«قرية ظالمة».. ضمير الفرد بوصلة النجاة الوحيدة

«قرية ظالمة».. ضمير الفرد بوصلة النجاة الوحيدة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
في رواية «قرية ظالمة» نغوص في أعماق النفوس البشرية التي حضرت الأيام الأخيرة قبل صلب المسيح، حيث ينتقل بنا الكاتب إلى أورشليم قبل ألفي عام ليحاول من خلال واقعة صلب المسيح فهم طبيعة النفس البشرية وكيف تقدم الجماعات على فعل الجرائم الكبرى وما الذي يمكنه أن يمنع حدوث هذه الجرائم، وتنقسم الرواية إلى ثلاثة أقسام حيث تُروى في القسم الأول من جانب مسؤولي بني إسرائيل، ثم ننتقل بعدها إلى الحواريين من أصحاب المسيح، وتُختتم بجزء خاص بالرومان. ويقف النقاد موقفًا متفاوتًا من الرواية، فرغم التأكيد من قبل الجميع -تقريبًا- على أهمية الرواية ومكانتها الرفيعة بين الروايات العربية. فنجدهم يختلفون في أسلوبها الكتابي والسردي، حيثُ تتسم الرواية في بعض أجزائها بكونها استرسالًا في شرح فلسفة الكاتب ورؤيته للحياة مباشرة، وهو ما لا يتفق مع كثير من قواعد الكتابة الروائية والقصصية المعتادة.

وبعيدًا عن تصنيف النقاد نعود مجددًا لنظرة الرواية للجريمة والظلم والضمير البشري، فقرية ظالمة تجسد أن النجاة لها طريق وحيد وهو ضمير الفرد لا غير.

صاحب «قرية ظالمة»

«قرية ظالمة».. ضمير الفرد بوصلة النجاة الوحيدة
دكتور محمد كامل حسين

د.محمد كامل حسين هو طبيب أديب أخذت اللغة العربية بمجامع أفكاره، وخلبت لبّه فأتقنها حتى صار في براعتها كبراعته في الطب. ومحمـد كامل حسين هو المصري الوحيد الذي جمع بين جائزتي الدولة التقديرية في مجالي العلوم والآداب، وكان فيلسوفًا تلمس أفكاره الكونية وتجلياته وتأملاته في عمله منذ الصفحة الأولى. ولد في عام 1901 ونبغ في الطب ويعد رائدًا لطب العظام في مصر، لكنه لم يتوقف عند نبوغه العلمي بل خاض في الأدب فترك إرثًا قيمًا منه، فله إلى جانب رواية قرية ظالمة: رواية الوادي المقدس، ورواية قوم لا يتطهرون، وكتاب وحدة المعرفة. جاءت جائزته التقديرية الأولى في الأدب في عام 1957 عن رواية «قرية ظالمة»، ثم بعد ما يقرب من عشر سنوات حصل على جائزة الدولة التقديرية الثانية له وكانت في مجال العلوم. (1)

أحداث رواية قرية ظالمة

«قرية ظالمة».. ضمير الفرد بوصلة النجاة الوحيدة
رواية «قرية ظالمة» issuu.com

تبدأ الرواية بمستهل من الراوي يحدثنا فيه عن يوم واقعة صلب المسيح يصف فيه الظلم الذي اعترى البشرية بارتكابها إثمها العظيم في حقها وحق الضمير ومن البداية يُلقي الكاتب بثقل فلسفته ورؤاه على القارئ حين يجيء في حديثه هذا القول:

«في ذلك اليوم أراد الناس أن يقتلوا ضميرهم… ولن يصيب الناس شر إلا أن يكون مرجعه ما يعتريهم من رغبة في تجاهل أوامر الضمير.»

ومن ثم ننتقل إلى حكايات على ألسنة القوم الذين عاشوا في عصر المسيح، ويُفتتح الفصل الأول بسردٍ من منظور شخصيات بني إسرائيل، منهم رجل الاتهام والمفتي وحاكم بني إسرائيل. في هذا الفصل نلمس صراعًا بين ما تقرّه عقول الشخصيات وشرائعهم، وبين صوت الضمير الذي يطغى في بعض الأحيان على ما يرونه من حكم.

يتضح ذلك الالتباس أشد ما يتضح في القول على لسان قيافا حاكم بني إسرائيل عن نظرته للحكم بصلب المسيح الذي ائتمر عليه القوم:

«لم يعرف قيافا في حياته أمرًا حار فيه كما حار في هذا الحكم الذي أصدره قومه بعد بحث دقيق وجدل طويل وكان من قبل يذهب إلى أن الحق أمر طبيعي واضح… أما اليوم فقد ظهر له أن إخلاصه وعقله وحكمته لم يسعفوه.»

ومن بعدها نذهب إلى دار الندوة حيث يتشاور بنو إسرائيل للمرة الأخيرة في حكمهم على المسيح، وفيها تخرج أصوات تحاول إرجاع القوم عن حكمهم، لكن جماعة بني إسرائيل في نشوتها تطالب بالحكم الظالم فلا تستمع إلا إلى صوت غرائز الانتقام واندفاع العدوانية، ويتكالبون لتنفيذ أبشع جرائم الإنسانية.

ويسرد لنا الكاتب في الفصل الثاني موقف الحواريين من أصحاب المسيح، حيث تشتتهم في الاجتماع على رأي وحيد، وحيرة أتباع المسيح بين ما فهموه من تعاليم النبي وبين شعورهم بالظلم الواقع عليه وعجزهم عن مساندته، ويختلف الحواريون في الرأي ويعرض الكاتب ذلك الاختلاف في شكل حوارات بين أصحاب المسيح كمثال بين اثنين من الحواريين عن ضرورة إنقاذ المسيح من الصلب:

  • إني أعارض إنقاذه إذا كان يلجئنا إلى استعمال العنف، وهو ما نهانا عنه ورأيي أن ديننا وضع لضمائرنا حدودًا وأباح لنا العمل كما تريد عقولنا على أن لا تتعدى هذه الحدود…
  • إن في هذا الرأي ضعفًا يقرب من الخيانة، وترددًا يكاد يكون غباء. أليس في نصرته نصر للدين؟ فما إحجامك عن نصرته باسم الدين.
«قرية ظالمة».. ضمير الفرد بوصلة النجاة الوحيدة
«قرية ظالمة» magrabi.wordpress.com

وهكذا تمضي النقاشات المطروحة في الرواية حتى يقرر الحواريون الإحجام عن أي فعل لإيقاف صلب المسيح.

ثم نمضي من بعد الحواريين إلى رؤية الرومان، وفي هذا الفصل نرى موقف أصحاب المنطق والفضائل الحسية في دعوة المسيح وكذلك صلبه، ونشهد التباسًا واضحًا في موقفهم، فبعد يقين ببطلان الدعوة يأتي الشك وينخر الريب في النفوس من ظلم الحكم وغمام الحقيقة. 

ثم ينتقل بنا الكاتب إلى جبل كالفاري حيث واقعة الصلب، في فصل تحت عنوان «ثم أظلمت الدنيا» ويسرد الكاتب حال الناس والأجواء المحيطة بالحادثة ولا يطيل كثيرًا في هذا الفصل ليأخذنا إلى كلام أحد الحكماء المؤمنين بالمسيح حين يُذَكِّر أتباعه بموعظة الجبل والتي نطالعها في الرواية ممزوجة برؤية الكاتب في محاولة لالتماس الطريق الصحيح لاجتناب الضلال.

الدين وحيدًا لا يهدي للحقيقة

إن من يعبد الدين نفسه عبادة تحمله على أن يتخطى حدود الضمير فيؤذي الناس في حماية الدين يكون قد أشرك بالله

بين جماعة بني إسرائيل وأصحاب المسيح نرى الحقيقة تتأرجح ذهابًا وإيابًا أمامهم، فبنو إسرائيل الذين اندفعوا في تكفير دعوة المسيح كانوا مدفوعين في أفعالهم بإيمانهم الشديد، هذا الإيمان الذي أغلق ضمائرهم وسد كافة منافذه، فصاروا يتبعون إيمانًا أجوفًا خاليًا من المعنى الحقيقي له المتمثل في الهداية. فالدين وحيدًا دون ضمير لا يهدي للحقيقة بل يصل بصاحبه إلى الضلال، ولعل ذاك القول عن لسان قيافا حاكم بني إسرائيل ما يعبر عن هذه الحالة:

«فقد ثقته بالحق والعدل وبالدين وتعاليمه، فهي لم تهده إلى الصواب في هذا الأمر الذي غمّ عليه، أصبح يعتقد أن هداية الدين إنما تكون هداية عامة لا تنصب على موقف بعينه.»

الحواريون أيضًا غمّ عليهم الرأي الصائب والفعل السديد فرغم قوة إيمانهم وعمق محبتهم للمسيح وتشبع أرواحهم بتعاليمه، فقد اختلفوا ساعة تقرير الفعل المناسب ضد الحكم على المسيح، وهنا تتجلى مجددًا رؤية الكاتب للضمير الذي يفوق في سلطته الإيمان الديني فيكون هو السبيل الوحيد لالتماس الحق وبيان الحقيقة.

وقبل نهاية الفصل الثاني بقليل يترك لنا الكاتب تساؤلًا يمثل رؤيته عن الإيمان بقوله عن بني إسرائيل والحواريين:

«وإذا كان هؤلاء وهؤلاء أخطأوا وضلوا فماذا يستطيع الإنسان أن يعمل إذا أراد أن يجتنب الضلال ما دام يصدر في أعماله عن العقل الإنساني وحده.»

الجماعة لا ضمير لها

الجماعة أقدر على الاندفاع منها على التعقل وأقدر على التمادي في الباطل منها على الرجوع إلى الحق

في سعيه للتأكيد على أهمية الضمير الفردي ينفي الكاتب خلال كافة الفصول وجود ضمير للجماعة، فالرأي الصادر عن الجماعة غالبًا ما يُغيب الضمير الفردي، والذي -كما يظهر لنا في الرواية- يعد الوسيلة الوحيدة للاهتداء للحق والبصيرة، فالتفاف الجماعة حول رأي واتفاقهم على فعل لا يضمن صحته، بل  تسهم الجماعات في ارتكاب الجرائم واجتناب الأفعال النبيلة. هكذا يمضي الكاتب في قوله عن حادثة صلب المسيح:

«ولم تتم هذه الجريمة إلا لأنها وزعت على عدد كبير من الناس، حتى لم يعد أحد يرى نفسه مسئولًا عنها.»

 فالجماعة لا تهدي للحق ولا تصل للخير إلا إذا استقام كل فرد فيها بنفسه، وأصبح ضميره مصباحه الذي ينير له الطريق كما تسوغ لنا الرواية أسباب تردد الجماعة في الإقدام على الخير بالقول:

«الجماعة تقدم على الخير في صعوبة لأن كل فرد منها يؤثر أن ينسب إليه الفضل.»

الضمير طريق النجاة

«قرية ظالمة».. ضمير الفرد بوصلة النجاة الوحيدة
رواية «قرية ظالمة» twitter.com

الواقع أن الإنسان حيوان خلقه الله من تراب ثم نفخ فيه ما جعله إنسانًا، ولم يكن هذا النفخ فيه إلا الضمير وهو من الله، وهو ما يميزنا عن الحيوان وهو من طبيعة خلقنا لا يكون الإنسان إنسانًا بدونه

كان الضمير الفردي لدى كل شخص في الرواية هو ما يؤرقه حيال حادثة الصلب، فحتى الرومان ممن لم يؤمنوا بدعوة المسيح أو الدين السماوي كان يوجههم ضميرهم لفداحة الفعل المُرتَكَب في حقه. فهذا إحساس بيلاتوس -حاكم إقليم أورشليم- يوم حادثة الصلب:

«وكان في ذلك اليوم مرهق النفس بعد أن حمله بنو إسرائيل على أن يستجيب إلى ما طلبوه من قتل رجل لا يعلم عنه إلا خيرًا وكان يعلم أنهم مخطئون وأنه مخطئ.»

وعلماء بنو إسرائيل الذين أقروا حكم الصلب حين تُركوا لضميرهم الفردي كادوا يتراجعون عن قرارهم، فهو صوت الحق الواضح لدى كل شخص. فالنجاة من جريمة صلب المسيح كان يمكن التماسها فقط لو أطاع كل فرد ضميره الخاص، ولم يترك العنان لفهمه للدين حتى يُخْرِس ضميره أو ينساق لرأي الجماعة التي تتسم بالاندفاع والغرائز غير المروضة، أو لعقل يقف عاجزًا عن إدراك الحق حين يكون أعلى منه. ولهذا في خاتمة الرواية يقول الكاتب:

«طبيعة العقل أن يكون دليلًا هاديًا وطبيعة الضمير أن يكون رادعًا ونذيرًا ولو بقي كل منهما على طبيعته لعم خيرهما، أما أن يكون الضمير هاديًا والعقل رادعًا فهو خروج عن طبيعة كل منهما.»

«فوحده ضمير الفرد هو ما يمنع ارتكاب الجرائم، فإذا غُيب دوره انتظرنا من الإنسانية مختلف الأفعال القاسية والمروعة.» (2)

خاتمة

قد يختلف النقاد في رواية قرية ظالمة من ناحية السرد الذي لا يتفق مع قواعد الكتابة الروائية المتعارف عليها، لكن الاتفاق في كونها رواية تحمل داخلها قدر كبير من الأفكار وتطرح تساؤلات صالحة لكل عصر، وتعود بنا إلى حدث لم يتناوله كثيرون في المكتبة العربية وهي الأيام الأخيرة قبل صلب المسيح. وفي كل قراءة للرواية نكتشف معانٍ جديدة تزيد من تساؤلات القارئ عن الطبيعة الإنسانية.