مقدمة قصيرة عن الفيروسات

مقدمة قصيرة عن الفيروسات (ج1)

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

ما قبل الفيروسات

في قديم الزمان كان الإنسان يفسر بعض الأمراض الغريبة التى لم يجد لها تفسيرًا بأنها تكونت وحدثت بسبب اصطفاف بعض الكواكب على خط واحد، أو بسبب الأبخرة الوبائية المتصاعدة من المستنقعات و المواد العضوية. وأخذ الأمر وثبة إيمانية هائلة حتى تُتَقبّل فكرة وجود كائنات حية دقيقة مسئولة عن تكوين الأمراض. ولم يحدث ذلك -بالطبع- بين عشية وضحاها، بل أخذ سنين كثيرة ليبدأ الإنسان في تقبل فكرة وجود الكائنات الحية الدقيقة المسببة للأمراض. ولم يكن الإنسان ليتقبل تلك الفكرة إلا بتطور الميكروسكوبات وقدرة العلماء على التعرف على المزيد والمزيد من أنواع البكتيريا المختلفة، مما أدى في نهاية المطاف إلى تكون «النظرية الجرثومية».[1]

وصار مقبولًا في بدايات القرن العشرين -في الدوائر العلمية وغيرها- أن الميكروبات لها دورٌ في التسبب في الأمراض، وكان التوصل إلى تلك النظرية الجرثومية -كما ذكرنا- سبقه مجهودات هائلة وتطورات في الميكروسكوبات، وذلك على يد صانع العدسات العالم «فان ليفنهوك» الذي كان أول من شاهد الميكروبات في القرن السادس عشر.

ثم جاء «لوي باستير» و«روبويرت كوخ» في منتصف القرن التاسع عشر بأبحاثهما التي أكدت على أن الجراثيم هي سبب الأمراض المعدية، مما أكسبهما لقب الأبويين المؤسسين لعلم الميكروبيولوجي (علم الأحياء الدقيقة). وتمكن كوخ لاحقًا من عزل الجمرة العصوية، كما تمكن من ابتكار وسائل لزراعة الميكروبات في المختبر. وبدأت الأمراض التى تصنع الرعب مثل الدرن والكوليرا والدفتيريا والجمرة الخبيثة تكشف عن أوراقها.[1]

واتضح من خلال الدراسات فيما بعد أن البكتيريا لها تركيب يشبه تركيب خلايا الثدييات، فمعظم أنواع البكتيريا لها جدار خلوي يحيط بالسيتوبلازم يحوي بداخله جزيئًا دائريّ الشكل من الحمض النووي (DNA)، وتعيش أغلب البكتيريا حرة، حيث إنها تتمكن بالقيام بالأيض وتصنيع البروتينات بنفسها دون حاجةٍ إلى الكائنات الحية الأخرى. وبالرغم من ذلك النجاح، فقد كانت هناك فئة من الأمراض لم يتمكن العلماء من عزل الكائنات المسببة لها مثل الجدري والحصبة وحمى النكاف والحصبة الألمانية والأنفلونزا، حيث إن المرشحات التى كانت تستخدم في عزل البكتيريا لم تتمكن من عزلها، وكان العلماء وقتها يظنون أنها بكتيريا صغيرة الحجم، وكانت تعرف وقتها بـ«العوامل المارة من المرشحات».[1]

اكتشاف الفيروسات

فى عام 1876 قام أدلوف ماير (مدير محطة التجارب الزراعية في فاخن يجن بهولندا) بعدة أبحاث حول مرض جديد يصيب نباتات التبغ الهولندي الذي أطلق عليه ماير موزاييك التبغ (فسيفساء التبغ)، بسبب الشكل المبرقش الذى يرسمه على أسطح أوراق النباتات المصابة. ويسبب ذلك المرض إعاقة لنمو نباتات التبغ. وأوضح ماير من خلال أبحاثه أن المرض -موزاييك التبغ- مرض مُعدٍ، وذلك اتضح عندما حكّ أوراقه بالعصارة المستخلصة من نبات مصاب ولم يتمكن ماير من خلال مرشحات البكتيريا من عزل الميكروب ولكنه افترض أنها بكتيريا صغيرة الحجم جدا تعجز مرشحات البكتيريا عن عزلها.[1]

the discovery of viruses

واستمر ذلك الافتراض حتى أتى ﻣﺎرﺗﻴﻨﻮس ﺑﻴﺠيرﻳﻨﻚ (ﻣﺪرس ﻋﻠﻢ الميكروبيولوجيا ﺑﻜﻠﻴﺔاﻟﺰراﻋﺔ في ﻓﺎﺧﻨﻴﺠﻦ) الذي خطا على خطى ماير، ولكنه أوضح من خلال تجاربه أن هذا العامل المسبب للمرض ينمو داخل الخلايا المنقسمة فقط، ولايمكن زراعته في الأوساط الغنية بالغذاء فى أنابيب الاختبار، وأنه يستعيد قوته الكاملة في كل مرة يصيب فيها النبات بالعدوى. وكان هو أول من سمى ذلك العامل الغريب المسبب لمرض الموزاييك باسم الفيروس -وهى كلمة لاتينية تعني السم-. حتى أكّد العلم شكوكه عندما تمكن العالم الأمريكي ويندل ستانلي من بلورة الجسيم المعدي المسبب لمرض موزاييك التبغ (TMV)، فتمكن العلماء فيما بعد من رؤية هذه الفيروسات والفيروسات الأخرى من خلال الميكروسكوب الإلكتروني الذى ساعد العلماء في التعرف بدقة شديدة على تركيب الفيروسات.[2][1]

نبذة عن الفيروسات

هي جسيمات صغيرة الحجم، فهي أصغر من الريبوسومات (وهى إحدى عضيات الخلية التى تقوم بتخليق البروتين داخل الخلية)، محاطة تلك الجسيمات بغطاء بروتيني يقوم بحماية المادة الوراثية للفيروسات. تلك الجسيمات الصغيرة تتميز بأنها صغيرة الحجم لدرجة أن أكبرها حجما يرى بصعوبة بالغة من خلال الميكروسكوب الضوئي.[2]

فإذا قمنا عزيزي القارئ بالنظر عن كثب في المادة الوراثية للفيروسات، سنجد أن المادة الوراثية للفيروسات إما أنها حمض نووي ريبوزي منقوص الأكسجين (DNA)، أو حمض نووي ريبوزي (RNA)، وهي ببساطة عبارة عن الأحماض الأمينية التي توجد داخل الغلاف البروتيني للفيروسات. وستجد عزيزي القارئ أن الحمض نووي ريبوزي منقوص الأكسجين الخاص بالفيروسات إما أنه يتكون من شريط مزدوج وإما من شريط أحادي، وكذلك الأمر أيضًا بالنسبة للحمض نووي ريبوزي الخاص بالفيروسات وهو موضح في الجدول الآتي.[3]

classification of Viruses

ويحيط بالمادة الوراثية للفيروس غلاف بروتيني (Capsids)؛ يتخذ الغلاف البروتيني أشكالًا مختلفة من فيروس لآخر (كما هو موضح بالصورة).

Untitled

ومن خلال الغلاف البروتيني للفيروسات يتم تصنيف الفيروسات إلى عائلات، حيث تتميز كل عائلة من الفيروسات بغلاف بروتيني مميز لها. فعلى سبيل المثال: ﻓيروﺳﺎت اﻟﺠﺪري ﻋلى ﺷﻜﻞ ﻗﻮاﻟﺐ اﻟﻄﻮب، أﻣﺎ ﻓيروﺳﺎت اﻟﻬيرﺑﺲ (اﻟﻘﻮﺑﺎء) ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻋلى ﻫﻴﺌﺔ ﻛﺮات ﻣﻀﻠﻌﺔ ذات ﻋشرﻳﻦ ﺿﻠﻊ، وﻓيروس داء اﻟﻜﻠﺐ ﻋلى ﻫﻴﺌﺔ رﺻﺎﺻﺔ، وﻓيروس ﻣﻮزاﻳيﻚ اﻟﺘﺒﻎ ﻃﻮﻳﻞ ورﻓﻴﻊ أﺷﺒﻪ ﺑﺎﻟﻌﺼﺎ. أما بالنسبة لحجم الفيروسات فهى بصفة عامة أصغر من البكتيريا بمقدار 100 إلى 500 مرة تقريبًا، وتتراوح أقطارها بين 200 إلى 300 نانومتر.[1]

والفيروسات عامةً لاتعتبر نوعًا مميزًا من الخلايا، حيث إنها لا تملك عضيات خاصة بها لإنتاج الطاقة أو البروتينات اللازمة لها أو للقيام بالتكاثر. فالفيروسات تعتمد على الخلايا التي تصيبها وتستخدم عضياتها في إنتاج البروتينات الخاصة بها للقيام بتخليق مجموعة أخرى من الفيروسات. ومن هنا سميت الفيروسات أيضًا باسم «الطفيليات الاضطرارية»، وسميت بذلك لأنها تضطر أن تتطفل على الخلايا لإكمال دورة حياتها.[1]

وإذا نظرنا إلى الطريقة التى تصيب بها الفيروسات الكائنات الحية، فسنجد أن الفيروسات النباتية تدخل إلى الخلايا من خلال ثغرة في الجدار الخلوي للخلايا النباتية، أو من خلال حشرة ماصة للعصارة النباتية -مثل حشرة المن-. وفي الجهة المقابلة، تجد أن الفيروسات الحيوانية تنتشر في الخلايا الحيوانية عن طريق العدوى. فالفيروسات الحيوانية تقوم باﻻﺗﺤﺎد ﻣﻊ المستقبلات (جزيئات توجد على السطح الخارجي للخلايا) حيث إن المستقبل اﻟﺨﻠﻮي أﺷﺒﻪ ﺑﺎﻟﻘﻔﻞ، واﻟﻔيروﺳﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﺤﻤﻞ المفتاح اﻟﺼﺤﻴﺢ الذي ﻳﻤﻜّنها ﻣﻦ اﻻﺗﺤﺎد ﻣﻊ المستقبل ﻫﻲ وﺣﺪﻫﺎ اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﻓﺘﺢ اﻟﻘﻔﻞ واﻟﻮﻟﻮج إلى ﺗﻠﻚ اﻟﺨﻠﻴﺔ ﺑﻌﻴﻨﻬﺎ.[1]

وتختلف جزئيات المستقبل التى توجد في الفيروسات من فيروس لآخر. فمن الأمثلة الشهيرة على ذلك فيروس نقص المناعة البشري (HIV) الذي يحمل مفتاح القفل للمستقبل سي دي 4 (CD4)، وبالتالي فإن جميع الخلايا التى تحمل هذا المستقبل هى التى تصاب بالفيروس. فنجد أن من أمثلة الخلايا التي تحمل مستقبل سي دي 4: الخلايا التائية المساعدة (نوع من الخلايا التى تلعب دورًا شديد الأهمية في الاستجابة المناعية) التي تتدمر بسبب الإصابة بالفيروس، مما يؤدي إلى فشل الجهاز المناعي. وإن لم تتم معالجة المريض، فسوف يؤدي ذلك إلى موته.[1]