مومياوات الإنكا: قصَّة أموات حكمت الأحياء

مومياوات الإنكا: قصَّة أموات حكمت الأحياء

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
مارست حضارة الإنكا -كسائر شعوب الأنديز القديمة الأخرى- التَّحنيط؛ كوسيلة لتكريم أسلافهم، والحفاظ على الصِّلة بين الحاضر والماضي. وقد تمَّ التَّعامل مع أهمِّ مومياوات الإنكا -بما في ذلك تلك الخاصَّة بأباطرتها- على أنَّها كائنات لا تزال حيَّة؛ إذ تُغطَّى بالمنسوجات والمجوهرات الفاخرة، ويُقدَّم لها الطَّعام والشَّراب، ويُعتنَى بها من قِبل أحفادها الأحياء.

التَّحنيط في ثقافات الأنديز القديمة

لم تكن الإنكا أوَّل حضارة أنديزيَّة تصنع المومياوات؛ ففي الواقع بدأت (شينشورور) في ممارسة التَّحنيط قبل المصريِّين القدماء بنحو 2000 عام. و(شينشورو) هم مجموعة من الصَّيادين وجامعي الثِّمار الذين عاشوا نحو 5000 عام قبل الميلاد في الجزء الشمالي ممَّا يُعرَف الآن ب(التشيلي).

وفي حين أنَّ المناخ الجبليّ الجاف بالقرب من السَّاحل حافظ بشكل طبيعي على رُفات الإنسان وغيره من الكائنات؛ نجد شينشورو  تعلَّمت إطالة هذه العمليَّة عن طريق إزالة الأعضاء الدَّاخليَّة، وتحنيط أو تجفيف الجسد، ثم إعادة تجميع الجثث، وبدأوا بتحنيط رُفات الأطفال الذين ماتوا صغارًا. لكن مع مرور الوقت، قاموا بتحنيط جثث الكبار أيضًا، بالأخصّ تلك الخاصَّة بالأفراد الأكبر سنًّا، الذين يُنظَر إليهم على أنَّهم مؤثِّرون في حياة المجتمع. كانت تلك العمليَّة شائعة بين شعوب الأنديز بحلول القرن الثَّاني عشر الميلادي، عندما أقامت الإنكا عاصمتها في (كوزكو)، في ما يُعرَف الآن بجنوب بيرو.

دور المومياوات في توسُّع الإنكا

يقول (كريستوفر هيني) -الأستاذ المساعد في تاريخ أمريكا اللاتينيَّة بجامعة ولاية بنسلفانيا-: «المومياوات المُحنَّطة من جبال الأنديز لا تشبه المومياوات المُحنَّطة من مصر؛  إذ تُوضَع مومياوات الأنديز في وضعيَّة الجنين، وملفوفة في طبقات من الجلد أو القماش»، ويضيف هيني: «بالنِّسبة إلى الإنكا -على وجه الخصوص-، كان يُعتقَد أنَّ السُّكون والصَّلابة يمنحان المومياوات قدرتها على التَّحرُّك عبر الزَّمن، والاستمرار في تشكيل حياة الأحياء».

ومع توسُّعهم الإمبراطوري بحلول منتصف القرن الخامس عشر، استخدمت الإنكا التَّحنيط -وما يمكن تسميته (صنع الأسلاف)- كلغة مشتركة للمساعدة في غزوهم وإخضاعهم لمجموعات الأنديز الأخرى. وفقًا لتقاليد الإنكا، كان إمبراطور الإنكا هو السَّليل المباشر للشَّمس؛ ممَّا جعله سلفًا لكلِّ شخص ادَّعى أنَّه تابع له. وعندما كانت الإنكا تضمُّ مجموعة إلى إمبراطوريَّتهم، كانوا يطالبون بمومياوات أسلاف تلك المجموعة، ويقدِّمون لهم القرابين، ويحضرون أقواهم إلى عاصمة الإنكا (كوزكو)؛ بغرض العبادة.

ويقول هيني: «لقد كانت خطوة قويَّة، لكنَّها أيضًا دقيقة؛ لأنَّ ما قالوا أنَّهم يفعلونه هو تكريم موتى هذه المجموعات الأخرى. فكان الإنكا قادرين على التوسُّع؛ لأنُّهم يستطيعون التُّحدث بلغة العلاقات بين الأسلاف هذه».

يحكمون من الحياة الآخرة!

ومع توسُّع الإمبراطوريَّة، نما دور أقوى لمومياوات الإنكا -المعروفة باسم (إيلابا -Illapa)- إلى ما هو أبعد من مجرَّد عبادة الأسلاف. فعندما كان يموت إمبراطور الإنكا يرِث خليفته سلطته، ولكن ليس ممتلكاته الدُّنيويَّة؛ حيث كان من المفهوم أنَّها تتبع الإمبراطور الميِّت في الحياة الآخرة، ثمَّ يعتني أفراد عائلته بجسده المُحنَّط، ممَّا يضمن له أسلوب فاخر حتى في الموت.

عندما كان يتم إخراج الـ(illapa) وتجميعها معًا، كان إمبراطور الإنكا الجديد يُظهِر أحيانًا قوَّته الخاصَّة من خلال أخذ مكانه، والجلوس مثل الحجر بين أسلافه المُحنَّطين. يؤكِّد هيني أنَّ مومياوات الإنكا القويَّة هذه لم تكن ذكور فقط؛ بل غالبًا ما كانت تُحفَظ في أزواج من الذُّكور والإناث. ومن أجل المطالبة بالسُّلطة؛ كان على الإمبراطور المُرتقَب أن يتزوَّج امرأة ذات مكانة بارزة، وأحيانًا من إحدى قريباته من الأسرة المالكة. ويضيف أنَّ فهم الإنكا وشعوب الأنديز للكون كان يعتمد على الإثنَينيَّة؛ حيث أنَّ الامبراطوريَّات تُنشَأ بواسطة قوى وقدرات كلٍّ من الذَّكر والأنثى مجتمعَين.

مصير مومياوات الإنكا بعد الفتح الإسباني

عندما وصل الغزاة الأسبان في ثلاثينيَّات القرن الخامس عشر، كانت إمبراطوريَّة الإنكا تمتدّ من ما يُعرَف الآن بشمال الإكوادور إلى وسط تشيلي، ويوضِّح هيني: «كان الإسبان مفتونين بعبادة الإنكا لأسلافهم، وقد أدركوا أنَّ هذه لم تكن مجرَّد أجساد مُحنَّطة؛ فبالنسبة للإنكا ورعاياهم كانت لا تزال تحوز قوَّة مؤثِّرة، بل ويمكن اعتبارها ما زالت حيَّة في المجتمع».

بعد نهب وتخريب بعض مقابر المومياوات، قرَّر الإسبان في النِّهاية مصادرة جميع مومياوات الإنكا عام 1559، ونُقِلت أبرز المومياوات إلى (ليما)، وخُزِّنت في مستشفى إسباني؛ حيث دُفِنت على الأرجح. وفي هذه الأثناء، بدأت قصص مومياوات الإنكا بالانتشار في جميع أنحاء العالم؛ ويرجع الفضل في ذلك إلى حدٍّ كبير إلى (غارسيلاسو دي لا فيغا) -ابن أحد الغزاة الاسبان وإحدى نبيلات الإنكا-، والذي تُرجِمت كتاباته على نطاق واسع، وأُعِيد نشرها في القرن السَّابع عشر.

التَّضحية بالأطفال

في حين أنَّ الجهود المبذولة للتَّنقيب عن المومياوات الإمبراطوريَّة لم تنجح حتى الآن؛ احتلَّت مجموعة أخرى من مومياوات الإنكا مركز الصَّدارة في العقود الأخيرة. هذه المجموعة هي عبارة عن الأشخاص -خاصَّة الأطفال- الذين قُتلوا خلال الطُّقوس على يد الإنكا، ووُضِعوا في قبور جبليَّة ليكونوا مبعوثين بين عالم الأحياء، و الـ(Apus) أو ما يُعرف بـ(آلهة الجبال).

أشهر تضحيات الأطفال هذه تشمل (خوانيتا)، وهي جثَّة مُحنَّطة بشكل طبيعي لفتاة صغيرة، اكتُشِفت على جبل أمباتو في جبال الأنديز في بيرو في عام 1995. بالإضافة إلى جثث: فتاة تبلغ من العمر 13 عامًا، واثنين أصغر سنًّا عُثِر عليهم في ضريح بالقرب من قمَّة بركان جبل لولايلاكو في الأرجنتين في عام 1999. يرجع تاريخهم إلى عصر إمبراطوريَّة الإنكا، وهم من بين أفضل المومياوات المحفوظة التي تمَّ العثور عليها من أيِّ فترة زمنيَّة في العالم.

يقول هيني: «يمكننا أن نفكِّر في قتلهم على أنَّه استعراض لقوَّة الإنكا، لكن عند موتهم أصبحوا أيضًا بعضًا من أقوى الكائنات في الإمبراطوريَّة»، وأضاف: «المفارقة هي أنَّهم الذين نجَوا عبر القرون؛ وليس الأباطرة أنفسهم».