لقاح كوفيد-19 ونقص الصفيحات المناعية

لقاح كوفيد-19 ونقص الصفيحات المناعية

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

أدت الجهود المبذولة على مستوى العالم للسيطرة على جائحة فيروس كورونا المستجد، إلى تحقيق أسرع وأشمل برامج التطعيم في التاريخ البشري. وبالرغم من فوائد اللقاح، إلا أن له بعض الآثار الجانبية بما فيها الاستجابات المناعية المضطربة. وفي أحد أعداد مجلة نيتشر الطبية اشتبه سمبسون وزملاؤه في لقاح أسترازنكا (المعتمد على الناقل الفيروسيChAdOx1) أنه يطور قلة الصفيحات المناعية (ITP) وليس لقاح فايزر. ومن المهم عند تفسير هذه النتائج ألَّا نضع في قيد الاعتبار مميزات وقيود هذه الدراسة فقط بل نضع معهم أيضًا التطبيق السريري والتوازن بين مخاطر ومكاسب اللقاح.

Credit: Roman Lacheev / Alamy Stock Photo
(Credit: Roman Lacheev / Alamy Stock Photo)

أعراض جانبية لبعض اللقاحات

لا بد من توفر بيانات قوية وصالحة كي نستنتج أن لقاحًا ما يُحدثُ خللًا معينًا. وهناك الآن دلائل مُقنعة لاعتلال الجهاز المناعي المصحوب بتخثر الدم بعد التطعيم ونقص الصفيحات المناعية فيما يُعرف بـ«متلازمة التخثر ونقص الصفائح الدموية». من المقدر أن واحدًا من كل مئة ألف شخص أو بين كل مليون شخص من ذوي الصحة الجيدة ستظهر عليه هذه المتلازمة بعد أسبوع أو ثلاثة أسابيع بعد الجرعة الأولى من لقاحات كورونا المعتمدة على الناقل الفيروسي أدينوفيروس، مثل: أسترازنكا (ChAdOx1) وجونسون آند جونسون (Ad26.COV2.S).

تشير اﻷسهم إلى صفائح دموية ضخمة في شخص مصاب بقنص الصُّفَيحات
تشير اﻷسهم إلى صفائح دموية ضخمة في شخص مصاب بقنص الصُّفَيحات
(Credit: Wikipedia)

تتسم هذه المتلازمة بتخثر الدمقد تتضمن النظام الدموي الذي يغذي أحشاء البطن وقشرة المخونقص الصفيحات المناعية (نقص الصفائح الدموية نتيجة اضطراب مناعي) والذي قد يكون شديدًا، وزيادة العرضة للجلطاتترتفعُ تركيزات دي دايمر (D-dimer) وتقل تركيزات الفيبرينوجين (Fibrinogen)، بالإضافة إلى وجود أجسام مضادة لعامل الصفائح الرابع. هذه الخصائص المستحدثة والمميزة لهذا الاضطراب إكلينيكيًّا جنبًا إلى جنبًا مع الدراسات الأولية التي تضمَّنت تكوين الفيروس لمستضدات تدعم الرأي المقترح للعلاقة بين التطعيم والاستجابة المناعية الذاتية.

في حالات أخرى لم تكن العلاقة بين التطعيم وبعض الاضطرابات المعينة واضحة تمامًا. ومن غير المؤكد خصوصًا مع اضطراب الصفائح الدموية المُسبَّب عبر أجسام مضادة مثل نقص الصفيحات المناعية (ITP) وهو ليس نادرًا جدًا في حدوثه وقد لا يكون خطيرًا، كما أنه لا يتم تشخيصه بشكل موثوق لنقص الاختبارات الخاصة به. تحرّى سمبسون وزملاؤه العلاقة بين نقص الصفيحات المناعية ولقاحي فايزر واسترازينيكا باستخدام مجموعة مراقِبة وطنية كبيرة. بدت منصة إيف 2 (EAVE II) مناسبةً جدًا للمهمة حيث اشتملت البيانات على العيادات الخارجية والمرضى المحتجزين والبيانات المعملية لما يقارب 99% من سكان اسكتلندا. أظهرت الدراسات السابقة مع قاعدة البيانات ترابطًا قاطعًا بين تلقي الجرعة الأولى من اللقاح ضد كوفيد-19 وتناقص أعداد المحتجزين داخل المستشفيات بسبب كوفيد-19.

تشخيص وعلاج نقص الصفيحات المناعية

ولكن لا يزال تشخيص نقص الصفيحات المناعية صعبًا حيث لا توجد خصائص فريدة أو محددة عندما يحدُث بعد تلقي اللقاح. بخلاف ما يحدث مع التخثر الدموي المحفز باللقاح أو نقص الصفائح الدموية، فإن تشخيص نقص الصفيحات المناعية يأتي باستبعاد باقي الأمراض. ولا يوجد اختبار أو تحليل مخصص يؤكد التشخيص، لذلك يعتمد الأطباء على استبعاد الأمراض الأخرى مما يساهم جزئيًا في شمولية التقييم. وقد تتضح تشخيصات بديلة في بعض الحالات فقط خلال المتابعة. على سبيل المثال، قامت دراسة كندية لتسجيل حالات نقص الصفحيات المناعية والتي دمجت الإدارة المركزية الخبيرة للتشخيص مع المتابعة على المدى البعيد بتقرير أنه تقريبًا واحد بين سبعة مرضى شُخصَّوا مبدئيًا بنقص الصفيحات المناعية قد شُخصوا في النهاية بمرض آخر. ومؤخرًا رُصدت أخطاء في التشخيص للأطفال.

ربما تكون الاستجابة الواضحة للطرق العلاجية الموجهة لعلاج نقص الصفيحات المناعية هي أكثر الاختبارات ثقةً واشتمالًا وتشخيصًا. وبالتالي في دراسة قواعد البيانات السابقة فإن المحققين ابتكروا خططًا بحثية لتحسين دقة التشخيص والتي اشتملت على تحليل النُظُم التشخيصية مع توثيق الخطة العلاجية الموجهة لعلاج نقص الصفيحات المناعيةمثل الكورتيكوستيرويدز (Corticosteroids) أو الجلوبيولينات المناعية عبر الوريد، بالإضافة إلى غياب النُظُم التشخيصية المتزامنة و/أو اللاحقة للأسباب الأخرى المعروفة لنقص الصفائح الدموية مثل الأمراض السرطانية أو متلازمة خلل التنسج النِّقي أو نقص الصفائح الدموية الناتج عن بعض الأدوية. حاول سمبسون وزملاؤه أن يتحققوا من استخدام خطة العلاج الموجهة لنقص الصفحيات المناعية ولكن وصولهم للإحصائيات المسجلة بالمستشفيات للتداوي كانت محدودة.

يعد تمييزُ مرض نقص الصفيحات المناعية الحديث -نتيجة للّقاح- عن تفاقم المرض غير المُشخَّصوالموجود سابقًا- بمثابة تحدٍ آخر، ويتطلب معرفة عدد الصفائح الدموية قبل تلقي اللقاح، هذه النتائج التي لم تكن متاحةً دائمًا في الدراسة الحالية. توجد هنا ثلاث نقاط مفتاحية: الأولى، عدد الصفائح الدموية للعديد من المرضى كان على قلَّته متراوحًا بين ثلاثين ألفًا وخمسين ألفًا لكل ميكرو لتر، بينما لم تظهر على المرضى أي أعراض. الثانية، الانخفاضات المؤقتة في أعداد الصفائح الدموية بعد عدوى أو تطعيم شائعة من واقع خبرتنا. الثالثة، أعداد الصفائح الدموية قبل التطعيم غير متاحة بشكل دوري مع المرضى الذين لا يُطلب منهم اهتمامٌ طبيٌ منتظم بحالتهم.

في المجمل، فكرةُ أن اللقاحات قد تُحفز حدوث نقص الصفيحات المناعية ليس جديدًا أو غير مسبوق. نقص الصفائح الدموية يظهر كثيرًا في الأطفال الذين تلقوا لقاحات حية مُضْعّفَة ضد الحصبة. يصل متوسط أقصى الانخفاضات في عدد الصفائح إلى مئة ألفِ صفيحة دموية لكل ميكرو لتر، يظهر أقصى انخفاض بعد أسبوع واحد من التطعيم، وعدد الصفائح الدموية عمومًا يعود إلى مستوى قيمته الأساسية خلال ثلاثة أسابيع.

وُجد دليلٌ غير مباشر على عدوى فيروسية عبر وجود الخلايا كبيرة النواة، مما يدعم كونه دليلًا على اعتلال تصنيع الصفائح الدموية. تُقدر الخطورة المنسوبة لنقص الصفيحات الدمويةعامةً تكون طفيفة ويُشفى منها خلال أسابيع أو شهوربأنها قد تصيب حالة واحدة لكل أربعين ألف جرعة لمتلقي لقاح الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية (MMR)، والتي تُعتبر محض زيادة بسيطة في الخطورة عن نظيرتها الملحوظة بعد العدوى الطبيعية بالفيروسات المسببة لهذه الأمراض.

كيف تسبب اللقاحات نقص الصفيحات المناعية

وفي إطار التطعيم ضد الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية، فإن المسؤول عن حدوث نقص الصفيحات المناعية هو فيروس حي حتى وإن كان مُضعفًا. ولكي تُنسب الملاحظات في الدراسة الحالية لحالات نقص الصفيحات المناعية الجديدة غير المسبوقة، لا بد من افتراض أن اللقاحات المضادة لكوفيد-19 المعتمدة على الحمض النووي الريبوزي الرسول (mRNA) مثل لقاح فايزر (BNT162b2) واللقاحات المعتمدة على الأدينوفيروس مثل لقاح أسترازنكا (ChAdOx1) أو الحِمل البروتيني الفيروسي الخاص بكليهما أحدثوا تفاعلًا مناعيًا متصالبًا (Cross-reactive) عبر التشابه الجزيئي على سبيل المثال، أو غيرت بروتينات العائل أو استحدثت إخلالًا مناعيًا أساسيًا أدى إلى ظهور أجسام مضادة موجودة مُسبقًا تتفاعل ضد الجسم.

دورة حياة الحمض النووي الريبوزي الرسول (mRNA)
دورة حياة الحمض النووي الريبوزي الرسول (mRNA)
(Credit: Wikipedia)

يبدو الأمر جديدًا نوعًا ما من وجهة النظر هذه حيث لا يظهر مرض نقص الصفيحات المناعية كمضاعفة للعديد من اللقاحات المعطلة (Killed vaccines) التي تُعطى للبالغين حيث تُقيَّم عبر الاعتماد على السجلات القومية وأسلوب دراسة الحالات والشواهد. أما من وجهة نظر أخرى، فإن العدد الهائل من متلقي اللقاح المعتمد على ناقل فيروسي جديد أو حمض نووي ريبوزي رسول قد يتحول خلال هذه الفترة القصيرة إلى خبرة سابقة ذات أهمية قاصرة.

تحديات

إسنادُ بعض الأعراض الضارة النادرة إلى تلقي اللقاح قد يزيد من التردد حيال تلقيه وهذا سيؤثر بشكل كبير على صحة المجتمع. ظاهريًا، حتى مع تلقي ثلاثين ألف إلى سبعين ألف شخص لهذين اللقاحين كجزء من التجارب الأولى، لم يكن هذا كافيًا لتحديد خطورة نقص الصفيحات المناعية دلالةً على الحاجة إلى الرصد المستمر كما هو مُثبت في الدراسة الحالية (95% مدى وثوق، 0.62 – 1.63) التي يتوقع مؤلفوها زيادةً إضافية في حالات نقص الصفيحات المناعية بقدر 1.13 لكل مئة ألف من متلقي الجرعة الأولى من لقاح أسترازنكا (ChAdOx1). تقدير التأثير الحقيقي قد يعوقه العديد من التحديات المصاحبة لتشخيص نقص الصفيحات المناعية والعددُ الضئيل من الحالات الملحوظة لحدوث نقص الصفيحات المناعية.

خلاصة البحث

إجمالًا، خَلُصَ المؤلفون بأنه لا يوجد دليل واضح على الربط بين نقص الصفيحات المناعية وتلقي الجرعة الأولى من لقاح فايزر (BNT162b2) وبأن هناك احتمالًا صغيرًا لتزايد الإصابة بنقص الصفيحات المناعية عند تلقي لقاح أسترازنكا (ChAdOx1).

في الوقت الراهن، لم يُستقر بشكلٍ كاملٍ على حدوث، أو خطورة، أو المدة الزمنية، أو الاستجابة لعلاج نقص الصفيحات المناعية بعد تلقي اللقاح مما يبرر الحاجة إلى دراسات إضافيٍّة. على الرغم من ذلك فإن خطورة حدوث نقص الصفيحات المناعية بعد تلقي لقاح كوفيد-19 أقل بكثير عن نظيرتها المصاحبة للإصابة بكوفيد-19 نفسه. ومازالت العديد من الجهود الدولية الكبيرة تتوالى لتقييم وتطوير سلامة اللقاحات.