لمن أشكو كآبتي.

لمن أشكو كآبتي: الوحدة ومأساة الإنسان بعيني تشيخوف

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

لمن أشكو كآبتي وتشيخوف

يُعد أنطون تشيخوف واحدًا من كُتّاب الضمير في العالم، إذ عُرِف بانحيازه للضعفاء ومن لا صوت لهم. وهو من الكُتَّاب الذين مثلَوا صوت التعبير عن الجماعات المقهورة، والجماعات التي تعيش على الهامش مثل خدم البيوت، والموظفين المهمشين، والمرضى النفسيين، والمغدورين، والخاضعين بلا رحمة لضغوط الحياة.(1)

ويذكر المُترجِم الأدبي الكبير د.أبو بكر يوسف، أن تشيخوف عمل على تصوير التشوهات النفسية والأخلاقيّات المترَّديّة في فترة (ثمانينيات القرن التاسع عشر) في قصصهِ القصيرة، ساعيًا لحَمْل القارئ إلى استنتاج واحد: أن كل هذه الفظاظة، وهذا النفاق، والابتذال، والضِعة، والطغيان إنما ثمرة الأوضاع الاجتماعية المُختلة التي يكرِّسها النظام القائم ويسبغ عليها ثياب الشرعية والديمومة.(2)

وكان لدى تشيخوف رؤيةً رائدةً وقتها للأدب، حيث ترتدي قصصه ثياب الفكاهة والسخرية وتحمل مفهومًا جديدًا عن المضحك لا باعتباره شيئًا كوميديًا ولكن باعتباره تراجيكوميديا يجمع بين البسمة والسخرية والحزن، وهذا ما يميزه عن بقية الكتَّاب الروس.(2) وهو ما يظهر بوضوح في قصته مِحوَر حديثنا لمن أشكو كآبتي.

كما وأن أعمال تشيخوف الروائيّة والقصصية والدرامية تُشعِر القارئ -رغم تحَّفظ الكاتب وحياديته- بتعاطفه العميق مع شخصياته المُعذَبة وأبطاله المُهانين الذين سحقتهم الحياة بابتذالها وكآبتها، وبعطفه عليهم حتى وهو يدين ضعفهم ورذائلهم.

وفي قصته القصيرة لمن أشكو كآبتي لا يمتلك القارئ سوى التعاطف مع بطل القصة، الحوذيّ الفقير «أيونا»، ومأساته ووحدته. ويقول المُترجِم د.أبو بكر يوسف أن قصة لمن أشكو كآبتي تتجلى فيها النبرة الوجدانية الحزينة عن أحزان «الغلابة» التي لا يريد أن يسمعها أحد.(2)

ورغم أن القصة القصيرة لا يتعدى طولها بضع صفحات، لكنها كغالبية أعمال تشيخوف تلمس وترًا إنسانيًا عميقًا وحالةً وجدانيةً لا مفر من أن تجعلك تعيش معها وتتأثر بها. وتحكي القصة عن الحوذيّ «أيونا» الذي فقد ابنه ويسعى بكل جهده كي يجد أي أحد يستمع لمأسآته فقط ليضع عن نفسه حملٍ أرهقه منذ رحيل فَتاهِ الصغير.

وتُعرَف القصة أيضًا باسم «وحشة» في الترجمة العربية للمترجم الكبير د.أبو بكر يوسف.

أيونا الشبح صورة ومعنى

«غسق المساء.. ندف الثلج الكبيرة الرطبة تدور بكسل حول مصابيح الشارع التي أضيئت لتوها، وتترسّب طبقة رقيقة ليّنة على أسطح المنازل وظهور الخيل، وعلى الأكتاف والقبعات..

والحَوذي (أيونا بوتابوف) أبيض تمامًا كالشبح.. انحنى متقوسًا، بقدر ما يستطيع الجسد الحي أن يتقوس وهو جالس على المقعد بلا حراك..

ويبدو أنه لو سقط عليه كوم كامل من الثلج فربما ما وجد ضرورة لنفضه.»(2)

في مستهل قصة لمن أشكو كآبتي يصف أنطون تشيخوف أيونا الحوذي بالشبح، وهو الوصف الذي يتضح رمزيته طوال أحداث القصة حيثُ يبدو أيونا وكأنه ضبابيّ لا يَلتفت له ولا لحزنه ومآساته أيّ شخص. فرغم مروره بعدد من الأشخاص والأفراد فإن أحدًا لا يهتم لكآبته ولا هيئته الحزينة أو قصته التي يتحرّق شوقًا ليحكيها لأي شخص.

ويرسم تيشخوف في قصته القصيرة صورةً للإنسان المهمش، الذي يحيا ولا تُلفت له أي أنظار رغم وجوده وحمله للكثير من الأحزان والهموم. ويرمز «أيونا» بصورته لشبحٍ باهتٍ متماهيًا مع البيئة الثلجية حوله وكأنه جزء منها لا ينفصل عنها.

مثلُ أيونا كمثلِ البشر المهمشين، الذين تمر عليهم أعين الناس دون أن يبصرونهم، وفي بعض الأحيان يُنظر لهم بوصفهم قطعٍ مكملةٍ للبيئة حولهم دون أيّ انتباه حقيقي لمشاعرهم أو أحزانهم.

وطوال أحداث القصة تتعمق صورة أيونا «كشبح» غير مرئي، إذ يحاول الحديث مع الأشخاص الذين يقابلهم عن ما يؤلمه لكن أحدًا لا يسمع لما يقوله، وكأن تشيخوف أراد التأكيد على التجاهل العمْد لرؤية أيونا باعتباره إنسانًا، وإصرار الجميع على النظر له كشبحٍ باهت بلا أي صورة أو ملامح أو مشاعر.

ويتبدى ذلك مثلًا في الحوار التالي حين يرغب أيونا في الحديث عن موت ابنه، ويقابله قسوة الردّ من الركاب الشباب:

«ويتطلع أيونا نحوهم، وينتهز فرصة الصمت فيتطلع نحوهم ثانية ويدمدم:

أصل أنا هذا الأسبوع يعني.. ابني مات!

فيتنهد الأحدب وهو يمسح شفتيه بعد السعال:

كلنا سنموت.. هيا عجل، عجل! يا سادة، أنا لا يمكن أن أمضي بهذه الطريقة! متى سيوصلنا؟

حسنًا فلنشجعه قليلًا.. في قفاه!»(2)

 

الوحدة والإعراض

«المأساة عند تشيخوف ليست وقوع شيء فاجع خارق بل في عدم وقوع أي شيء وبقاء الأمور كما هي عليه!»(2)


د.أبو بكر يوسف

نلمس في لمن أشكو كآبتي وِحدةَ الحوذي أيونا والوَحشة الوجدانية التي تسكن روحه. فعلى مدى أحداث القصة يحاول أيونا أن يجد من يحكي له عن قطعة الحجر القابعة فوق صدره وتكاد تُرديه ميتًا، عن وفاة ابنه المفاجئة التي حولته لمأسآةٍ تمشي على قدمين. وفي وحدته يسعى أيونا إلى الهرب من الاختلاء بالنفس، ويطوق لملاذٍ من الناس حوله كي يتخفف عن حمله وتعاسته.

ولكن على جانبٍ آخر يُظهِر لنا تشيخوف في القصة القسوة والجمود التي يُعامِل بها الناس وحدة الرجل المسكين، فبين سخرية تارةً أو لامبالاة في حينًا آخر تُقابَل وحدة أيونا بالإعراض والنفور من المشاركة في همومه وأحزانه، فلا يجد حتى الحدّ الأدنى البسيط من سماع الآخرين لما يُثقله.

«ويلتفت أيونا لكي يروي كيف مات ابنه، ولكن الأحدب يتنهد بارتياح ويعلن أنهم أخيرًا، والحمدلله، وصلوا.

ويحصل أيونا على العشرين كوبيكًا ويظل ينظر طويلًا في أثر العابثين وهم يختفون في ظلام المدخل.

وها هو ذا وحيد ثانية، ومن جديد يشمله السكون..

والوحشة التي هدأت قليلًا تعود تطبق على صدره بأقوى مما كان.»(2)

ويظل أيونا غارقًا في وحدته طوال القصة لا يجد من يُصغي إليه، وكأن العالم أصبح خاليًا من البشر فصار مضطرًا لتجرع عذابه وحيدًا دون مشاركة أو اكتراث من البشر حوله.

 

مأساة الإنسان يطيلها الخرس

«لو أن صدر أيونا انفجر، وسالت منه الوحشة فربما أغرقت الدنيا كلها، ومع ذلك لا أحد يراها.

لقد استطاعت أن تختبئ في صدفة ضئيلة فلن تُرى حتى في وضح النهار.»(2)

من المؤكد أن مأسآة أيونا التي يكررها على لسانه في القصة هي موت ابنه، وتتعمّق مأسآته وألمه بعجزهِ عن الحديث والتعبير عما يختبئ بصدره ويغور في قلبه. فرغم مرور أسبوع على موت ابنه، لم يستطع أيونا البوح بمشاعره وما يوحشه لغيره أبدًا. فالخرَس الذي أُجبِر عليه أطال حزنه وعمّق ألمه وغالى من مأساته.

ومن الناحية النفسية فإن كتمان المشاعر يتسبب في سوء الحالة النفسية للفرد، وهو ما عانى منه أيونا. ومجددًا يضع تشيخوف حالة النفس البشرية وتقلباتها تحت المِجهر، واصفًا دور الخرَس في إطالة أمد مأسآة الإنسان وحاجته القويّة للحديث مع بني جنسه.

ويمثل أيونا مأسآة الإنسان العاجز عن الحديث عما يؤلمه، ليس لإنه لا يريد ولكن لإنه لا يجد من يهتم بالإنصات أو السماع لما يحزنه. فحين يُجْبَر الإنسان على الخرس والصمت تزداد وطأة أحزانه، وتتعقد أموره وتتضاعف مأسآته.

لذا وفي النهاية حين يصاب أيونا باليأس من البشر يتجه إلى فَرسَه، الوحيدة التي يمكنها الاستماع له، ليحكي لها قصة موت ابنه ويخرج ما في جعبته في محاولة للتخفف من حزنه.

«هكذا يا أختي الفرس.. لم يعد كوزما أيونيتش موجودًا.. رحل عنا فجأة مات، خسارة..

فلنفرض مثلًا أن عندك مهرًا، وأنت أم لهذا المهر.. ولنفرض أن هذا المهر رحل فجأة.. أليس مؤسفًا؟

وتمضغ الفرس وتنصت وتزفر على يدي صاحبها.. ويندمج أيونا فيحكي لها كل شيء.» (2)