هل تخشى أن تصبح مثل والديك؟ كيف تواجه مخاوفك؟

هل تخشى أن تصبح مثل والديك؟ كيف تواجه مخاوفك؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
من الصعب أن تنتهي طفولتنا دون بعض الذعر، فقد تعلم بأمر ذلك الشريط الطويل من إدمان الكحوليّات، أو المخدرات، أو المرض العقليّ، الذي ظلّ يسري عبر الأسلاف، والأجداد، والأعمام لأجيال. أو ترى طريقة تكرار أختك على ما يبدو لأخطاء أمّك بحذافيرها، برغم جهودها المضنية لتجنب ذلك، مخاوفك تجعلك تنظر خلفك إلى القرارات التي اتخذتها، وموقعك الآن، وتتساءل إلى أيِّ مدى تتحكم حقًّا في حياتك، ومقدار ما قد يتوارثه أطفالك من ماضيك، وتصمّم على أن تقوم بالأمر بطريقة مختلفة، وإلا ستجد نفسك منصاعًا إلى مصير سيكولوجي محتوم.

إنّ هذه هي طبيعة أن تكون بشرًا، فعلى عكس الحيوانات، تكمن حيواتنا في القصص التي نُشكِّلها، حيث تتراكم تجارب طفولتنا وتبقى، فتشكِّل حاضرنا، وسواء أعجبك ذلك أم لا؛ فإنّ آباءنا وتصوّراتنا عنهم يتركون بصمات لا تُمحى على تركيبنا البيولوجي، والنفسيّ، ووجهات نظرنا للعالم بعدة طرائق مهمّة:

الصفات الوراثية

قد تكون واحدة من أعظم التحّولات في علم النفس والصحة العقلية على مدى العقود القليلة الماضية، قد كان في معرفتنا ووعينا بتأثير كيمياء المخ على تشكّل سيكلوجيتنا، إضافةً إلى دور التكوين الوراثي. فنحن لم نعُد نولد بالصفحة البيضاء، ولا نُحمِّل أسلوب أمّنا في التربية ذنب إصابتنا بانفصام في الشخصية، وندرك أن «جنون» جدنا الأكبر كان على الأرجح هوسًا، ومن المحتمل أنَه يتسرب في مكانٍ ما في حوض سباحة صفاتنا الوراثية، تمامًا مثلما يمكن أن يكون إدمان والدنا للكحوليّات، أو إصابة والدتنا المستفحلة بالوسواس القهري أو اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه جزء لا يتجزأ من تكويننا البيولوجي.

 القدوة

كان والداك يتجادلان دائمًا، أو كانا يُجريان محادثات عاقلة فعلًا لحل المشكلات؛ كان والدك رجلًا قليل الكلام، ما يجعلك عاجزًا عن فهم ما يغضبه، ولكنه أيضًا ينفجر دوريًّا، أو كان مدّعيًا وله علاقات غرامية، في حين كانت أمّك تعاني دائمًا الصداع، أو انسحبت لغرفة النوم لساعات أو أيام في المرة، أو طلاق والداك، أو هما أعزّ أصدقاء حتى هذا اليوم.

كونك طفلًا، لا يمكنك أن تفهم ما يحدث حولك تمامًا، ولكنك مع ذلك تتحمله؛ وتجد طرائق للتأقلم مع الأشياء التي تخيفك، وتكتشف أساليبَ لجذب الانتباه. ولهذا تشعر بالانتماء تجاه أقوى شخص في العائلة، وبخاصة مَن هو من جنسك نفسه، وتستوعب أسالبيه/أساليبها في التأقلم، تغضب أو تتكيف مع الوضع. تواجه مخاوفك اليومية بفرط التأهُّب، أو بالانسحاب، أو بأن تكون طيبًا، أو تدافع عن نفسك. يريك والداك  أساليبهما في اجتياز العالم، يريانك الحلول -الجيدة والسيئة كلاهما- لمشكلات الحياة، فتستوعبهم.

ولكن أسلوب اتّباع أساليب القدوة هذا يصاحبه اتّباع شيء آخر، الذي هو أكثر مكرًا ومساواة له في القوة، وهو تحديدًا منظورهم للعالم: هل العالم آمِن أم خطِر؟ هل الآخرين محل ثقة أم أنهم وُجِدوا دائمًا لإلحاق الضرر بك؟ هل أُقبل على الحياة، أم أنّ هناك دائمًا كارثة تكمن في أقرب ركن، وعليّ أن أتأهّب على الدوام؟

فإذا كنت تفتقر لقاعدة آمان في بيتك أو العالم، فإنّ من المنطقيّ أن تكون غالبًا في تأهّب دائم؛ لِأنْ تتسبب تطعيمات طفلك في ضرر لا يمكن علاجه، أو أن يؤدي انهيار الاقتصاد إلى فقدانك لوظيفتك، أو أنّ انسحاب شريك معناه أنّه لم يعد يهتم، وسينتهي الأمر بالطلاق. فإنّ هذا القلق دائم الحضور من الصعب إيقافه.

الصدمة

هجرت أمّك الأسرة، أو ماتت فجأة. اعْتُدِيَ عليك نفسيًّا أو جسديًّا. انتقلت أسرتك إلى بلدٍ أجنبيٍّ وكنت تشعر بالرهبة وعدم الانتماء لسنين. وهنا ينتقل عقلك بغير وعي (أو بالأحرى بوعي) إلى ما وراء الحياة اليومية ليعالج عالمًا أكثر إخافة. والآن تقرر أنّه لن يستطيع الاعتناء بك سواك، ونتيجةً لهذا؛ ترتاب في الآخرين بسهولة، أو تحتاج دائمًا إلى أن تكون المتحكم في علاقاتك عند بلوغك. أو تجعل الصدمة من السهل إثارتك: فتغضبين غضبًا غير منطقي من رفيقك عندما لا يرد على رسائلك بسرعة، أو يداهمكِ شعورٌ جارف بالقلق لأنّكِ تخيلتِ أنّه تعرّض لحادثةٍ رهيبة بالسيارة. أو تصبحين أكثر انطواءً، وتهجرين مَن تواعدينه عندما يبدي أيّ بادرة لمشاعر قوية، أو تتجنبين المواعدة نهائيًّا.

التأثّر بالأشقاء

إذا نشأت مع أشقائك فإن شخصيتك قد تشكّلت جزئيًّا بتأثّرك بشخصيتهم. وهنا نتحدث عن أن يكون الطفل الأول هو الصالح، وحي الضمير، والقائد. أما الثاني فيرتد عن ذلك ويصبح متمردًا؛ والوسيط هو المنسيُّ، والمُهمَل في الزحام؛ أما الأصغر فهو المدلل. ولكننا أيضًا نتأثر بأساليب تكيّفهم: فأخوك هو الغاضب، وأختك هي الهادئة، أما أنت فإنّك الشخصُ الذي يمشي على قشر البيض. فإنّ أساليبكم في التكيّف مختلفة؛ وعن طريق هذه الاختلافات قد تعلمتم غالبًا أن تجذبوا انتباه أبويكم.

تأثير كل هذا

يجتمع كل ذلك معًا، مُشكّلًا مجموعة تجاربيّة لطفولتك التي يمكنها أن تترك ندوبًا أو مخاوف غير محلولة، وتوقعات عن العالم، وكيف نتوقع أن نٌعامَل، وقرارت عمّا نتجنّبه، وما نتمسّك به. ويؤثر على علاقاتنا اليومية أثران من الطفولة، هما: جروحنا النفسيّة، ومدرَكاتنا عن علاقة أبوينا ببعضهما.

الجروح النفسيّة هي حساسية شديدة  تجاه مشاعر معينة في أثناء مرحلة الطفولة، التي من السهل أن يثيرها الآخرون في الوقت الحاضر. والأمثلة الأكثر شيوعًا لذلك: التعرض للنقد، أو الشعور بالتقيّد أو بأنّك مٌتحكَّم بك، أو الشعور بأنّك غير مٌقدّر، أو غير مسموع أو مرفوض، أو لا تُولى الانتباه الكافي و تشعر بالتجاهل. ولهذا عندما ينظر إليك رئيسك نظرة عابرة، تشعر بأنه ينتقدك، وعندما يخبرك صديقك كيف تذهب لوجهة معينة، تشعر أنّه يتحكم بك، وعندما تعدّين وليمة عشاء، ولا يقول رفيقك إلا القليل، تشعرين أنّه لا يقدّرك؛ أو عندما تشتكين من تركه الأطباق في الحوض، فيدافع عن موقفه، فتشعري بأنّك مرفوضة، أو عندما لا ترد أختك على رسائلك، فتشعري بأنّك مهجورة.

إنّ آلامك فوريّة وشديدة، فتفعل الآن نفس ما فعلته في طفولتك: تنسحب، وتغضب، وتصبح طيبًا، وتمشي على قشر بيض. يعيد التاريخ نفسه نفسيًّا، فيجعلك ترى الآخرين من منظور تلك الطفولة، ويكرر الأنماط القديمة.

على ناحية أخرى: انطباعاتك عن علاقة والديك، لها تأثير مشابه في تشويه علاقاتك بعد البلوغ، وفي هذه الحالة، العلاقات الحميمة. وهنا تنظر وراءك، عندما كنت مراهقًا، إلى علاقة والديك، وتقيّم الرابطة بينهم. إذا كانت علاقتهم جيدة في نظرك؛ تحاول غريزيًّا أن تكررها. أمّا إذا كانت سيئة؛ فتحدد الشيء أو الشيئين المتسببَين في ذلك -أنّهما كانا يتجادلان، أو يثملان بكثرة، مثلًا- وتقرر غريزيًّا أن تتجنب ذلك، لن تتجادل أو تثمل.

المشكلة أنّه أيًّا كان الانطباع الذي تكوّن لديك خلال طفولتك، فإنّه مشوّه؛ لأنّه انطباع طفل -إما أبيض وإما أسود، وشديد السذاجة، والنقص-. ولهذا، في حين بدت علاقتهم حانية؛ فإنك لم تعِ الصعاب التي عانوها في أثناء غيابك. أو لو بدت مليئة بالغضب والسُكْر فقط، فقد كنتَ تجهل المُسببات، مثل اكتئاب أمّك، أو أنّ أباك يعاني اضطراب ما بعد الصدمة.

فمن دون الصورة الكاملة، تتقدم وتكتشف دائمًا أن تحليلك البسيط لا يُجدي مثلما أردتَ: فعندما تحاول تقليد علاقة أبويك الجيدة؛ فتجد نفسك عندها تشعر بالملل، أو بأنّ هناك دائمَا توتر كامن لا تستطيع تحديد ماهيّته. أو تنفّذ عهدك بألا تتجادل أو تثمل؛ فتجد أنّك تنأى بنفسك تجنّبًا للمواجهة، أو تتحول جوهريًّا إلى سلوكيّات الثمِل من دون أن تثمل (Dry drunk).

ما العمل؟

حتى تتجنب تكرار الماضي، عليك أن تطوّر مدركَات الطفولة تلك، وتفعل ما يلزم لمعالجة الجروح القديمة. وإليك نصائح للبدء:

تعرّف على صفاتك الوراثية

إذا كان هناك شريطًا طويلًا من الاكتئاب، أو القلق، أو اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، أو الذُهان؛ فلتُحِط بهم علمًا. ليس عليك أن تكون مفرطًا في الحذر، ولكن كن على علم ومعرفة. فإنهم ليسوا جزءًا من شخصيتك، وإنّما تتسبب فيهم كيمياء المخ. فإذا اشتبهت في وجود أحدهم، فافعل شيئًا، وكلما أسرعت، كان أفضل.

كُن على وعي بجروحك، ومحفّزاتك

حدد الأشياء التي تتحسس منها بدقة، والأفعال التي يقوم بها الآخرون، ويمكنها أن تحفّز ردود أفعال شديدة وطفوليّة، ودَع المقرّبون منك يعرفوا بشأنها. لا يعني هذا أن تهتاج عليهم، ولكن أن تساعدهم على فهمك فهمًا أفضل؛ ولا يعني أن تتقبّل طبيعتك قبولًا سلبيًّا، وإنّما أن تؤكّد على ما تحتاجه وتُعلِم الآخرين به. وعندما تفعل الآن ما لم تستطع فعله في طفولتك، تبدأ بذلك في معالجة جروحك القديمة.

تجنَّب الانحراف التام للجهة المقابلة

نعم، قد يكون التحكم بغضبك، وعدم السُكر أفكارًا جيدة، ولكن الانحراف التام في جهة واحدة، واللجوء إلى نهج الأبيض أو أسود (إما صواب بحت، وإما خطأ بحت) -بناءً على قلق الطفولة ومدرَكاتها-، يصعُب تحمّله أو يمكن أن تكون نتائجه عليك عكسية. وبدلًا من ذلك، عليك أن تجمع معلومات أكثر.

ولا أعني بجمع المعلومات هنا البحث بلا نهاية على جوجل عن الإدمان أو الغضب، -ولو أن المعرفة قوة- وإنّما بالأحرى تكوين صورة أكثر تعقيدًا لماضيك. وذلك عن طريق التحدث بأسلوب ناضج مع أمّك عن طلاقها، أو مع أبيك عن سُكرِه أو الوقت الذي قضاه في فيتنام في أثناء الحرب، أو مع إخوتهم ممن يعرفون القصة إن لم يقدرا على الحديث. وعندما تكوِّن صورة أكثر تعقيدًا، ستكون أقل ميلًا للمبالغة في ردود أفعالك، وتستطيع اتخاذ قرارات أكثر نضجًا وواقعيّة، وأقل انفعاليّة.

فلتصل إلى الخاتمة

يتطفّل الماضي على الحاضر في غياب الخاتمة، وعند وجود مواضيع نفسية غير محلولة. لذا عليك أن تخبر أباك عن شعورك حيال غضبه أو سُكره، أو تسأل أمّك لماذا لم توفر لك حماية أفضل من كل تلك الفوضى، وإذا لم يكن بإمكانك البوح لأيِّ سببٍ كان، فلتكتب مشاعرك، ثم اكتب الرد المثاليّ الذي أردت أن يقوله كلاهما. فإنّ تفريغ عقلك من كلِّ المواضيع غير المحلولة سيساعده على التسوية. وبتسوية الأمر، يمكنك أن تفصل الماضي عن الحاضر نفسيًّا فصلًا أفضل.

اطلب المساعدة

كشف كل هذا يمكن أن يشعرك بشعور جارف، وبخاصة إذا تضمن الأمر صدمةً نفسيّة. لذا قد ترغب في طلب الاستشارة المهنيّة لتدعمك وترشدك في أثناء كشفك لهذه المشاعر، أو توفِّر مكانًا آمنًا لخوض هذه المحادثات الأسريّة. وعن طريق إزاحة هذه المواضيع الحساسة -والقديمة ولكن ما تزال حيّة- عن عاتقك نفسيًّا، ستقدر على رؤية حياتك بخوف أقل وبواقعية أكثر. لذا حتى الاستشارة قصيرة الأمد يمكن أن تُحدِث فرقًا.

لن يُمحى ماضيك، ولكن ليس عليك أن تكرره. بل أعِد تشكيله.