر وحتى القرن الحادي والعشرين استطعنَّ بلْوَرة العالم في وقتنا هذا. ليس فقط على الجانب الفني، لكن على الجوانب الاجتماعية والأخلاقية والسياسية.

كان لأعمالهنَّ الفنية مُتنوعةِ التأثير بالإضافة إلى حياتهنَّ الحافلة ما يكفي للتأثير على حياة كلٍ منا الآن.

يجمع هذا المقال ما يتسعه من كلمات لذِكر القليل من الفنانات باختلاف البلاد واللغات ونوع العمل الفني أو درجة شهرتهنَّ. لكن المقال وكاتبته يضمنون توفير نظرةٍ صادقةٍ على حياة ومسيرة كلٍّ من جاين أوستن، ولويس ويبر، وهانا هوخ، وروز اليوسف، وفريدا كالو، بالإضافة إلى لويز بورجوا، وانعكاسهنَّ على عالمنا الحديث.

جاين أوستن – كاتبة روائية (1775-1817)

A little information about Jane Austen! – Eagles Media Center

كتبت جاين أوستن رواياتها السِت فقط على طاولتها الصغيرة في منزل عائلتها بهامبشاير، المملكة المتحدة. مشهد أوستن أثناء كتاباتها مشهد بسيط ومنزلي لكن ثوري، تمامًا ككِتاباتها. فدخلت أوستن عالم الأدب الموصوم بعدم الأنوثة وقتها ناشرةً رواياتها تحت مُسمى “بواسطة سيدة”، بينما كتبت سيدات أخريات تحت أسماء رجال مستعارة لتفادي المشاكل[1]. لكن أوستن لم تتخلَ لا عن هويتها ولا مواضيعها كمرأة. كما عَمل أخاها هينري على استرجاع اسمها الحقيقي على رواياتها بعد مماتها ونجح[2]. لتلك الفِعلة صدى في استعادة العديد من الكاتبات اسمهنَّ على أعمالهنَّ كماري آن إيفانس من عُرِفت بـ”جورج إليوت”، بل وفي تعزيز ثقة كاتبات المستقبل لإشهار أعمالهنَّ وأسمائهنَّ لعالم الأدب وأخذهنَّ على محمل الجد[3].

كما تشغل أوستن مكانةً بارزة في العالم حيث أدَّى تطرقها إلى شتَّى المواضيع الاجتماعية بأريحية لتحسينهم تدريجيًا. فناقشت التطور الاجتماعي والأخلاقي والعلمي المطلوب وقتها خلال جميع كتاباتها. وأصرت على ضرورة العلاقات العائلية أو المنزلية لكلٍ من النساء والرجال فتصورت أن “الترابط المتبادل بين البشر ضرورة كونية” خاصةً في روايتها عقل وعاطفة[1]. وكذلك ناقشت الطبقات الاجتماعية المختلفة التي عايشتها شخصيًّا وعلاقتها بعدم توفير التعليم والاهتمام المناسب للطبقات الأقل في المجتمع. وناقشت أسس الزواج العادل والطبقية والحالة المالية وكل ما وجدته مُلهمًا لبناء عمل أدبي أفضل الذي بدوره بنى عالمًا أفضل[4]. 

لويس ويبر – كاتبة أفلام ومخرجة (1879-1939)

Pennsylvania honors Lois Weber, a Pittsburgh film pioneer who helped shape early filmmaking | Pittsburgh Post-Gazette

توغلت لويس ويبر في السينما في بدايات القرن العشرين في بنسلفانيا، الولايات المتحدة. كانت ويبر الفنانة الشاملة في صناعة السينما، فكتبت وأخرجت ومثلت في أفلامها وأيضًا أنتجت لاحقًا، لتصبح أول مرأة مالكة لشركة إنتاج سينمائي.

تحدَّت ويبر بمساعدة زوجها السينما وقتها بأفلام درامية مهمة على عكس كل الأعمال الكوميدية. تطرقت ويبر إلى قضيةٍ كالإجهاض وتنظيم النسل ومشاكلهم وقتما كانت محظورةً قانونيًّا وأخلاقيًّا في فيلمها الصامت القصير أين أطفالي؟
ناقشت أيضًا عقوبة الإعدام والعدل في الفيلم الروائي الناس ضد جون دو[5].

هل ما زالت تلك القضايا والمزيد محظورة للمداولة؟ لا، بل تعمل المجتمعات على توفير حلول تفيد الصحة والعدل والطبقات العاملة.

بخلاف جرأتها في مناقشة مواضيع اجتماعية مهمة، أظهرت ويبر موهبة تقنية فريدة في أفلامها. فكانت أحرَف مخرجة في التشويق والإثارة، ونجحت لجعل المشاهد يحبس أنفاسه ليعرف ما سيحدث تاليًا. كان فيلمها تشويق المحطة الأبرز والأول من نوعه، حيث جمعت ويبر بين ثلاث شخصيات في أماكن مختلفة بثلاثة أقسام في لقطة واحدة (كما بالصورة).

Live now: Lois Weber on Film Club with Caspar | Silent London
لويس ويبر.. المشهد المقسم من فيلم تشويق

بالإضافة إلى تركيزها على تعبيرات الثلاث شخصيات الرئيسة مع أدوات السينماتوجرافي في آنٍ واحدٍ بحرفيةٍ وغموضٍ شديدين. وكانت من أوائل من تبنوا فكرة الأفلام الناطقة التي رفعت السينما والمجتمعات كذلك لمكانةٍ أعلى. فكان فيلمها الأخير ناطقًا بالإنجليزية عام 1934 تحت عنوان الحرارة البيضاء[5].

هانا هوخ – فنانة كولاج (1889-1978)

Hannah Höch - Wikipedia

انطلق شرر فن هانا هوخ مع انطلاق الحرب العالمية الأولى، فانتقلت من دراسة الفنون التطبيقية في تُورينجن إلى برلين. وهناك بدأت مسيرتها في فن الدادا الذي يزعم بتحدي المجتمع والفن ذاته.

عُرفت هوخ لاحقًا بإحدى مؤسسي حركة الصور المركبة (photomontage) والكولاج. فأشهر أعمالها قصائص من مجلات وصحائف مدمجة مع رسومات وصور تعبر عن نفورها من الوضع السياسي ومُنع معظمعهم من العرض وقتها.[6]

فيُعرف أقوى كولاج لها بـ”قطع بسكين المطبخ” (مرفق بالصور) حيث صممته بمجموعة قصاصات لصور أحد أباطرة ألمانيا وبعض السياسيين وشعارات مقطعة ورسمة لهوخ نفسها والعديد من التفاصيل.[7]

يتميز العمل بالألوان الدالة على القِدَم مُمثِّلةً اضمحلال نظام ألمانيا. ويتميز أكثر بتنوعه وعشوائيته ممثلةً الفوضى في النظام، مما أدَّى إلى فتح باب النقد السياسي والاجتماعي للشعب الألماني.

Hannah Höch, Cut with the Kitchen Knife Dada Through the Last Weimar Beer-Belly Cultural Epoch of Germany, collage, mixed media, 1919–1920 (Nationalgalerie, Staatliche Museen, Berlin)
هانا هوخ – قطع بسكين المطبخ

تركت هوخ أثرًا مهمًا على جانب آخر غير سياسي وهو رؤيتها لمعايير الجمال والنظرة العنصرية للمرأة. فعكست في عددٍ من أعمالها رأيها في ما يجب أن تكون المرأة المعاصرة عليه: أكثر من مجرد وجه جميل. فتتحدى هوخ الفكر الاجتماعي السائد بأن المرأة وجهٌ وجسدٌ جميلان مع ملابسَ وشعرٍ مُنسَقين فقط في عملها “الفتاة الجميلة” مع المحافظة على ألوانها وعشوائيتها. فنرى وجه الفتاة مُستبدل بالكامل بمصباح، وبماذا يدل المصباح؟ الفِكر.[8]

hoch, pretty maiden, 1920
هانا هوخ – الفتاة الجميلة

روز اليوسف – ممثلة وصحافية (1897-1958)

www.dictionnaire-creatrices.com/static/uploadfo...

كان على الفتاة اللبنانية الانتقال إلى البرازيل، ولكن عند استقرار السفينة في الإسكندرية في الطريق استقرت فاطمة اليوسف نهائيًّا هناك.

عُرِفت فاطمة اليوسف بروز اليوسف الممثلة الشابة الموهوبة أولًا من خلال فرقة إسكندر فرح المسرحية.[9] انتقلت للقاهرة وتعلمت القراءة والكتابة وازدهرت موهبتها كممثلة.[10] فاستمر تنقلها من فرقة مسرحية لأخرى حتى وصلت لنجمة فرقة يوسف وهبي وعزيز عيد، ثم آخر محطاتها كممثلة في فرقة نجيب الريحاني.

الفارق في حياة روز اليوسف هو انتقالها من التمثيل للصحافة، حيث أسست أول مجلة فنية عادلة من وجهة نظرها لتصدير الصورة الصحيحة للوسط الفني وتصدير نقدٍ نزيهٍ ودقيق.[9] نجحت المجلة فتطورت لصحيفة شاملة ليست فقط فنية، فناقشت التمثيل والأدب والاقتصاد والأخبار وفوقهم جميعًا السياسة. السياسة عماد صحيفة روز اليوسف ونقطة قوة وتوعية للمجتمع المصري وقتها عن الملك والإنجليز والحكومات المتعاقبة. وفرت الصحيفة للشعب مجموعةً من الآراء السياسية لعددٍ عظيمٍ من المُفكرين، مما كلَّف روز اليوسف الصمود أمام مُساءلات واعتقالات الحكومة لتحافظ على الجريدة ليومنا هذا حتى بعد مماتها.[9]

فريدا كالو – رسامة (1907-1954)

Frida Kahlo

روت بفنها الفريد قصة حياتها وحبها وآلامها وحالتها النفسية وتاريخ المكسيك والشيوعية. قابلت كالو معاناتها مع الصِحة والخيانة والغُربة غالبًا برسوماتها الشخصية.[11] فتحررت كالو من القيود وواجهت كل ما يدور في جسدها وعقلها وحياتها الشخصية والسياسية خلال رسمها لنفسها في حالات متعددة.[11] فمثلًا عبَّرت عن ألم طلاقها من زوجها في “الفريداتان”، بينما عبَّرت عن حبها للمكسيك في “على الحد بين  المكسيك والولايات المتحدة” (مرفق بالصور).

ألهمت كالو الأجيال بعدها في التعبير عن الذات ونصرِها بلا تخّوف، فكسرت حواجز معايير الجمال في الشَكل والثوب والفِكر بتحررها.[12] كما ألهمت في نصرة الوطن والحق، فتَسمَّت باسمها إحدى مؤسِسات فتيات الجوريلا (Guerrilla Girls) أقوى ناصرات الفنانات في المجتمع الأمريكي.

The Two Fridas, 1939 by Frida Kahlo
فريدا كالو- الفريداتان

Frida Kahlo Self Portrait on The Borderline Between Mexico And The United States painting - Self Portrait on The Borderline Between Mexico And The United States
فريدا كالو – على الحد بين المكسيك والولايات المتحدة

لويز بورجوا – نحَّاتة (1911-2010)

Louise Bourgeois - To Unravel a Torment - Voorlinden

ربما لم تكن دراسة الرياضيات في السوربون مُرضيةً كفاية، فانتقلت بورجوا من باريس لنيويورك تابعةً شغفها في الفن. بدأت بورجوا فنها ببعض الرسومات لكن ما ميزها فعلًا هو النحت.[13]

أطلقت سراح كل صدمات طفولتها النفسية على هيئة طاقة فنية، مما أدى إلى وصف بعض أعمالها بالعنف والبؤس.

كان النحت طريقها لاستكشاف نفسها والتعبير عنها، فنجد الحزن والجمال والفكر والعاطفة والخوف في آن واحد.[14] أحد تلك الاستكشافات كان منحوتة “دراسة الطبيعة” البرونزية الحلزونية تترك انطباعات متنوعة، فمن أول نظرة تراها كعاصفة وعن كثب جسد مرأة ثم عن كثب يد إنسان أو جذور شجرة بكل دلالاتهم (انظر الصورة).

Nature Study
لويز بورجوا – دراسة الطبيعة

كانت نقطة تحقيق الذات الحقيقية لبورجوا منحوتتها عنكبوت، حيث نحتت تمثالًا عملاقًا على شكل عنكبوت واقفًا على أرجله جميعًا كالإنسان في شكلٍ مُهيب (انظر الصورة).

تمثَّل اهتمام بورجوا أخيرًا في التعبير عن والدتها المتوفاة. فيعبر العنكبوت عن والدتها، لأن العنكبوت يهاجم ويحمي كذلك الأم، ولأن العنكبوت ينسج خيوطه تمامًا كما عملت أمها في صناعة وتجارة المنسوجات.[14] حجز التمثال لاحقًا مكانًا لبورجوا كالمرأة الوحيدة في قائمة أغلى المنحوتات في العالم.[15] فبالنسبة لبورجوا وللعديد من بعدِها، العمل الأكثر شخصية الأكثر صدقًا وجمالًا.

Louise Bourgeois spider
لويز بورجوا – عنكبوت

خاتمة

كان الفن طريق التعبير عن النفس والهوية لكلٍّ من الفنانات السابق ذكرهم. منهنَّ من أخذت الفن كوظيفة، ومنهنَّ من أخذته كعلاج، أو منصة لإعلان الرأي. فلم تخب محاولات كلٍّ منهنَّ باختلاف جنسياتهنَّ وظروفهنَّ وأهدافهنَّ بالإضافة إلى تنوع نوع الفن نفسه. حققت المجموعة المُختارة من الفنانات أثرًا وإلهامًا جديرين بالذكر على عالمنا الحديث. فليس الفنُ نشاطًا منعزلًا عن الواقع، الفن يشارك في صُنع وتغيير الواقع. وكلمات بورجوا [16] خيرُ خاتمة لهذا المقال:

الفن ضمانُ الرشدِ

فريق الإعداد

إعداد: مريم ناصر
مراجعة علمية: Doaa Talaat
تدقيق لغوي: محمد الجوهري
تحرير: محمد الجوهري