ما تغفله الرواقية الشعبية عن الفلسفة

ما تغفله الرواقية الشعبية عن الفلسفة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
أصبحت الرواقية الحديثة (Modern Stoicism) صناعة، بل صناعة ضخمة لتلبية حاجة المستهلكين الساعين إلى الحكمة فيما يتعلق بعيش الحياة الهانئة -وهناك العديد منهم- هناك العديد من المقتطفات اليومية من الاقتباسات الرواقية، وكتب ومواقع مدججة بالحكمة الرواقية لتبدأ بها يومك، وبرامج بودكاست، وإذاعات، ودورات مكثفة عبر الإنترنت وغيرها.

مكانة الرواقية

توضع الرواقية بشكل مناسب أحيانًا في برامج التحسين الذاتي، وكانت الرواقية دائمًا شكلًا من أشكال الرياضة الروحية، بدأها زينون الرواقي (Zeno of Citium) في القرن الثالث قبل الميلاد وترتبط اليوم بشكل رئيسي بممارسيها الرومان مثل الإمبراطور ماركوس أوريليوس (Marcus Aurelius)، ورجل السياسة سينيكا (Seneca)، وحرص الرواقيون على الأخلاق، والفضيلة والبلوغ الشاق للحياة الهانئة.

الرواقية اليوم

لكن اليوم، لم تعد الرواقية فلسفة في معظمها بل مجموعة من الحيل الحياتية للتغلب على القلق، أو تأمل لكبح الغضب، أو تمارين للوصول إلى الهدوء والسكينة – ليس عبر «الأومز»(1) (oms) أو الخلوة الصامتة، ولكن عبر خطاب يهذب العقل، يقول ماركوس أوريليوس: «لا تسبب الأشياء الخارجية الألم، بل أحكامنا على تلك الأشياء». بتلك العقلية، قد يتلاشى تأثير العالم الخارجي عندما تصبح الذات الداخلية ملجأً. وينحصر التركيز على تلك الذات (الأنا)، منعزلة عن البنى الاجتماعية التي تدعمني أو تحطمني.

قد تكون تلك إحدى خصال الرواقية، مبالغ في تقديرها بالإيبجرامات(2) (epigrams) المقتبسة بكثرة من الرواقي الإغريقي إبكتيتوس (Epictetus)، لكنها ليست الفلسفة الرواقية كلها بأي حال من الأحوال. نظرة التركيز على الذات تهمل تأكيد الرواقية القديمة على ازدهارنا كذوات اجتماعية (social selves)، متصلة محليًا وعالميًا.

علّمنا الرواقيون الأوائل أننا مواطنون عالميون متصلون بالإنسانية كلها عبر عقولنا، ويرسم ماركوس أوريليوس صورة حية في «التأملات»، يدون فيها ملاحظاته في أناة الليل بعد يوم معركة خلال الحروب الجرمانية. شذرات من ساحة المعركة عالقة في ذاكرته: صورة يد ورأس منفصلان عن باقي الجسد.

هذا ما يفعله المرء عندما يفصل نفسه عن العالم. لا يمكن أن يكون «بيتنا العالم»، كما في العبارة الرواقية الأسرة، إذا اختزل الخير في المصلحة الذاتية، أو عرفنا الجسارة بأنها الاعتماد على الذات دون مساعدة.

أصل الرواقية وتنمية الذات

رغم نجاح الرواقية الشعبية المركزة على الذات في السوق، في قاعات الدرس في جورج تاون حيث أدرّس الرواقية القديمة للخريجين والطلبة، وما يحرك الطلبة هو الأمل في تلك الذات المتصلة والقدرة على المساهمة في الصالح العام.

هذا الفصل الدراسي، وسط عام من الفقدان، والعزلة والإعتبارات العرقية، ألتحمنا مع نصوص فلسفية صعبة وناقشنا حقيقة أن حرم جامعتنا موّل بشكل جزئي من قيام يسوعيين ببيع 272 عبدًا في 1838. وعندما قرأنا إبكتيتوس، قال لي إحدى الطلاب في القاعة: «أرجو ألا تكون تلك الفلسفة عني أو عن مصلحتي الذاتية. لأنها إن كانت كذلك، فإنها لا تكون أخلاقًا أبدًا». لم يكن ليقولها أفضل من ذلك.

تعلمنا عن الرواقيين مثل هيروكليس (Hierocles)، فيلسوف روماني أقل شهرة من القرن الثاني، الذي قدم تمرينًا ملموسًا لبناء هذا الشكل من أشكال التواصل الذي كان ماركوس أوريلوس يتعقبه: ارسم دوائر متمركزة حول نقطة -الذات- ثم مد الدوائر من الأقرب إليك حتى تصل إلى الإنسانية كلها. ثم قلص المسافات بين الدوائر «محركًا بحماس» من هم خارجها إلى داخلها. كما يقول، هذا هو واجب الرجل الصالح؛ أن يتبنى تلك المبادرة؛ أن يحقق هذا الالتزام الأخلاقي.

ما تغفله الرواقية الشعبية عن الفلسفة

نادرًا ما يلحظ أنه عند تقديم المدرسة الفلسفية كمساعدة ذاتية أن تلك الوسائل التي قد تخفف من وقع العالم الخارجي علينا هي نفسها التي قد تساعدنا على تغيير العالم الخارجي لمكان أفضل. نحن نصدر أحكامنا من خلال انحيازات شخصية (personal biases) لا نعرف حتى أننا نستخدمها. تقدم الرواقية طرقًا لتهدئة تفكيرنا المندفع الذي قد يضلل أحكامنا.

يعبر سينيكا عن ذلك بقوله: بإمكاننا أن نركز اهتمامنا وإرادتنا ونراقب «الانطباعات المندفعة» والاستجابة الجسدية السريعة التي تلحقها -نقتلعها قبل أن تنمو- قبل أن تستسلم لها بشكل غير عقلاني. إننا بالتأكيد، كما يقر، متصلين بالطبيعة للتجاوب مع تهديدات الحياة؛ تلك هي الحياة “المنسجمة مع الطبيعة”.

لكنه يعلمنا أيضًا أننا لسنا جيدين دائمًا في تقدير تلك التهديدات. كثيرًا جدًا ما يكون الغضب والخوف «متخطيًا للعقل». نحن بحاجة إلى أن نتعلم كيف ومتى نضغط على زر الإيقاف. نحن بحاجة إلى تدريب انتباهنا، كما يقول، لتقليل وقع التجاوبات شبه الاوتوماتيكية التي هي عرضة للتشوه والخطأ.

إتمام الرواقية

في النهاية، تلك الحيلة الحياتية ليست لي فقط أو لضبط نزواتي لكنها أيضًا لنا لنفكر في كيفية بناء مجتمع لا يمزقنا فيه الخوف والسخط. ليس هدف هذا التأمل اليومي هو سكينتي فقط. تمتد جذور تلك السكينة في الفضيلة، وكانت الفضيلة عند قدماء الإغريق والرومان، بما فيهم الرواقيون، دائمًا عن كيفية العيش بشكل جيد كفرد متعاون في أمة.

تلك العناصر الأساسية في الأخلاق المدرسة لا تتصدر نشرات الأخبار الرواقية اليومية أو قائمة الأكثر مبيعًا. كأستاذة جامعية، أحب أن أوجه المتعطشين إلى الحكمة الرواقية إلى النصوص القديمة. لم لا تتابع مجموعة سينيكا التراسلية؟

هناك 124 «رسالة في الأخلاق»، كتبها في سنواته الأخيرة للجمهور العام، وهي مجموعة من النصائح للعيش بشكل جيد ستنال فيها متعة رحلة يشترك فيها معلم وتلميذ محتمل.

في «في الغضب»، يطلب سينيكا مننا، «دعونا ننمي إنسانيتنا». هذا هو أمل الرواقية الدائم: أن تقوينا بتقوية الجانب الإنساني المشترك فينا. إنها ليست مساعدة للذات بل مساعدة للمجموع. إذا كان الرواقيون مستحقين للقراءة، فذلك لأنهم دائمًا ما يحثوننا على تنمية قدراتنا عبر العقل، والتعاون، والإيثار.


1- الأوم (om) هو أهم العبارات المقدسة في الهندوسية والديانات الهندية، ويستخدم في ممارسة اليوجا.

2- الإيبجرامات (epigrams) هي قصيدة قصيرة كان يكتبها اليونان على شواهد القبور ، ثم تطورت فأصبحت شكلًا أدبيًا مستقلًا.