تاريخ صراع الهند وباكستان في كشمير

تاريخ صراع الهند وباكستان في كشمير

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
لطالما كانت «كشمير» أو «وادي كشمير» -كما عرفت قديمًا- مسرحًا للصراع بوجوهه المختلفة، نظرًا لما شهدته من صراع ديني وسياسي وحتى استعماري. فقد تشابك تاريخها عبر القرون مع تاريخ شبه القارة الهندية ومحيطها بما فيها مناطق آسيا الوسطى، وجنوب آسيا، وشرق آسيا، ما جعلها محل جدل ودراسة حتى الآن.

«كشمير»

تقع كشمير في شمال غرب الهند وشمال شرق باكستان، وقد كان هذا الاسم يُطْلَق قديمًا على الوادي الواقع بين جبال «الهيمالايا» وجبال «بير بنجال»، لكنها أصبحت تشير عبر التاريخ أيضًا إلى مناطق تابعة للهند مثل «دالاخ»، وغيرها التابع لباكستان مثل «أزاد كشمير»، إلى جانب بعض المناطق التابعة للصين مثل «أكساي تشين».

لطالما عُرفت «كَشْمِير» بجمال طبيعتها الأخاذ حتى أن بعض المؤرخين وصفها بـ«جنة الأرض»، نظرًا لما تحويه من بحيرات وجبال ثلجية وغيرها، لكن موقعها الجغرافي جعلها ساحةً حربٍ ونزاع دائم من مختلف الأطراف.[3]

الأديان في كشمير

بدأ دخول الإسلام لكشمير في القرن السادس الميلادي (الأول الهجري) بقيادة الفاتح الأموي (محمد بن القاسم الثقفي)، الذي كان أول من أدخل الإسلام للقارة الهندية وبلاد السند، وكانت كشمير في ذلك الوقت خاضعة للحكم الهندوسيّ والبوذيّ شأنها شأن البلاد الآسيوية في ذلك الوقت. لكن الإسلام مُذْ حينها استمر في التوغل والانتشار عن طريق الدعاة تارة والرحالة والتجار تارة، حتى تمكن منها تمامًا بحلول القرن الخامس عشر الميلادي. وعندما سيطر المغول الإسلاميون على كشمير تحول أغلب سكانها إلى الإسلام ودُمجت في الإمبراطورية المغولية.[1]

على أن الإمبراطورية المغولية كانت تؤمن بالتعددية، فعاش الهندوس والمسلمون معًا تحت ظل الإمبراطورية المغولية حتى ظهرت ديانة السيخ في القرن السادس عشر بإقليم «بنجاب» التابع لكشمير في ذلك الوقت. الأمر الذي سمحت به الإمبراطورية في البداية لكن هذا لم يدم طويلًا، فقد بدأ عدد أتباع ديانة السيخ في الازدياد ما قوى شوكتهم كطائفة، فشرعوا بتأسيس عاصمة خاصة بهم وجمع كتابهم وغيرها من الإجراءات التي اعتبرتها الدولة مصدر تهديد، فانتهى بها الأمر بإعدام قائد الطائفة في ذلك الوقت (غورو أرجان).[1]

على أثر عملية الإعدام هذه، قرر القائد التالي تأسيس قوة عسكرية للدفاع عن ديانة السيخ وأتباعها، وبدأ السلام يعم مرة أخرى نظرًا لتكافؤ القوى، حتى أعدمت الإمبراطورية المغولية قائدًا سيخيًا آخرًا بعد عقود قليلة، ما أثار السيخ لتقوية جيشهم أكثر فأكثر، وبدأت كَشْمِير عهدًا جديدًا يحكمه السيخ. وقد تخلل هذا العهد بعض الصراعات كغزو الأفغان لكَشْمِير لكن الدولة السيخية قابلته بحزم، واستمرت الأمور على هذه الشاكلة منذ أواخر القرن السابع عشر (حوالي العام 1699م) وحتى الغزو البريطاني في القرن التاسع عشر.[1]

أمريتسار

في أوائل القرن التاسع عشر نجحت القوى الاستعمارية البريطانية في الدخول لمنطقة كَشْمِير والاستيلاء عليها بعد 27 عامًا متصلة من الحرب ضد مواطني «كشمير»-المسلمين منهم تحديدًا- لتقوم ببيعها بعد ذلك فيما عرف بصفقة (أمريتسار) التي كانت حجر أساس قضية كشمير فيما بعد حسب مؤرخين بريطانيين.[2]

تنص صفقة أمريتسار على بيع بريطانيا لمنطقة كشمير لصالح عائلة (الدواغرا) الهندوسية لمدة قرن (1846-1946) مقابل 7.5 مليون روبية أيّ ما يوازي مليون ونصف المليون دولار، ليحكم كَشْمِيرللمرة الأولى منذ دخول الإسلام إليها أقلية غير مسلمة، وقد مارست هذه العائلة أشكالًا مختلفة من الاضطهاد على المسلمين بداية من حرمانهم من حقوقهم المدنية كأداء العبادات وتولي المناصب العليا والعسكرية-إذ لم يكن هناك مسلم واحد في ثمانية وعشرين تشكيلًا حكوميًا تولوا الحكم خلال ذلك القرن- وحتى العقوبات المشددة من الإعدام والحبس المشدد حال المخالفات، إلى جانب الضرائب الباهظة والحرمان من حمل السلاح.[2]

ولم تكن كشمير وحدها من وقعت في براثن الاحتلال البريطاني، حيث كانت الهند أيضًا مستعمرة بريطانية في ذلك الوقت، ولمزيد من إحكام السيطرة على مستعمراتها قامت بريطانيا بتقسيم ذلك الجزء من شبه القارة الهندية إلى ثلاث مناطق:

  • «كَشْمِير» المحكومة بأقلية هندوسية وفقًا لصفقة أمريتسار.
  • 55% من شبه القارة تحكمه بشكل مباشر.
  • ولايات حكم ذاتي يحكم بعضها الهندوس وبعضها الآخر المسلمون تحت إشراف بريطاني.[2] 

1947 وبداية صراع الهند وباكستان على «كشمير»

بانتهاء مدة صفقة أمريتسار عام 1946 بدأ الصراع على كشمير، إذ أن كشمير بالنسبة للهند التي تحدها من الجنوب تمثل أهمية استراتيجية نظرًا لموقعها، ما يربطها بتوازن القوى بين الهند والصين، على حين تمثل أهمية جغرافية تتعلق بالأمن القومي لباكستان، حيث تنبع أنهار باكستان الثلاثة من كَشْمِير، ما سيمثل تهديدًا أمنيًا واقتصاديًا كبيرًا حال سيطرة الهند عليه.[5]

ونظرًا لأن صفقة أمريتسار لم تنص على انضمام كشمير لباكستان أو الهند كما لم تحكمها قوة خارجية بشكل مباشر، فإن انتهاء مدة الصفقة خلق صراعًا بين الأطراف الثلاث: الهند، وباكستان، وكشمير.[5]

طالب مهراجا كَشْمِير بإبقائها على حالها دون أن تنضم إلى أي من الدولتين، ولكن هذه الاضطرابات تطورت إلى صدامات مسلحة بين مسلمي كشمير والهنود الذين يرون كما قياداتهم أن كشمير جزء لا يتجزأ من الهند، انضم على أثرها رجال القبائل الباكستانية إلى صف المسلمين لمساندتهم ضد الهنود، فطلبت الحكومة الهندية تدخل الهند لدعمها بشكل رسميّ ضد المسلمين، الأمر الذي ترتب عليه انضمام القوات النظامية الباكستانية إلى جانب المسلمين، ليتحول الموقف إلى حرب بين القوات الباكستانية والهندية التي ظلت تحاول إرساء قوات نظامية لها بالأراضي الكشميرية.[6]

استمر القتال لعامٍ كامل حتى تدخلت الأمم المتحدة عام 1949 بإنشائها خط وقف إطلاق النار وفقًا لقرار مجلس الأمن، لتقسم كَشْمِير وفقًا لمعاهدة كراتشى التي وقعت عليها البلدان إلى ثلاثة أثلاث تحكم الهند منها ثلثين أيّ ما يوازي أربع أخماس الكثافة السكانية على أن يكون الثلث الباقي من نصيب باكستان.[6]

ما بعد 1949

لم يستمر هذا الاستقرار لأكثر من ثلاثة أعوام، ففي عام 1952 انتخبت الجمعية التأسيسية الإسلامية التي صوتت لصالح الانضمام للهند، واعتبرت الهند هذا التصويت بمثابة رغبة في الانضمام للهند واعترضت على إجراء أيّ استفتاء شعبي رغم جهود مجلس الأمن مع الطرفين، وأخفقت الأطراف في إجراء استفتاء لعدم وجود قاعدة مشتركة تديره. واستمر رفض المناقشات الثنائية بين البلدين حتى عام 1963 إلى أن تمت الموافقة على إجراء مفاوضات تحت ضغط أميركا وبريطانيا، لكنها آلت إلى الفشل على أي حال.[4]

وفي عام 1965 عَبَر مسلحون باكستانيون إلى خط وقف إطلاق النار، ما بدأ فترة جديدة من المناوشات الهندية الباكستانية، الأمر الذي استغلته الحكومة الهندية لتدعي أن المسلحين تجاوزوا منطقة وقف إطلاق النار إلى مناطق الحكم الهندي في كشمير، فقامت بالهجوم على منطقة «بونجاب» التابعة للحكم الباكستاني في كشمير.[2]

ولم يكتف الطرفان بهذه المناوشات، ففي عام 1971 دار صراع جديد بين الهند وباكستان حول بنغلاديش، فرغم كونها دولة مستقلة إلا أن موقعها شرق باكستان خلق لها صلة بمنطقة كشمير، ما أدى لحدوث صدام عسكري بين الطرفين انتهى بانتصار الهند وتوقيع الدولتين على اتفاقية (سيملا) بإعادة الهند لما أخذته من أراضٍ في الغرب.[2]

ولسنوات من ذلك التاريخ لم تعرف العلاقات بين الطرفين الاستقرار بمعناه الكامل، فمن وقت لآخر حتى في أوقات الرخاء- كفترة حكم الشيخ (فاروق عبد الله) لكشمير- طالما نشبت الصراعات، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: إجراء الهند لخمس تجارب نووية تحت الأرض قرب الحدود الباكستانية لترد عليها باكستان بسلسلة مشابهة من التجارب النووية.[4]

تغير الموقف قليلًا عام 2001 عندما أعلنت الهند وقف إطلاق النار لمدة ست أشهر خاض فيها البلدان عددًا من المحاورات لإصدار بيان مشترك يخدم السلام بخصوص قضية كَشْمِير، لكن المحاورات لم تبؤ بالفشل فحسب، بل زادت من حدة توتر العلاقات بين البلدين، وساهم في ذلك بعض الأحداث مثل الهجوم الإرهابي على مقر البرلمان الهنديّ في العام نفسه،  وبين هذا وذاك ظلت كشمير ممزقة بين الاشتباكات الداخلية ومشاكلها مع الهند وباكستان ومستقبل الدولة المجهول، إذ باءت المحاولات الانتخابية بالفشل أيضًا، فقد راح ضحية الجولات الانتخابية عام 2002 حوالي خمسمائة قتيل من الجانبين.[2]

طالبان

أحد العناصر التي ساهمت في العنف المتزايد حتى 2001 كانت فترة حكم الديكتاتور الباكستاني (محمد ضياء الحق) (1977-1988) الذي كان أحد أهم أسباب سيطرة الحركات الإسلامية على باكستان. فقد ارتأى (ضياء الحق) أن رعايته لقضايا الجهاديين المناهضين للسوڤيت ستجعله ينال رضا الإسلاميين الذين اعتبرهم وسيلته في ترسيخ سلطته في الوقت نفسه الذي حاز فيه على تأييد الولايات المتحدة الأمريكية فكان (ضياء الحق) قناة إيصال الأموال والأسلحة الأمريكية إلى المجاهدين.[1]

كما استغل الأموال والأسلحة أيضًا لتمويل برنامج السلاح النووي الباكستاني وتمويل الميليشيا الإسلامية التي ستعاونه في الحرب ضد الهند في كَشْمِير. ونجح (ضياء الحق) في كلا المشروعين، حيث قام بتمويل وحماية المعسكرات المسلحة في أفغانستان التي دربت المسلحين الذين استخدموا في كشمير فيما بعد. وأيد صعود فيلق إسلامي متشدد في المدارس الباكستانية وفي المناطق القبلية الباكستانية حتى تقيد نفوذ باكستان في أفغانستان وكشمير. اسم الفيلق: (طالبان).[1]

وهكذا نرى أن التداعيات السياسية والعسكرية للتاريخ الكشميري الحديث مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بصعود الإسلام الجهادي في شمال وغرب باكستان.

كشمير اليوم

رغم محاولات الطرفين مرة أخرى عام 2008 في الحفاظ على وقف إطلاق النار وزيادة الاتصالات الشعبية فيما بين البلدين، إلا أن الأعمال الإرهابية التي زامنت هذه المحاولات وبلغت أوجها عام 2010 صعبت الوصول إلى حل مشترك.[2]

في عام 2011 اتفق وزيرًا الخارجية الهنديّ والباكستانيّ على مواصلة المناقشات الهادفة إلى الأمام بهدف إيجاد حل سلمي عن طريق تضييق الخلافات وبناء التقارب وإبقاء الهند ملتزمة بحل جميع القضايا العالقة مع باكستان من خلال الحوار الثنائي دون وساطة أي طرف ثالث. منذ ذلك الوقت تزايد النشاط الاقتصادي الهندي في الجزء الذي تسيطر عليه في محاولة لربطه باقتصاديات الهند ولكسب ولاء السكان بينما لم تبذل باكستان جهدًا مماثلًا في الجزء الباكستانيّ اعتمادًا منها على كون 97% من السكان مسلمين، أي أنهم ميالون-بطبيعة الحال- لباكستان الإسلامية. لكن حتى وقتنا هذا لازالت العمليات الإرهابية تتواصل ولا يزال النزاع الباكستاني/الهندي حول «كشمير» يؤرق طريقها نحو السلام.[5]