تاريخ فن النحت في الحضارة المصريَّة القديمة

تاريخ فن النحت في الحضارة المصريَّة القديمة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
استطاع الفنُّ المصريّ القديم وخاصةً فنُ النحت أن يُسهم إسهامًا كبيرًا في الارتقاء بالحضارة المصريّة القديمة إلى هذه المكانة التي وُضعت بها، وإبداعاتُ المصريين القدماء تشهد على قدرتهم الإبداعية في تطويع أصعبِ الخامات على سطح الأرض، وتجسيدها في تماثيلَ تتميزُ بالنسب التشريحيّة السليمة والجماليّة والانسيابيّة التي تُظهر ليس فقط الدقة والكمال بل وأيضًا الأسلوب الخاص والمنفرد تمامًا.

كانَ الفنُ المصريُّ القديم فنًا عقائديًا من الدرجة الأولى ولم يكن بمفهوم الفنِّ الذي نعرفه الآن، فقد شكّلت التماثيل في الفن المصريّ القديم رمزًا من رموز الخلود مما جعلهم يُسرفون في نحتِ تلك التماثيل في مقابرهم ومعابدهم لتقمصها أرواحهم الخالدة عندما تهبط من عالمها السماويّ.

لقد سلك النحت المصري مسلكين: أحدهما فنُّ نحت تماثيل الآلهة والملوك وهو الفن الرسميّ، والآخر تماثيل الأفراد وعُرف بالفن الشعبيّ.

فالفنُّ الرسميّ لا مكانَ فيه لجموح الخيال أو تصوير الملوك والآلهة بصورةٍ لا تليق بهيبتهم؛ ولذلك فقد انطلق الفنان ليصورهم في أكمل وضعٍ وأبهى صورة حيثُ القوامُ المتناسق والمشدود هما السمة الأساسيّة في معظم -إن لم تكن كل- تماثيل الملوك في مصرَ القديمة.

أما الأسلوبُ الآخر الذي يتصل بالطبقة الخاصة بعامةِ الشعب فظهرت حرية أكبر في نحت التماثيل؛ حيثُ ظهرت بصورةٍ أكثرَ واقعيّة، فظهرت عيوب الجسم مثل: ترهل البطن، أو انحناء الظهر وغيرها، وبالتالي من خلال الأسلوبين نستطيع التعرف على الشخص صاحب التمثال ومكانته الاجتماعيّة. [1]

سمات النحت المصريّ القديم

تتسم تماثيلُ الملوكِ المصريين القدماء بنوعٍ من التجريد في خصوصية الخطوط الخارجيّة المحددَة لكتل وهيئات التماثيل. ذلك أنّ خطوطها هندسيّة الطابع وحادةٌ وصلبة، وتفتقرُ إلى انحناءاتِ وليونةِ الخطوط الواقعيّة، كُتلة التمثال تُشبه إلى حدٍ بعيدِ الشكل المكعب حيثُ نرى قدرتها على مقاومةِ العواملِ الجويّة والبيئيّة المختلفة، فالسطوحُ مشدودةٌ عريضة دونَ اللجوءِ إلى التفاصيلِ الدقيقة، أو الخروج بأجزاءِ الجسم عن الكتلة العامة للتمثال ممَّا يُعطيها تلك القدرة على المقاومة، وقدْ راعى الفنانُ المصريُّ عدمَ تفريغِ كتلة التمثال وجعله متماسكًَا ليُقاوم عوامل الزمن لِما في ذلك من بُعدٍ عقائديّ؛ فالتمثالًُ يجب أن يظلَ صامدًا من أجل أنْ تستطيع الروح التعرُّف على صاحبها والحلول فيه في الحياة الأخرى. [2]

كانت تماثيلُ الملوك والآلهة تتميّز باستقامة الهيئة، والجذوع منتصبة دائمًا في الوقوف والجلوس أيضًا كما وُجهت أبصارهم إلى الأمام في اتجاهٍ مستقيم، ونُحتَت الرؤوس على استقامةٍ كاملة لا تلتفت يمينًا ولا يسارًا، وظهرت في تماثيلهم مظاهرُ الهدوءِ والوقار. كان النحاتون المصريّون يستخدمون أقسى أنواع الحجارةِ الصلبة، كالجرانيت، والديوريت، والبازلت، من أجلِ صُنع تماثيلٍ قادرة على مقاومةِ الزمن ولذلك كانوا يواجهون صعوبة في تطويع هذه المواد، ولكي يتجنبوا كسر التمثال أو تشويهه كانوا يجعلونه خاليًا من الفراغات حيثُ تلتصق الذراع بالجسم ولا يظهر الفراغ بينهما، وكذلك لا يظهر الفراغ بين الساقين، ولكي يتجنبوا كسر العنق فقد أسدلوا شَعر التمثال إلى الكتفين أو إلى مقدمة الصدر، وفي التماثيل الجالسة كانوا يضعون خلفَ التمثال عمودًا يستند إليه فيزيده متانةً وصلابة، ويحميه من الكسر.

كانت أزياء التماثيل المصريّة القديمة تتمثل في غطاءٍ بسيطٍ للرأس قوامه قطعةٌ من القماش متدليّة على الكتفين والصدر وتميّزت خطوطها بالحدة الهندسيّة، أما لباسُ الجسم فكان عبارةَ عن وزرةٍ صغيرة تتألف من ثلاثِ قطعٍ مع حزامٍ عريضٍ ملفوف حول الخصر. [3]

وضعيّات التماثيل في مصرَ القديمة

تنوعت وضعيات التماثيل في مصر القديمة حيثُ اتسمت أغلبُ تماثيل الملوك بوضعيّتين: وضعُ الوقوف، ووضعُ الجلوس على كرسيّ العرش، في وضعِ الوقوف كان الرأسُ عموديًا على الكتفين أما اليدين فتظهران مبسوطتين بموازاة الجسم باستقرارٍ كامل وتقدمت القدم اليسرى على اليمنى، أما وضعية الجلوس فتبسط اليدين على الرجلين وتثبت القدمين، وفي بعضِ التماثيل تظهر اليدين ممسكةً بصولجان الحكم أو تمسك إحدى اليدين بالعصا المعقوفة والأخرى بالمنشة، وهناك أيضًا وضعيّة الركوع وقد ظهرت في تماثيل للملكة (حتشبسوت).

أمّا في التماثيل غيرِ الملكيّة فظهرت أوضاع الجلوس كوضعيّة التربع كما في تمثال (الكاتب) الموجود في المتحف المصريّ، وقد حرصَ العديدُ من عليّة القوم على تصوير أنفسهم في جلسة القارئ أو الكاتب وأيضًا وضعية الوقوف مع تقديم القدم اليسرى على اليمنى، وظهرت تماثيل لأشخاصٍ عابدة وراكعة وأخرى منشغلة في الأعمال المنزلية حيثُ كان تنوع الأوضاع في تماثيل الأفراد أكثرَ بكثيرٍ من تماثيل الملوك. [4]

وظهرت أيضًا التماثيل العائليّة في تماثيل الملوك وعامة الشعب، ومن أشهرهم تمثال: (عائلة القزم سنب وأسرته)، حيثُ استطاع النحات المصريُّ القديم أن يُعبِّر عن العلاقة الأسريّة وذلك من خلال وضع الزوجة التي تطوق الزوج بذراعها ووضع الابن والابنة أمامهما بدلًا من الأرجل وبالتالي جعلَ العمل في حالةٍ من الاستقرار والاتزان.

 

في النهاية، فقد كان اهتمامُ النحات المصريِّ في صنع تماثيله منذ بداية الدولة القديمة مرورًا بالحديثة المحافظة على طابع السكون الإلهيّ، والاتزان، والهدوء فلم يكن يهمه السطح الأماميّ أو المستويات الجانبيّة بل كان شُغله الشاغل أنْ يلفت نظرَ المتأمل إلى الأعماق في التماثيل التي تحمل القوى الروحيّة المرتبطة بالتمثال كفكرة، فالمشاهد يكون متأثرًا بالأعماق غيرَ مشتتٍ بالعناصر الشكليّة الخارجيّة وكان هذا نتيجة للتأثير العقائديّ عند الفنان المصريِّ القديم. [5]