مُصادم الهادرونات الكبير-الجزء الثالث والأخير

5-10.jpg1_

تحدّثنا في الجزء الأول عن بنية الذرة ومكوناتها الأساسية وذكرنا بشكلٍ مختصر كيف تطور نموذج بنية الذرّه، و في الجزء الثاني أكملنا الحديث عمّا يُريد العلماء معرفته من تجارب المُصادم وتحدّثنا عن كيفية عمله، ونكمل في هذا الجزء الثالث والأخير شرحَ أهم أجزاء المُصادم الهادروني الكبير وسنجيب عن التساؤل بما إذا كان المُصادمُ خطراً على كوكب الأرض أم لا.

«كـاشفات مصادم الهادرونات الكبير »
الستة مواقع التي ذكرناها سابقاً والتي تعمل ككاشفات لتجارب المصادم، والتي تقع علي محيط المصادم تقوم بجمع البيانات و تدير تجارب المصادم، بعضاً من تلك الكاشفات تبحث عن نفس المعلومات ولكن بطرق مختلفة.
توجد أربعه كاشفات رئيسية كبيرة و إثنتين صغيرتين، أولهم وقد ذكرناه في الجزء السابق وهو مكشاف «أطلس» «ATLAS» ويعد الأكبر بين الستة.
بداخل اطلس يوجد جهاز يسمي «المتعقب الداخلي»، يقوم ذلك الجهاز بتعقب وتحليل نشاط الجسيمات التي تعبر خلال أطلس، يحيط بالمتعقب الداخلي مسعر أو «calorimeter» والذي يقوم بحساب طاقات الجسيمات عن طريق إمتصاصها، ويتمكن العلماء عن طريق ذلك من معرفة الطريق الذي تتخذه الجسيمات وإستنتاج معلومات وبيانات عنها.
يحتوي مكشاف أطلس علي مطياف للميونات «muon spectrometer»، والميونات هي إحدي مكونات الذرة التي ذكرناها في الجزء الأول  والتي لديها شحنة سالبة 200 مرة أكثر من الإلكترون.

المكشاف الثاني:-
«لولب ميون المدمج»
«The Compact Muon Solenoid» «CMS» وهو مكشاف كبير آخر مثله مثل أطلس، ولكن لولب ميون المدمج هو مكشاف له غرض عام وهو قياس الجسيمات دون الذرية التي تنطلق أثناء الصدامات، وهو موجود بداخل مغناطيس لولبي يمكنه أن ينتج مجالاً مغناطيسيا اقوي 100,000 من مجال الارض المغناطيسي.

المكشاف الثالث:-
«تجربة مصادم الأيونات الكبير»
«A Large Ion Collider Experiment» «ALICE» صمم المهندسون والعلماء هذا الجهاز ليتمكنوا من دراسة التصادمات بين ايونات الحديد.
عندما تتصادم ايونات الحديد بإستخدام طاقه عالية، فإن العلماء يأملون في خلق نفس الظروف التي كانت بعد الانفجار العظيم مباشرة ومن ثمّ القيام بدراستها.
الجهاز الرابع:-
«Large Hadron Collider beauty» «LHCb» وظيفة هذه التجربة بالتحديد هو البحث عن المادة المضادة، و يقوم بذلك عن طريق البحث عن كوارك يسمي «الكوارك القعري» «beauty or _ bottom _ quqrk».
تقوم عدة كاشفات فرعية علي إمتداد 20 متراً بالتحرك بشكل دقيق جدا لتلتقط الكواركات القعرية تلك، والتي بطبيعتها غير ثابته وتضمحل بسرعه، وهنالك جهاز آخر يتشارك الكهف مع هذا الجهاز يستخدم في دراسة الجسيمات الأحادية القطبية.

الجهاز الخامس :-
«TOTal Elastic and diffractive cross-section Measurement » «TOTEM» هذا هو أول الأجهزة الكاشفة الصغري في مصادم الهادرونات الكبير ، يقوم هذا الجهاز بقياس حجم البروتونات وقياس مدي دقة الاصطدامات التي يقوم بها مصادم الهادرونات الكبير.
الجهاز أو المكشاف السادس والاخير:-
«Large Hadron Collider forward» «LHCf» والذي تستخدم نتائجه في دراسة الآشعه الكونية كمعرفة أصل الآشعه الكونية ذات الطاقة العاليه جدا.
كل هذه الأجهزة والمستشعرات لديها فرق من الباحثين تصل أعدادهم جميعاً إلي اكثر من ألف عالم يتسابقون جميعا للإكتشافات الثورية القادمة في الفيزياء.

شاهد في الفيديو هنا بالأسفل كيفية عمل المصادم في ثلاث دقائق

كيف تقوم منظمة سيرن بالتعامل مع البيانات الهائلة للتجارب؟
بوجود أكثر من 15 مليون جيجابايت من البيانات تنتجها مستشعرات المصادم كل عام فإن العلماء لديهم مهمة ضخمة بخصوص تلك البيانات.
كيف يتم تمرير هذا القدر الهائل من البيانات؟ وكيف يتم التعامل معها وتحليل محتواها لمعرفة النتائج بشكل دقيق؟
حتى بإستخدام الحواسيب الفائقة فإن هذا الكم الهائل من البيانات قد يستغرق آلاف الساعات، وفي نفس الوقت سيظل المصادم ينتج المزيد من النتائج والبيانات.
الحل الذي أوجدته منظّمة سيرن هو «شبكة مصادم الهادرونات الكبير للحوسبة». والتي تتكون من شبكة من الحواسيب، كل منها يقوم بتحليل قطعة من البيانات بمفرده، وبعد الإنتهاء من التحليل يقوم الحاسب بإرسال النتائج إلى إلى «الخوادمservers-» والأمر يشبه طريقة جوجل في التعامل مع البيانات.
باستخدام برمجيات متقدمة فإن شبكة الحواسيب قادرة على تخزين و تحليل المعلومات لكل تجربة من تجارب المصادم. النظام مُقسّم الى عدة أجزاء أو مستويات:

المستوى 0 هو نظام سيرن للحوسبة والذي يستقبل البيانات من المستشعرات و يقوم بتقسيمها لأجزاء لتستقبلها المستويات الأخرى.

المستوى 1 يتواجد في عدة مواقع في عدة دول، ويقوم بإستقبال البيانات من المستوى الأول عبر وصلات الإنترنت والتي تقوم بتمرير البيانات بسرعة  تصل ل10 جيجابايت بالثانية، ويقوم المستوى 1 بتقسيم البيانات ليرسلها للمستوى التالي من شبكة الحواسيب.

المستوى 2  يتواجد في الجامعات والمعاهد العلمية  ويكون متصلاً بالمستوى 1، وبعدما ينتهي المستوى 2 من تحليل البيانات يقوم بإرسال النتائج إلى المستويات الأعلى منه.

التحدي الذي يواجه سيرن بخصوص هذه البيانات الضخمة هو عامل الأمان. تقول المنظمة أن شبكة البيانات لا يمكن أن يتم حمايتها بجدار ناري-Firewall  وذلك لكبر حجم البيانات بالنسبة لقدرة الجدار الناري على الحماية، ولذلك تعتمد سيرن على نظام كشف هويّة وترخيص لمنع الوصول الغير مرخّص للبيانات.

بعض الناس قلقون حيال أمن بيانات المصادم، فهم يعتقدون أن المصادم قد يساهم في تدمير كوكب الأرض، ولذلك سنجيب على هذا التساؤل ختاماً للسلسلة.

هل سيدمر مصادم الهادرونات الكبير كوكب الأرض ؟
مَكّن المصادم العلماء من رصد تصادم الجسيمات بمستوي طاقة أعلي بكثير من أي جهاز سابقة  له، ولكن بعض الناس قَلِقُون حيال هذا الأمر ظناً منهم أن هذه التفاعلات القوية جداً قد يحدث اضراراً جسيمة للأرض.
في الحقيقة قام بعض الناس برفع قضايا ضد منظمه سيرن لإعاقة تشغيل المصادم، في مارس 2008 قام موظفو السلامة النووية السابقين «والتر وانجر» و«لويس سانكو» برفع شكوي إلي محكمه ولاية هاواي بالولايات المتحدة الأمريكية، و إدعيا أن تجارب المصادم تلك من المحتمل أن تقوم بتدمير العالم.
حسناً، ما الذي قد يدفع هؤلاء إلي رفع دعاوي كتلك إلي المحاكم، هل من الممكن أن يقوم مصادم الهادرونات الكبير بشيء قد يدمر العالم وينهي الحياة كما نعرفها ؟
أولي هذه المخاوف التي أثارت ذلك القلق هو الخوف من تكون ثقوب سوداء داخل المصادم، والثقوب السوداء هي مناطق تنهار فيها المادة وتتزايد كثافتها بشكل غير محدود وعادة تتكون الثقوب السوداء في الفضاء بعد موت نجم كبير في عملية تسمي «المستعر الأعظم» او «Super Nova» حيث تنضغط كتلة النجم بشكل كبير جدا وتزداد جاذبية تلك الكتلة بدرجة لا تسمح لاي شيء مهما كانت سرعته أو كتلته بالمرور حتي لو كان الضوء نفسه بسرعته المهولة.
ترد سيرن علي هذا بأن المصادم بالفعل قد يكون ثقوبا سوداء ولكنها ثقوب ميكروسكوبية فكما قلنا أن الثقب الأسود ينتج من نجم كبير، اذاً فما بالك بثقب ينتج من بروتون، وحتي لو لم يكن صغر الحجم مقنعاً، فإن الثقوب الميكروسكوبيه هذه تنهار وتضمحل بسرعه حسب الحسابات الفيزيائية.
ثاني هذه المخاوف هو أن المصادم قد يولد جسيمات غريبة تسمي «strangelets» ،والتي يظن بعض علماء الكونيات أنه قد يولد مجال جذبوي قوي قد يحول الكوكب بأسره إلي أرض خاوية من الحياة.
ترد منظمة سيرن علي هذه المخاوف بأنه ؛ أولاً: لم يرصد أي أحد مثل هذه المواد وهي فقط محض إفتراضات نظرية.
ثانياً: المجال المغناطيسي حول مواد كهذه سوف يطرد المواد العادية بدلا من تحويلها لشيء آخر.
ثالثا : حتي لو أن مثل هذه المادة وجدت فإنها سوف تضمحل مباشرةً إذا تكونت.
رابعاً : يقول العلماء ان آشعه الكون عالية الطاقة من الممكن ان تكون مثل هذه المواد طبيعيا، ولكن الأرض ذات شكل مدور لذا علميا مثل هذه المواد لن يكون لها تأثير وليست بمشكلة.
ثالث تلك المخاوف هو أن المصادم قد يولد «جسيمات أحادية القطب المغناطيسي-magnetic monopole»، وهو عبارة عن مغناطيس منفصل يحمل أحد القطبين المغناطيسيين دون الآخر.

إفترض وانجر و سانكو إستناداً إلي عالم الفيزياء «بول ديراك» أن ذلك الجسيم الذي له أحد قطبي المغناطيس دون الآخر قد يجذب المادة بعيداً بمجاله المغناطيسي غير المتزن، ولكن سيرن ترد بأن مثل ذلك الجسيم لا يدعو للقلق ولن يحدث تدميراً كهذا ، وهناك فريق من الباحثين يبحثون في المصادم عن أدلة لوجود مثل ذلك الجسيم.

رابع تلك المخاوف، هو الخوف من الإشعاعات التي قد تنتج من صدام الجسيمات عند تلك الطاقة العالية جداً والتي قد تؤذي الكوكب، ولكن تعود سيرن مرة أخري لتقول أن عوامل السلامة في المصادم ووجوده علي عمق 100 متر يجعل حجب المصادم كبيراً، كما أن الأفراد العاملين بالمصادم لا يسمح لهم النزول بالقرب من المصادم في أوقات التجارب، وسبب آخر هو أن الإشعاعات الكونيه عالية الطاقة تلك تتصادم دائما في الطبيعه مع الشمس والقمر وكواكب أخري وهي ما زالت مدورة وتملك شكلها المعتاد ولم يتم رصد أي ضرر حادث، ومثل هذه الإشعاعات تحدث في المصادم في بيئة يتم التحكم بها بدقة كبيرة وبإحتياطات سلامة كثيرة.

انتهت السلسلة المبسطه للتعريف بالمصادم الهادروني الكبير، والذي علي مر سنوات عمله قدم أسراراً كثيرة عن هذا الكون ومازال عطاء المصادم وعطاء سيرن مستمراً بإستمرار تجاربه ومازلت لدينا الكثير من الاسئلة قد تحمل تجاربه القادمة وبياناته الهائلة في طياتها وفي طيات الزمن إجابات لها.

نتمنى أن تكون السلسلة قد نالت إعجابكم….

 

إعداد: Ahmed Reda

تصميم: Ahmed Eltobshy

شارك المقال:

فريق الإعداد

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي