مدام بوڤاري

«مدام بوڤاري»: رواية فلوبير المحرّمة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

«لقد خُيِّل إليها أن في الدنيا بقاعًا تنبت السعادة، كما لو كانت السعادة شجرةً لا تنبُت إلا في تربة معينة لا نمو لها في غيرها! ولطالما سألت نفسها: لماذا لم يُقدَّر لها أن تتكىء على حافة شرفة منزل خشبيّ فوق جبال سويسرا؟ أو أن تحبس سجونها في كوخ باسكتلندا، مع زوج يرتدي حُلَّةً من المخمل الآسرة وحذاءين طريين وقبعة مُدبَّبة وأكمامًا منشآة؟ لكم تمنَّت لو تفضي لأحدٍ بهذه الخواطر جميعًا، ولكن كيف السبيل إلى الإفصاح عن ذلك الضيق الذي يتعذَّر التعبير عنه والذي تتبدل صوره كالسحاب ويعصف بنفسها كالرياح؟ وهكذا كانت تعوزها الألفاظ، كما أعوزتها الفرصة والجرأة.»

منذُ زمنٍ طويل تواجدت فكرة حظر الكتب، وبين الفترة والأخرى تتغير الثقافات والسياسات، فما يقرأه شخص يراه مؤثرًا، يراه شخص آخر موضعًا للشكِّ والريبة؛ ولذا فإن ومن ضمن الروايات التى تم منعها رواية مدام بوڤاري لـ جوستاف فلوبير من التداول عام 1856، وتعد رواية مدام بوڤاري، واحدة من أشهر الروايات العالمية والتي أثارت غضبًا أخلاقيًا عند نشرها فى عام 1857، تم محاكمة فلوبير وناشريه بسبب الفُحش ولكن تمت تبرئته لاحقًا من أجل قصته تلك، القصة التى تستند إلى شؤون شعور امرأة متزوجة بالملل.

مدام بوڤاري Madame Bovary

هي أول رواية منشورة للأديب الفرنسي جوستاڤ فلوبير وتعتبر أول رواية واقعية في الأدب الفرنسي كما اعتبرها النُقَّاد؛ إذ أنها تعتبر انتصارًا حقيقيًا للواقعية على الحركة الرومانطيقية. وعند كتابة فلوبير لهذة الرواية قامت النيابة الفرنسية باتهام فلوبير بأن روايتة غير أخلاقية، لكن سرعان ما أثبت محامي فلوبير عكس ذللك.

على مدى خمس سنوات ظلّ فلوبير عاكفًا على شخصياته يرسمها حتى انتهى في 30 أبريل 1856 من كتابة رائعته؛ حيثُ ولدت الفكرة لدى فلوبير بعدما أنهى كتابه «تجربة سانت أنطوان» عام 1849، وأعطاها لصديقيه الكاتبين لويس بوييه وماكسيم دوكان ليعرف رأيهما فيها. فما كان من بوييه أن اعتبروا هذا العمل ثانوي الأهمية، فما كان من فلوبير إلا أن أجّل نشرها (لتنشر في عام 1869) ثم سافر إلى مصر وفي ذهنه أن يكتب رواية يعيد فيها الاعتبار إلى نفسه أمام أصدقائه.

وهكذا ولدت «مدام بوفاري» التي استغرقت صاحبها تفكيرًا طوال فترة إقامته في مصر، وكتابة طوال سنوات خمس تلت عودته، وبقي فيها في بلدته الصغيرة في الغرب الفرنسي. وأخيرًا حين اكتملت الرواية، نُشِرَت أولًا في «مجلة باريس» عام 1856، ثم في كتاب مستقل في العام التالي 1857، لتكون أول عمل كبير ينشر له، بعد محاولات أوّلية هي أقرب إلى كتابات الصبا. ونعرف طبعًا أن الرواية ما إن نشرت حتى تعرضت إلى حملة عنيفة، ما أدى إلى محاكمة كاتبها، وهي محاكمة شهيرة صوّر المخرج الأميركي «فنسنت مينيللي»، جانبًا منها ضمن سياق الفيلم الشهير والذي اقتبسه عن الرواية نفسها، حيث أنه يبدأ الفيلم بمحاكمة فلوبير، الذي خلال محاكمته يروح راويًا أحداث الرواية، مُبررًا كتابته لها، مدافعًا عن الجانب «اللاأخلاقي» الذي وُجِدَ فيها، قائلًا:

«إنني، أيها السادة، أصر على الطابع الحقيقي لهذه الحكاية، وأضيف أن أخلاقية تخاف سماع صوت الحقيقة ليست جديرة بهذا الاسم. إن في وسع الناس ألا يحبوا الحقيقة. وفي وسعهم أن يرونها جريئة ومزعجة. في وسعهم أن يضطهدوها ويشوهوها، وأن يطلبوا من القوانين خنقها. ولكن الاعتقاد بأن الناس سوف يسيطرون ذات يوم على الحقيقة ويستعبدونها، ليس أكثر من بدعة وجنون. إن الحقيقة سوف تعيش دائمًا، أما البشر ففانون».

على غرار كارنينا

في أوّل ظهور للبطلة «مدام بوفاري» يُركِّز فلوبير وصفه على تفصيلةٍ منها، قبل أن نراها بشكلٍ كامل، أظافرها! تخيّل هذا المشهد، أوّل ما يقع بصر شارل بوڤاري يقع على أظافرها اللامعة الدقيقة الأطراف، الأكثر نصوعًا من العاج والتي قُصّت على شكل اللوز، ثم يقول فلوبير -إمعانًا في الواقعيّة- أنّ يديها ليستا جميلتين، وبشرتها أقلّ صفاءً ممّا ينبغي، وبادية الجفاف عند مفاصل الأصابع «كانت يدًا مسرفةً في الطول يعوزها شيءٌ من ليونة التثني!» لكنه أخيرًا يدلنا على موضع جمالها الذي يتركّز في عينيها العسليتين اللتين كانت أهدابهما تضفي عليهما صبغة السواد، وتنبعث منهما نظراتٌ توحي للمرء بالصراحة المشوبة بالسذاجة الجريئة! وهكذا استطاع طبع صورتها في أذهاننا. لكن مهلًا هل ينتهي وصف البطلة عند هذه النقطة؟ بالطبع لا فهي صورة مبدئيّة، ولن يلبث إلا قليلًا قبل أن يعود إليها كاتبنا ليصف أدق تفاصيلها. جمال شعرها وتنسيقه، وتورُّد وجنتيها، وغيرها.

كما سيكون حال «آنا كارنينا» لتولستوي، أحداث «مدام بوڤاري» أحداث مُعقَّدة ومُركَّبة. غير أن المحور الأساس فيها هو شخصية «إيما» -مدام بوفاري نفسها- والملل الذي تعيش فيه، والذي يدفعها الى الخيانة، والدمار الداخلي والانتحار.

وتبدأ أحداث الرواية بتشارلز بوڤاري وهو مراهق خجول يرتدى ملابس غريبة يصل إلى مدرسة جديدة يتعرض فيها للسخرية من زملائه الجُدد، ويكافح للحصول على شهادة طبية من الدرجة الثانية، ثم يتزوّج من امرأة أرملة ثرية مزعجة من اختيار والدته، وفي أحد الأيام يقوم تشارلز بزيارة لمزرعة محلية لمعالجة ساق مالكها المكسورة، وهناك يلتقي بابنة مريضه والذي ينجذب إليها على الفور، وهي شابة جميلة تدعى إيما حصلت على تعليم جيّد في الدير.

في البدء تكون إيما صبية حسناء، تحمل اسم «إيما روو»، وهي تلتقي بالطبيب شارل بوفاري، خلال علاجه لأبيها المريض. ولما كانت إيما تعيش في المزرعة حياة شبه معزولة أو تحلم بحياة أخرى فيها شيء من التسلية والبُعد الاجتماعي، تقبل بسرعة أن تتزوج من شارل ما أن يطلب يدها.

إن المرء لا يلبث أن يلقى السعادة فجأة، يومًا ما، بعد أن يكون قد يئس منها، فإذا ذاك، ينفرج الأفق، وكان صوتًا يصيح: «ها هي ذي!».

وغداة عرسها، تبدأ بالانفتاح على الحياة، ومحاولة الخروج من عالمها المغلق وكذلك إخراج زوجها من عالمه العلمي الجدي. إذ منذ لحظة الزواج تحاول إيما تمامًا أن تسيطر على حياة زوجها، بحيث أن كل ما يحيط تلك الحياة يصبح خاضعًا لمزاجها وأهوائها. وشارل يترك لزوجته حرية التصرُّف وقد آنس فيها حياة جديدة تخرجه من إخفاقات عاطفية سابقة. تزين إيما البيت وتبدأ باستقبال الأصدقاء، وتنظم الحفلات الموسيقية والشعرية، ثم تنجب طفلة، غير أن هذا كله لا يمنع الملل من أن يعود ويتسرَّب الى داخلها. وهُنا، خلال حفل راقص يُقام في دارة صديق هو الماركيز «داندر فيلييه»، يحدث لإيما أن تراقص «رودولف بولانجيه» بعد أن تتعرف إليه وتُعجب به.

«لقد كانت على العكس من ذاك، فرحة لا ترى الهاوية التي تتردى فيها. آه يا ليتها وهي في نضرة الجمال وقبل التلوث بالزواج وضلال الخيانة الزوجية قد علقت حياتها بقلب كبير صلب، وعندئذ كانت الفضيلة، والحنان، والشهوة، والواجب تختلط معًا بحيث لا تسقط قط من قمة تلك السعادة. ولكن هذه السعادة كانت -بلا ريب- أكذوبة متخيلة لكي تنزل اليأس بكل رغبة. فهي الآن تعرف ضآلة الأحاسيس التي يبالغ فيها الفن.»

مدام بوڤاري: جانية أم مجنيّ عليها؟

*تنبيه: قد تحتوي الفقرات التالية على حرق للأحداث.

تتعقد الأحداث هُنا بعض الشيء، إذ يحدث لشارل أن يتخلى عن إجراء عملية للشاب «هيبوليت»، كان من المفروض أن يحمل له نجاحه في إجرائها مجدًا وثروة. وفي المقابل تضحي إيما عشيقة لرودولف وتبدأ في التعبير عن رغبتها الرحيل معه.

غير أن رودولف سرعان ما يتبدى غير جدير بالحب الذي منحته إيما إياه، إذ من دون سابق إنذار، وفي شكل فيه كثير من الجبن مختبئ خلف قناع الصداقة، يتخلى رودولف عن إيما ويتركها. ويستبد الحزن والغضب بها، إلى درجة أنها، هنا، تحاول أن ترمي نفسها من النافذة مفضلة الموت على الذل الذي تشعر به. لكن شارل يتدخل في اللحظة الأخيرة ويحول بينها وبين محاولة الانتحار. وإذ تنجو من الموت هذه المرة، تتغير إيما كليًا، تصبح امرأة أخرى لعوبًا عابثة؛ يتجدد نفور إيما من حياتها الزوجية وتشعر كم هي مملة وفاترة، يقرر تشارلز الانتقال إلى مدينة أخرى اعتقادًا منه أن زوجته بحاجة إلى تغيير بيئتها، وفي المدينة الجديدة ينجبا طفلة ويسمونها بيرثي لكن الأمومة تثبت خيبة أمل إيما التي أصبحت مفتونة بشابٍّ ذكي يُدعى ليون وهو طالب حقوق، والذي يشاركها في اهتماماتها الأدبية والموسيقية ويعيد لها ما فقدته مع زوجها، بل ويساعدها على التحول من فتاة ريفية إلى سيدة مجتمع.

تستعيد علاقتها به، وتبدأ بالصرف من دون حدود. وهكذا يفلس زوجها إذ يعجز عن منعها عما تفعل. أما هي فتغرق في الديون، وإذ تلجأ لأصدقائها لكي يعينوها ويقفوا إلى جانبها، يرفض الجميع ذلك ولا يتوانى كثير منهم عن إهانتها. وهنا لا يعود أمامها إلا الحل الأخير: الانتحار. وهذه المرة تنجح، إذ تسمم نفسها بمادة الآرسينك فتموت، أما شارل فإنه يأخذ ابنتهما ويترك المدينة هائمًا على وجهه، لا ينوي على شيء.

«هناك دائمًا بعد موت أحد من الناس، شيء يشبه الذهول الذي يملأ الجو، وذلك لأنه من الصعب فهم هذا العدم الطارئ، والاستسلام لتصديقه.»

على رغم أن الباحثين توقفوا طويلًا عند شخصية إيما باعتبارها محور الرواية وإيذانًا بولادة امرأة جديدة في مسار المجتمع، فإن هؤلاء الباحثين أنفسهم اعتبروا أن «مدام بوفاري»، ليست مجرد دراما شخصية أو عائلية، بل مرافعة عنيفة ضد المجتمع البورجوازي، وجمودية الأفكار والأخلاق. مرافعة «تتخذ قوتها كلها من قدرتها على إضفاء الطابع الفردي في الوقت نفسه الذي تعرض فيه موضوعها، في شكل واقعي شديد الموضوعية». وعلى هذا اعتبر فلوبير واحدًا من أول الكتاب الواقعيين في الأدب الفرنسي، ولا تزال روايته حية حتى اليوم.

علام ارتكز فلوبير في خلق شخصيته؟

يقول د. غالب سمعان أن بطلة الرواية تميل إلى التعالي الذاتي، وكانت قراءاتها في الأدب الرومانتيكي، وإطلاعها على رواية «بول وفرجيني» للكاتب الرومانتيكي «برناردين دو سان برنار»، بالإضافة إلى أشعار «ألفونس دو لامارتين» العاطفية، والحكايات التاريخية للكاتب الإنجليزي سير والتر سكوت، قد أدت إلى تعلقها بهذا النوع من الأدب، وإلى ميلها إلى الارتقاء بذاتها، والتطلع بأمل، إلى المستقبل، والنفور من الحاضر، وإن زواجها من الطبيب التقليدي شارل بوڤاري، أدى إلى زيادة إحساسها بالفراغ، ورغبتها في الانعتاق من القيد الاجتماعي الذي يكبّلها.

تسير الأمور طيلة الرواية بين الزوجين على النقيض، حيث كلما ازدادت الألفة بينهما ازداد شعورها بالانطواء الروحي وزادت الهوّة بينهما. إذ ترى أن حديثه سطحيّ وغير مهتم بالمسرح أو الموسيقى ولا يفقه شيئًا في غير الطِّب، ولا يطمح إلى شيٍء أكثر ممّا يملكه.

وبدأ ضجر العيش مع شارل يتملَّك إيما ففي الرواية نقرأ:

«لما أقبلت مدام بوفاري الأم إلى (توست) لتقضي بضعة أيام في أثناء الصوم، راعها هذا التغير، فإن إيما التي كانت فيما مضي شديدة العناية بنفسها حريصة على أناقتها، أصبحت تمكث أياما بطولها دون أن ترتدي ملابس زينتها، وهي تروح وتغدو في جوربين رماديين من القطن، كما أصبحت تقتصر على استخدام الشموع في إضاءة البيت، مُرددة أن لابد من الاقتصاد لأنهم ليسوا من أهل الثراء!»

ويرى سمعان أن شارل بوڤاري على درجة كبيرة من المحدودية، على كل المستويات، الفكرية والشعورية، وهو على دراية بأن زوجته تتفوق عليه إلى الحد الذي يجعله يرتبط بها، ارتباطًا وجدانيًا وثيقًا، يبدو على حقيقته في آخر الرواية، عندما تصل إيما بوڤاري إلى نهايتها التراجيدية، فتقرر الانتحار، بعد إخفاقها في إيجاد الحبيب الذي تتطلّع إليه نفسها، وبناء العلاقة الغرامية التي تتوق إليها روحها المتعطّشة لنوعٍ خاص من العلاقات، وهو ما يؤدي بزوجها شارل بوڤاري، إلى الموت حزنًا وكمدًا على زوجته الراحلة، هذا مع علمه بخياناتها المتكررة.

هل كانا إيما وشارل ضحايا زيجة فاشلة؟

«عاد إليها فجثا على الأرض وألقي رأسه على حافة السرير وأسلم نفسه للبكاء والنحيب. قالت: لا تبك، إنني سأريحك من عذابي. نعم لن تتعذب من أجلي بعد اليوم. قال: لماذا فعلتِ ذلك لماذا؟ وما الذي دفعك إليه؟ قالت: لقد كنت مضطرة إليه يا عزيزي. قال: ألم تكوني سعيدة في حياتك؟ أكان ذلك خطئي؟ لقد فعلت كل ما في وسعي أن أفعله لإسعادك، أفكنت المَلُوم؟ قالت: كلا، لقد كنت كريمًا حنونًا. وراحت تلمس شعره بكفِّها، فزاده ذلك حزنًا على حزن، وشعر بأن حياته كلها قد تداعت وتحطّمت، أما هي فلم تعد تكره أحدًا أو تحقد على أحد. ولم تعد تسمع من أصوات الدنيا وضوضاء الأرض غير نحيب فؤادها المسكين وعويل قلبها الخافت، وقد بدا إذ ذاك من خفوته أشبه شيء برجْع صدى لحنٍ بعيد متبدد في الفضاء».

هُنا تنتهي حياة بطلة فلوبير الأشهر، مصحوبة بنهاية روايته، تلك الرواية الأثيرة التي فاقت بطلتها الخيالية شهرةً عن كاتبها الواقعي، ترتَّب على تلك الشهرة تأثيرها في العلوم الإنسانية، ليس لتأثيرها الأدبيّ كروايةٍ فحسْب؛ وإنما لتأثيرها في اللّغة إلى حدِّ اشتقاق مصطلحٍ علميّ ونفسيّ من اسمها «بوفاريزم – Bovarism»، والذي أُستُخدِمَ فيما بعد ليصف التمادي في الخيال والحلم بعالم مُغاير يحمل تمرُّدًا على الواقع، مما قد يفسد حياتك وحياة من حولك، تمامًا كما كان مصير إيما وشارل الذي اختاره لهما فلوبير، فتُرى، هل كان فلوبير قاسيًا حين حكمَ على أبطاله بالموت؟