هل يمكننا الشعور بالتعاطف عبر عينة موجزة من السلوك؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
236

«إن الحَذق في العلم والَتفنُّن فيه والاِستيلاء عليه، إنما هو بحصول مَلَكَةٍ في

الإحَاطةِ بمبادئه وقَواعِدهِ، والوقوف على مسائلهِ واِستنباط فروعه من أصوله.

وما لم تُحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن المتناول حاصلًا»

ابن خلدون

إن البحث العلمي من أهم وأعقد أوجه النشاط الفكري الذي يعتمد عليه الإنسان كثيرًا لإثراء العلوم، وفي هذه المقالة تحليلٌ لأحد الأبحاث العلمية في مجال العلوم الإنسانية التي تهتم بدراسة أَثَر التعاطف عبر عينة من السلوك في بحثٍ بعنوان: (هل يمكننا الشعور بالتعاطف من عينة موجزة عن السلوك؟)

وقبل بداية المقالة يجب التفرقة بين مصطلحين أساسيين هما: «الأسلوب العلمي» المُتَّبع، و«المنهج العلمي» المُستخدم. حيث أن الأسلوب العلمي هو الإطَار الفكري الذي عَملَ من خلاله عقلُ مُقدمي البحث، أما منهج البحث فهو الخطوات التطبيقية لهذا الإطار الفكري.

وذلك الإطار الفكري اعتمد على دراسة نوعٍ من أنواع السلوك، وهو التعاطف كَعمليةٍ استدلالية، أما المنهج المُتَّبَع في هذه الدراسة فكان المنهج التجريبي، حيث قَدَّم الباحثون ثلاث تجارب، وقاموا بقياس مدى وتأثير بعض السلوكيات على المشاركين لإيضاح العملية بشكلٍ أدق في إطارٍ علميٍّ تطبيقي (تفسير وتنبؤ سلوك الآخرين بُناءً على استدلالات عن معتقدات وشخصية الشخص).

بَدَأ هذا البحث بالاستدلال عن مدى التعاطف عن طريق ثلاث تجارب، وعرض نماذج والحكم عليها إذا ما كانت تملك مقدارًا من التعاطف أم لا. ولكي ينشأ مثل هذا التساؤل كان على الباحثين أن يجدوا فجوةً في المعلومات لديهم، وهي أولى خطوات بناء أي بحثٍ علمي «إيجاد مشكلة أو فجوة في البيانات وتفسير جوانبها»، حيث أن بداية التساؤل العلمي تنشأ عندما يكون لدينا كمية معينة من المعلومات (المُعرَّفَة بالتخصص) وتشير هذه المعلومات أن هناك شيءٌ ما لا نعلمه. وذلك يعني أننا نملك معلوماتٍ غير كافيةٍ للإجابة عن التساؤل، أو أن المعلومات التي لدينا متضاربة وغير مناسبة للإجابة، وهذا يفسر وجود مشكلة. وخطوة تفسير وإيضاح جوانب هذه الفجوة وصياغتها بأسلوب علمي تحليلي هو ما يؤدي إلى الخطوة القادمة في البحث، وهي «بناء فرضٍ علميٍّ صحيحٍ قابلٍ للاختبار والقياس».

الفرضيات (hypotheses)

إن الفرضية هي الإجابة التخمينية القابلة للتجريب في هذا البحث كما حدث قبل الثلاث تجارب، حيث أن الفرضيات هي التساؤلات الصغيرة التي يسعى البحث للإجابة عنها من خلال التجريب.

إن هذه الفرضيات تحمل علاقة بين متغيرين أحدهما تابع، والآخر مُستقل. وتعتمد صياغة الفرضيات على الصور الشرطية في أغلبية الأبحاث (إذا حدث أ يحدث ب) أو في صورة جملة مفيدة مُحددة. ولإقامة فرضية جيدة يجب مراعاة بعض التحفظات أو الاعتبارات اللازمة:

أولًا، المرونة في تَبنِّي الفرضية: فالباحث الكُفء يكون على اِستعدادٍ لكي يُعدِّل من فرضيته أو يرفضها، إذا كانت هناك دلائل لا تتفق معها. ولكن هذا التحفظ ليس بالأمر السهل اليسير، فعندما يعتقد الباحث، وخاصةً المبتدئ بأن أفكاره تبدو قادرةً على تفسيرالكثير من الحقائق، وتبشِّر بالتقدُم، فقد يعميه هذا عن أي ملاحظة لا تأتي بدلائل تتفق مع أفكاره المتسلّطة عليه، أو تعديلها. ومن ناحيةٍ أخرى، يكون الإيمان بالفرضية والمثابرة عليها أمرًا مرغوبًا فيه إلى حدٍ كبيرٍ في بعض الأحيان. وهناك فرقٌ كبير بين الحالتين: ففي الحالة الأولى تَشبُّثٌ جامدٌ برأيٍ لا يصمد أمام الأدلة المعارضة، أما في الحالة الثانية فتتوفر مثابرة وإصرار على فرضية تصعُب إثباتها، ولكن ليس هناك دلائل مباشرة تضحده.

ثانيًا، الموضوعية في تناول الفرضية: يستلزم هذا التحفُّظ اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لضمان الموضوعية والبعد عن الهوى والتحيُّز والتعصب لما يتبنَّاه من أفكار. وخيرُ ضمانٍ لتحقيق ذلك هو تنمية الباحث لسلوكٍ عقليٍ واعٍ يُخضع من خلاله آراءه للأدلة الموضوعية.

ثالثًا، الاختبار الواعي للفرضية: يُعتبر اختبار أي فكرة وإخضاعها للتحقيق بكل دقة قبل تَقبُّلها والإذعان لها حتى بوصفها فرضية مؤقتة أمرٌ لازمٌ لضمان الإجراء السليم لسير البحث. وبالتالي ينبغي ألّا يتعجل الباحث باعتناق أي فكرة تطرأ على ذهنه، إذ يَصعُب التفكير في بديلٍ للآراء بعد تكوينها، ويكمن الخطر الأكبر في الفكرة التي تبدو أنها بدِيهية لدرجة أنها تُقبَل من غير مناقشةٍ تقريبًا. وقد يكون لكشف المغالطات الخطيرة نفس قيمة الاكتشافات الخلّاقة بالنسبة لتقدم العلم وتحريره من كل ما يُعيق انطلاقه.

وهكذا ينبغي أن يتسلَّح العالِم بعقليةٍ يقظة متفتحة تحول دون التحيز لأفكار قَبلية أو لدلائل جزئية.

(البحث العلمي مناهجه وتقنياته، محمد زيان، ص84)

لا يمكن تقديم الباحث للفرضية داخل البحث العلمي على هيئة تساؤلاتٍ فقط، بل عليه أن يتأكد من صحة الفرضيات ويقوم بسرد هذه الطريقة في بحثه، وهناك عدة طرق لاختبار الفرضيات، والمُتَّبعة منها في هذا البحث هي التأكد عن طريق المنهج التجريبي.

ولبداية اختبار الفروض، علينا في البداية وضع خطة تجريبية والتي تضمن اختيار العينة، وعلى الباحث مراعاة الدقة والموضوعية في اختيارها؛ لأن النتائج سوف تُعَمَّم على المجتمع الذي سُحِبت منه.

في البداية على الباحث اختيار الجمهور الذي يسعى لدراسته وتعريفه بدقة، وإذا كان عدد الجمهور قليلًا بحيثُ يُمكن دراسته وملاحظة كل فردٍ فيه فإنه يقوم بهذا، ولكن في بعض الأحيان يكون عدد الجمهور كبيرًا، ويصبح من غير المعقول دراسته، فيختار عددًا من المشاركين لدراستهم، وعادةً يتم الاختيار بالطريقة العشوائية، بِحيثُ تكون مُمِثلةً للجمهور الذي أُخِذَت منه.

أما الخطوة القادمة فتتمثل في عملية «تحديد الأدوات» التي سيستخدمها الباحث لسببين رئيسيين، الأول: تدبير المعالجة التجريبية. والثانية: تسهيل عملية جمع المعلومات. على العينة اختبار صحة الفروض. ورغم كل هذا فلن تنجح التجربة إلّا أذا اِستطاع الباحثون التحكم في المتغيرات. إن المتغيرات النفسية متغيرة في القيمة بين كل كائنٍ حي وآخر، ومن زمنٍ لآخر، وبحسب البيئة المحيطة به. والمتغيرات قد تكون متصلة: بمعنى أن الشخص يستطيع أن يُغيِّر من وضعه في أي لحظة ولو بقدرٍ صغير، وقد تكون غير متصلة: ويُقصد بها المتغيرات الموضوعة في فئات.

إن باحث علم النفس يبحث العلاقة بين المتغيرات المستقلة والتابعة، والمُجرِّب يسعى إلى تقرير ما إذا كان المتغير المستقل يؤثر على المتغير التابع أم لا. والمتغير المُستقل هو الذي يَتحكم فيه الباحث ويستطيع أن يغير فيه من حيث النوع والشدة والكم وما إلى ذلك، ويرى نتيجة ذلك على السلوك أو على المتغير التابع كما حدث في التجارب التي سبق ذِكرُها في البحث.

وبعد تحديد الأدوات اللازمة للبحث وعمل التجارب، والتي صُنِّفَت كَمُقابلاتٍ شخصيةٍ مع المتطوعين (المفحوصين) كتقنيةٍ من تقنيات البحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية في هذا البحث، يحين الوقت لاستخدام لغة الإحصاء. إن الإحصاء من أهم وألزم التقنيات في كثيرٍ من البحوث، حيث أنها تُزوِّد الباحث بطرقٍ سهلةٍ لتصنيف البيانات التي جُمِعَت أثناء الدراسة، ثم تحليلها بشكلٍ دقيقٍ كما حدث مع الباحثين أثناء البحث، فكانت لغة الإحصاء هي سبيلهم الوحيد لحساب المتوسط الحسابي للدرجات التي قاموا بجمعها؛ لتقنين النتائج وتوصيفها بشكلٍ يُجيب عن الفرضيات التي تم وضعها قبل البدء بالتجارب.

هل يُمكننا أن نُحدِّد قُدرة الشخص على استقبال وتبادل المشاعر الواعية مع الآخرين ( تعاطفه مع الآخرين) بناءً على أفعالٍ بسيطة؟

كتب البحث كلٌّ من:-

“Wenjie Wu”, “Elizabeth Sheppard” and “Peter Mitchell”

School of Psychology, South China Normal University, Guangzhou, China

School of Psychology, University of Nottingham, UK

(نظرية العقل)
وتشتمل عمليات مُعينة ليتم بها تفسير وتنبؤ سلوك الآخرين بناءً على استدلالات عن معتقدات وشخصية الشخص. يدرس هذا البحث مدى كفاءة وصحة استدلال المشاركين على مقدار تعاطف الشخص. يتم الطلب من المشاركين أن يستدلِّوا على مدى «تعاطف الشخص مع الآخرين» بعد مشاهدة أو سماع شخصٍ غير مألوف لعدة ثواني وهو يقرأ بصوتٍ عالٍ مقالًا دعائيًا أو يُجيب عن أسئلةٍ شخصية أو أن يقول شيئًا فكاهي. ووضَّحَت نتائج ثلاث تجارب أن المشاركين استطاعوا بشكلٍ جيد تحديد الأشخاص ذوي القدرة الكبيرة على التعاطف مع الآخرين أو القدرة الصغيرة جدًا، ولكن لم يستطيعوا بشكلٍ جيد تحديد الأشخاص ذوي القدرة المتوسطة على التعاطف مع الآخرين. وكانت استدلالات المشاركين الخاصة بالاستدلال على القدرة الكبيرة على التعاطف مع الآخرين مبنيةً بشكلٍ أساسي على دلائل من تصرف الآخرين، سواءٌ أكانت في مقطع الفيديو، أو خلال قراءة المقال الدعائي، أو حتى الصوتي. ومع ذلك، لم يتم الاستدلال بنفس الكفاءة على الأشخاص ذوي التعاطف المتوسط، أو ذوي التعاطف المنخفض من خلال فيديو قراءة المقال، أو من خلال المقطع الصوتي. ونختم باستنتاج ومناقشة مدى وقيمة تلك القدرة الاستدلالية.

يتجسد تفكير وعقول البشر إلى حدٍ ما في تصرفاتهم وأفعالهم. والقدرة على تفسير الأفعال لكي نقرأ العقول هي بالطبع قيمةٌ كبيرة؛ لتمنحنا قدرةً أكبر على التكيف.

(قراءة العقول)

هي القدرة على التفسير والتنبؤ بتصرفات الآخرين عن طريق الاستدلال على معتقدات الشخص بناءً على الموقف الذي يكون به، وعن طريق الاستدلال على سمات الشخص فإنه بمقدورنا الاستدلال على معتقدات الآخرين، كما سنتمكن من التفسير والتنبؤ بأفعالهم. ويعني ذلك أننا نكون متفاعلين ومؤثرين في البيئة الاجتماعية عن طريق التجاوب برد الفعل ليس إلَّا. وبمقدرتنا على الاستدلال بشخصية الآخر وسماته وبالأخص مقدار تعاطفه مع الآخرين فإن ذلك سيكون سمة فعالة جدًا؛ حيث سنتمكن من معرفة مَن مِن الممكن أن يكون لطيفًا ومن لا، أو مَن يهتم ويرعى الآخرين ومَن لا.

تم تجسيد جانبين من (قراءة العقل- الاستدلال على حالات شعورية مؤقتة أو سمات في الشخصية) في شخصية (تشارلوك هولمز) والذي كان بإمكانه أن يُفسِّر أفعال شخصٍ ما عن طريق تَخيُّل نفسه مكان الشخص، وبعدها يحاول أن يتصور ما حدث لذلك الشخص لكي يدفعه للتصرف بطريقةٍ ما، يُطلَق على هذه العملية حاليًا (قراءة العقل عن طريق المحاكاة العقلية). ولكي يتم ذلك بكفاءة، علينا أن نتمكن من أن نستدل على شخصية الشخص لكي نعرف ما نحتاج من تعديلات للتصوُّر عند محاكاة عقل هذا الشخص. ولذلك السبب، من أهم سمات الشخصية هي: «مقدار تعاطف الشخص مع الآخرين». ويمكننا عن طريق المحاكاة العقلية معرفة من يكون متعاطفًا مع الآخرين ومن لا، الشيء الذي يُمكِّنُنَا من تحديد نوعية أصدقائنا.

يختلف هذا الإسهام البحثي عن الأبحاث الماضية الخاصة (بقراءة العقل) والتي كانت تميل إلى التركيز على أسباب وأخطاء رأي المشاركين على كيفية تفكير الآخرين، والتركيز على قدرة الأشخاص على الاستدلال على الحاله العقلية المؤقتة، بينما يتم إهمال قدرة الأشخاص على الاستدلال على سمات الشخصية. وجنبًا إلى ذلك، اتجه بحثٌ عن الإدراك (جاء في قسم الحالة الخاصة في جريدة علم النفس البريطانية ونُشرت في نوفمبر 2011) إلى عدم تَبيُّن العمليات المُتضمَّنَة في (قراءة العقل)، وجاء هذا البحث لسد الفجوة بين هذين البحثين عن طريق التحقيق عن مدى استطاعة البشر تحديد (مقدار التعاطف الذي يملكه الشخص للغير) كسمةٍ في شخصيته، وليس كحالةٍ مؤقتةٍ في سياقٍ مرتبطٍ بـ(قراءة العقل).

هناك أبحاثٌ عِدّة بحثت عن مدى قابلية الكثير من السمات الشخصية للإدراك والكشف عنها، ولكن هذا البحث يهدف إلى شيءٍ آخر، فوضَّحَت الأبحاث السابقة قدرة الأشخاص على تحديد سمات الشخصية، ولكن لم تُوضِّح القدرة على تحديد مستويات مختلفة لتلك السمة؛ حيث لم تستطع تحديد من يملكها بشكلٍ كبير ومن يملكها بشكلٍ متوسط. ولذلك كان هدف البحث هو التحقيق إلى أي مدى يمكن للشخص تحديد موقع الشخص المُراد دراسته على تدرج «التعاطف مع الآخرين»، هل يقع في المنتصف أم يبلغ درجة عالية من التعاطف أم قليلة، وهل هذه العملية بنفس سهولة تحديد الأشخاص حسب من يملك تعاطفًا عاليًا ومن يملك تعاطفًا قليلًا جدًا، أم أن تحديد مستوى معين لدى الأشخاص عن مستوى آخر يكون سهلًا. وسوف تُوضِّح لنا نتائج البحث مدى إمكانية تحديد الأشخاص ذوي المستويات المختلفة من التعاطف، وتزودنا بالمعرفة عن مدى دقة الأشخاص في (قراءة العقل).

أظهرت أبحاثٌ في (قراءة العقل) أن المتخصصين في هذا المجال يمتلكون موهبة الاستدلال على حالة الشخص عن طريق معلومات لحظية أو قليلة، وفي بعض الحالات يُمكنهم تحديد -وبدقة عالية- ما يمكن لشخصٍ ما أن يُفكِّرَ فيه أو يشعر به خلال موقفٍ معين، ويمكنهم تحديد ما يشعر به الشخص أثناء حديثه، ويمكنهم التخمين بشكلٍ جيد ما حدث لشخصٍ ما بعد مشاهدتهم له في مقطع فيديو يستمر لثوانٍ معدودة للشخص في يومه الاعتيادي. من الواضح أن البشر ماهرون في تفسير الأفعال عن طريق الاستدلال من المواقف التي تُثير التعاطف. على سبيل المثال، من خلال مشاهدة رد فعل شخص في مقطع فيديو صامت، يُمكن للملاحظ أن يُخمِّن أن الشخص يستمع لشخصٍ آخر يحكي عن صعوبة يومه وليس إلى شخصٍ يحكي فُكاهة أو يمدح الشخص الآخر. مع ملاحظة أنه باختلاف الأشخاص الذين يمرون بنفس الموقف تختلف معهم ردود أفعالهم، ومع ذلك يتمكن الملاحظ من الاستدلال على مجموعة من ردود الأفعال التي يُسبِّبها نفس الموقف، ويُوضِّح لنا ذلك أن الملاحظين يفهمون أن الأشخاص يتصرفون بردود أفعالٍ مختلفة لنفس الموقف، مما يعني أنهم يفهمون كيف يتصرف الشخص، وهذا في الواقع يعتمد على الموقف بجانب شخصيته. وتوجِّهنا تلك الدارسة إلى أن نسأل إلى أي مدى يُمكن للملاحظ أن يُحدد جوانب الشخصية بدقةٍ مثل التعاطف من خلال الاستدلال بأفعال قليلة.

التعاطف هو حالة تُسبِّبها الكثير من المواقف، ومقدار التعاطف يختلف بين الناس حيث الميل للتعاطف يعكس أفكارًا وأفعالًا متناسقة مع أنماط الشخصية ومتعلقة بالتعاطف. وَثَّقَت الأبحاث قدرة الأشخاص على الاستدلال عن سمات الشخصية بناءً على معلوماتٍ محددةٍ مُستمدةٍ من التصرفات. بإمكان الملاحظين الاستدلال على سمات الشخصية بشكلٍ سريع وروتيني وعفوي وحتى في غياب أي أدلة أو تلميحات عندما يُحاولون تفسير أو التنبؤ بتصرفات الأشخاص، وبالإضافة إلى ذلك، يُمكن للملاحظين تحديد سمات الشخصية بشكلٍ كبيرٍعن طريق مشاهدة «مشية» الشخص، وحتى عن طريق مُشاهدة مقطع فيديو لنشاطٍ اعتيادي مثل قراءة شخص لحالة الطقس، أو قول شيء فكاهي، أو غناء، أو أثناء تعارفه على شخصٍ ما، ويستطيع الملاحظون التخمين وبسرعة خمس سماتٍ أساسية في الشخصية، وأحد التفسيرات لذلك أن تعبيرات الوجه والسلوك بما يشمل التحدث، تُظهر أدلةً عن الحالة العقلية والتصرفات النفسية للشخص، ويبدو أن الملاحظين لديهم قدرة كبيرة على استقبال وتحليل تلك المعلومات.

وباعتماد أسلوب يتسم بالدقة والتوجيه حيث يتم مقارنة السمات المُستدَل عليها عن الآخرين بمعياٍر دقيق مثل تقارير التقييم الذاتي، طُلِبَ من الملاحظين تحديد مقدار عاطفة الآخرين، ويتم بعد ذلك مقارنة استدلالات الملاحظين مع معيارٍ موضوعي، وحيث أن سمات الشخصية تُظهِر أنماطًا عابرة من السلوك والتي تتجاوز وقتًا أو موقفًا معينًا، استخدمنا نماذج صغيرة من سلوكٍ مستمر لفترة ما. وتم اعتماد إجراء (عدم وجود أي خلفية أو معرفة مُسبقة بالشخص المراد دراسته) حيث يُطلَب من الملاحظ أن يُحدِّد سمات شخصية الشخص مع عدم وجود أي معرفة مسبقة به، والذي يؤكد أن الملاحظ استدل على حُكْمِهِ من وجود سمة التعاطف لدى الشخص بناءً على تلك الشريحة الصغيرة من السلوك وبعيدًا عن أي معرفة مسبقة بالشخص.

تَبنَّى البحث مقياس (حاصل التعاطف–EQ) والذي يتميز بسماحية تطبيقه على نطاقٍ واسع وموثوقيته وصحته، وتم تطويره على يد كلٍّ من (بارون كوهن وويل ويت)، لقياس مدى قدرة الشخص على استقبال وتبادل المشاعر الواعية مع الآخرين. ويغطي استبيان EQ قياسات شاملة للبنية التعاطفية للشخص وبما يشمل ذلك العوامل المعرفية والروحية، ويَتكوَّن المقياس من أربعين بندًا تَخُصُّ السلوكيات المرتبطة بالتعاطف، مع تقييمٍ عام والذي يُستخدم في تحديد الفروق الفردية في الميل للتعاطف، وأكمل كُلُّ الأشخاص استبيان الـ EQ، والذي وَفَّر مقياسًا لتحديد ما إذا كان بإمكان الملاحظين تحديد مدى التعاطف مع الآخرين.

شاهد الملاحظون في هذا البحث مقاطع فيديو قصيرة لسلوكيات الأفراد وبعدها خَمَّنَوا مقدار التعاطف لدى الشخص، وحيث أن (قراءة العقل) تتم بشكلٍ سريعٍ بُناءً على معلومات قليلة، سَعينا إلى اكتشاف إلى أي مدى يُمكن أن تصل قلة المعلومات وتكفي للاستدلال عن التعاطف لدى الأشخاص بشكلٍ ناجح.

التجربة رقم 1

الطريقة:-

المشاركون:- كان عدد الملاحظين 90 طالبًا (41 رجلًا) بين أعمار 18 إلى 32 عامًا بمتوسط 21 عامًا، وهم متطوعون من جامعة نوتنغام ماليزيا. عُرِضَ على الملاحظين صورًا للأشخاص المُراد دراستهم (أُخدت من مقطع الفيديو) وكان يتم قبولهم في البحث بناءً على عدم رؤيتهم للأشخاص المُراد دراستهم من قبل، عُرِضَ على الملاحظين بشكلٍ عشوائي مقاطع فيديو للمحادثة أو عرض فكاهي.

المواد:-

تم تجهيز 141 مقطع فيديو، تم التقاطهم في مواضع مختلفة من المحادثة وقراءة مقطع فكاهي أو أثناء تجهيز موقع التصوير، وكان لكل موضع 47 مقطع فيديو، وتم تقسيم الملاحظين إلى ثلاث مجموعات من 30 شخص، وتم عرض لكل مجموعة 47 مقطع فيديو، سواء أثناء القراءة أو المحادثة أو المقطع الفكاهي، وتم عرض كل مقاطع الفيديو باستخدام برنامج psychopy على جهازٍ محمول.

تم تصوير الأشخاص باستخدام كاميرا sony handcam DCR-SR60، وتم تصوير 47 شخصًا تطوعوا من جامعة نوتنغام ماليزيا (24 رجلًا) أعمارهم من 18 إلى 32 عام بمتوسط 21 عامًا والذين استجابوا للقيام بإعلانٍ دعائيٍ للجامعة. عند وصولهم، تم تصويرهم خلال تجهيز أدوات وموقع التصوير وتصويرهم وهم يُلقون نصًا فُكاهيًا. تم تصويرهم كلًّا على حدة في المختبر، وتم وضع الكاميرا على حامل ثلاثي على بُعد 1.2 مترًا من الشخص، بحيث يتم التقاط وجه الشخص والجزء العلوي من جسده. جلس الباحث في الجهة المقابلة بحيث لا يَظهر في الصورة. وبدون معرفة الشخص، تم البدء في التصويرمع دخول الشخص المُختبَر (وفي وقتٍ لاحق، أعطى كل المشاركين موافقة كتابية على السماح باستخدام مقطع الفيديو لأهدافٍ علمية) وبعد أن يقرأ المُشارك بعض المعلومات ويشمل ذلك مقطعًا فكاهيًا واختبار تمثيل، يبدأ الباحث بمحادثة مبدئية بمجموعة من الأسئلة (ويكتب إجابة المشارك) عن اسم المشارك، وعمره، وما يدرسون، ومن أين أتوا… إلخ. وتستمر المحادثة حوالي دقيقتين، ثم بعد ذلك بشكلٍ ظاهري يتم وضع الكاميرا على بدء التصوير، ويُطلب من المشارك أن يُصوِّر مقطعًا فكاهي، وبعد استراحة استمرت دقيقة، طُلِبَ من المشارك أن يقرأ بصوتٍ عالٍ نصًا اختباري، ثم تَبِعهَا استراحة لمدة دقيقة واحدة، ثم طُلِبَ من المشارك أن يملأ استبيان EQ وكان متوسط النتائج من 19 ل 61 (المتوسط = 37.96) حيث النتائج من 0: 32 يكون EQ منخفضًا، وكانت تلك نتيجة 12 مشاركًا. ومن 33 :52 يكون EQ متوسطًا، وكانت تلك نتيجة 31 مشاركًا. ومن 53 :63 يكون EQ أعلى من المتوسط، وكانت تلك نتيجة 4 مشاركين. ومن 64:80 يكون EQ مرتفعًا. ولم يصل أي مشارك إلى ذلك المستوى. وللحفاظ على أربعة مستويات تم تقسيم المستوى المتوسط إلى قسمين من 33 : 41 (20 مشاركًا)، ومن 42:52 (11 مشاركًا)، وتم دمج المستوى فوق المتوسط مع المستوى المرتفع في مستوى واحد، ويبدأ من 53 : 80، وتم تصنيف تلك المستويات الأربعة حيث المستوى الأول (12 مشاركًا، 6 رجال) المستوى الثاني (20 مشاركًا، 10 رجال) المستوى الثالث (11 مشاركًا، 5 رجال) المستوى الرابع ( 4 مشاركين منهم 3 رجال) حيث المستوى الأول يكون صاحب EQ منخفض والمستوى الرابع صاحب EQ مرتفع.

تم تجهيز ثلاثة مقاطع فيديو لكل مشارك، تحتوي على المقطع الفكاهي أو مقطع الاختبار، يبدأ الفيديو مع بداية عرض المشارك للمحتوى، وينتهي بعد انتهاء المشارك من قراءة النص بثانيتين، وكان متوسط الفترة الزمنية لمقطع فيديو المحادثة 30.87 ثانية، وللمقطع الفكاهي 8.94 ثانية، وللاختبار 29.36 ثانية. ولأن المحادثة استمرَّت دقيقتان كاملتان فتم أخذ 30 ثانية من بداية بعض المحادثات (ل15 مشارك، وكان الاختيار عشوائيًا)، ولبعض المحادثات من المنتصف (16 مشارك وكان الاختيار عشوائيًا)، ومن نهاية المحادثة لـ16 مشاركًا. وللثلاثة سيناريوهات، تم تجهيز مقاطع الفيديو لعرض الأجزاء الناشطة منها خلال حديث المشارك.

الإجراءات:-

اُختبِرَ الملاحظون بشكلٍ فردي، وتم البدء باستكمال استبيان الـ EQ، والذي استغرق حوالي 10 دقائق، وبعد الانتهاء، تم إخبارهم أن الاستبيان يقيس مقدار التعاطف ومن ثم تم منحهم نص يحتوي على تعريفٍ مبدئيٍ عن التعاطف والـ EQ، وتوضيح معنى الأربع مستويات للـ EQ.

وكان النص:-

إن الاستبيان الذي أنهيته يُدعى بحاصل التعاطف EQ والذي يقيس تعاطف الشخص؛ حيث يُعرَّف بأنه القدرة على استقبال وتبادل المشاعر الواعية مع الآخرين، ويستجيب بشكلٍ مناسب للحالة العاطفية والعقلية للشخص. وبالنسبة للبالغين، يقع مدى الـEQ من 0 : 32، 33:41، 42:52، 53:80، حيث 0:32 يعنى EQ منخفض، 33:41 و42:52 تعني EQ متوسط، 53:80 تعنيEQ مرتفع. الـEQ منخفض أو متوسط أو مرتفع تعني مستواها من حيث القدرة التعاطفية للشخص.

بعد ذلك تُوضِّح الباحثة للملاحظين أنها لم تمتلك الوقت الكافي لتُحدِّد مستوى الـEQ لهم وسوف تفعل ذلك لاحقًا، وبعد ذلك عُرِضَ 47 مقطع فيديو بشكلٍ عشوائي على كل ملاحظ باستخدام برنامج psychopy على جهاز المحمول. وبعد عرض كل مقطع فيديو يظهر على الشاشة تدرجًا مكونًا من4 مستويات لل EQ (المستوى الأول ويعنيEQ مُنخفض ومستوى أربعة يعنى EQ مرتفع) وبعد ذلك يختار كل ملاحظ باستخدام الفأرة أحد المستويات EQ للمشارك الذي عرض له مقطع الفيديو، وبمجرد أن يختار الملاحظ المستوى، يبدأ عرض مقطع الفيديو التالي، ويتم تسجيل استجابات الملاحظين من قبل البرنامج لتحليلها لاحقًا، واستغرق الملاحظون في المتوسط 15 دقيقة لمشاهدة وتقييم مقاطع الفيديو الفكاهية و40 دقيقة لمقاطع المحادثة والاختبار.

النتائج والمناقشة:-

التحليل الأوَّلي:-

كان متوسط الـ EQ للملاحظين هو 38.77 في سيناريوهات المحادثة، و37.07 لسيناريوهات المقاطع الفكاهية و39.47 لسيناريوهات الاختبار، لم تُحدِّد عينات اختبار t-tests المستقلة أي اختلافات بين متوسط الـ EQ للملاحظين والـ EQ للمشاركين (وكان متوسط الـEQ للمشاركين 38.43) ولم يكن هناك أي أدلة على وجود اختلافات في قيم الـEQ بين ثلاث مجموعات من الملاحظين بناءً على one-way ANOVA، ولم تُظهر اختبار t-test أيَّ فرق بين الجنسين من حيث قيم الـ EQ للمشاركين أو الملاحظين.

قَيَّمَت ثلاث مجموعات من الملاحظين كل السبعة وأربعين متطوعًا، وأصبح لكل متطوع ثلاث قيم متوسطة للـEQ من قِبَل الملاحظين الذين شاهدوه عبر فيديو المحادثة، وأثناء فيديو الفكاهة، وفيديو أثناء الاختبار التمثيلي. وكان التفاوت بين تلك التقييمات عاليًا حيث: r=0.67، وكان بين المقطع الفكاهي ومقطع الاختبار r=0.62، بين مقطع الفكاهي والمحادثة 0.68، وبدون التشدد في مدى دقة الملاحظين في تقييمهم، على الأقل هناك بعض المتطوعين خلال الثلاث سيناريوهات تم تقيمهم بـEQ ثابت من قِبَل الملاحظين.

الملخص:-

اتخذ الملاحظون تصحيحًا منهجيًا لدقة تخميناتهم لـEQ المتطوعين في ظروفٍ مختلفة بعد مشاهدة مقطع فيديو قصير، كانت تخميناتهم صحيحة بخصوص التدرجات المتطرفة (1 و4) وضعيفة بخصوص التدرجات المتوسطة ( 2 و3 ). بشكلٍ عام، أدَّى الملاحظون تخميناتٍ جيدة بخصوص التدرج الرابع في سيناريوهات المحادثة والفكاهة أكثر من سيناريو اختبار التمثيل، وكانت أسوأ التخمينات للتدرج الثاني في السيناريو الفكاهي أكثر من أي سيناريو آخر.

لماذا فشل الملاحظون في تحديد المتطوعين الذين يقعون في متوسط التدرج؟ هل يعود ذلك إلى أن تدرُّج 2 و3 في الأصل هم تدرجٌ واحد؟ أم يعكس هذا حدود الملاحظين في تحديد المتطوعين أصحاب الـEQ المتوسط؟

هل من الممكن أن يكون المُنحنى هو نتاج مجموعة تأثيراتٍ مختلفة؟ يُمثِّل المتغير المعتمد على القيم عدد مرات التخمين الصحيح للملاحظ مقسومين على عدد المرات الخطأ للتخمين. يمكن القول أن هناك فرص كثيرة لتكون التخمينات خاطئة على مستوى التدرجين 2 و3، على عكس التدرجين 1 و4. على سبيل المثال،عند اختيار التدرج الثالث يكون هناك تدرجان مجاوران له 2 و4، ولذلك هناك احتمالية أن يكون الخطأ أكبر بالنسبة للمستويين المتوسطين 2و3 أكثر من المتدرجين المتطرفين 1و4، وهذا يؤدي إلى منحنى ذي قيمٍ زائفة. تم التعامل مع تلك المسألة إحصائيًا بحيث تكون احتماليات حدوث خطأ على الأربع تدرجات متساوية، ثم بعد ذلك تم تكرار التحليلات. معدل خطأ التخمينات لكل مستوى EQ تم التعامل معه للحالات، حيث معدل الصواب من الممكن أن يكون قيمته هي قيم الصواب للتدرج المجاور، ومتوسط قيم الصواب للتدرجين المجاورين، في حالتي التدرج 2 و3.

تم الحصول على نفس المنحنيات حتى بعد تلك التعديلات، وتم الحصول على نفس النتائج ليس فقط في تلك التجربة، ولكن في التجربتين الآخرتين المذكورتين في البحث، وعلى ما يبدو أن الملاحظين كانت قدرتهم محدودة في تخمين قيم الـ EQ للمتطوعين أصحاب الـ EQ المتوسط وهذا ما سبَّبَ تَكوُّن منحنًى بشكل U.

التجربة 2:-

بناءً على نتائج التجربة 1، إنه لأمرٌ جيد أن يكون مشاهدة جزءٍ من السلوك لمدة ثوانٍ كافٍ للملاحظين لتحديد مستوى EQ للمتطوعين، وكانوا جيدين في تخمينه للمتطوعين أصحاب الـ EQ المرتفع والمنخفض. ربما القدرة على تحديد السمات المرتفعة والمنخفضة لدى الآخرين هي قدرة تكيفية عالية، حيث أن الأشخاص ذوي السمات المتوسطة يتِّبِعُون سلوكًا بناءً على ملامح الموقف، بينما الأشخاص ذوي السمات المرتفعة والمنخفضة يتصرفون خلاف ذلك. وفي هذه الحالة، التنبؤ بالسلوك يعتمد على مقدرة الملاحظ أن يأخذ في الحسبان سمات شخصية الشخص. إذا كان الأمر أن قدرة الملاحظين جيدة فيما يخص الأشخاص ذوي الـ EQ المرتفع والمنخفض، فسوف يتكون منحنى U في التجارب الأخرى، وهذا ما تم اختباره في تجربتيّ 2 و3.

هدفٌ آخر للتجربة 2 لتسليط الضوء على كيفية استدلال الملاحظ على مستوى التعاطف لدى المتطوعين، وبالأخص، هل يمكن أن يُخمِّن الملاحظ بالشكل الصحيح حتى بمجرد مشاهدة صورٍ فوتغرافية للمتطوعين؟ يبدو أنه من المنصف الافتراض أن سلوك المتطوعين هو ما يُظهر مقدار التعاطف لديهم وأن مجرد صورة ثابتة للمتطوع من الممكن ألَّا تكشف معلوماتٍ كافية لكي يَستدِل بها الملاحظ بشكلٍ دقيق. خلاف ذلك، هل تُوفِّر صورة فوتغرافية في أي موضع حتى في موضعٍ اعتيداي معلوماتٍ كافية لتحديد مستويات EQ المرتفعة والمنخفضة؟ أظهر بحثٌ جديد أن باستطاعتنا أن نُحدِّد بعض سمات المستويات، المرتفعة منها والمنخفضة بعد مشاهدة صورةٍ لشخصٍ في موضعٍ اعتيدايٍّ لبضع ثوانٍ. ولذلك من المحتمل أن يتمكن الملاحظون في تجربتنا الأولى أن يُخمِّنوا بشكلٍ دقيقٍ مستوى الـ EQ فقط من خلال مظهر المتطوعين بدلًا من سلوكياتهم. وبجانب ذلك، هل أن التقاط صورة لشخص وهو يقول شيئًا فُكاهي كافٍ لتحديد الأشخاص ذوي الـEQ المرتفع والمنخفض؟ إذا كان هذا صحيحًا، إذًا سوف يتمكن الملاحظون من تحديد الأشخاص ذوي الـEQ المتطرف سواء اُلتقِطَت لهم الصورة وهم يقولون شيئًا فكاهيًا أو أُخِذَت الصورة من بداية الفيديو عندما كان المتطوعون لا يُعبِّرون عن شخصٍ محدد. وإذا كان هذا خاطئًا فعلى الملاحظين أن يَتمكَّنوا من تحديد الأشخاص ذوي التعاطف المرتفع والمنخفض في حالة الصورة الفوتغرافية عندما كانوا يقولون بعض الكلمات ولا يتمكَّنوا من ذلك في أي موضعٍ آخر، وكان هدف التجربة الثانية هو توضيح تلك الأمور.

الخطوات:-

المشاركون:-

تَطوَّع 60 طالبًا (33 رجلًا) أعمارهم تتراوح بين 18 عامًا و25 عامًا (متوسط أعمارهم 21 عامًا) وكانوا متطوعين من جامعة «سنواي»، تم تقسيم الملاحظين بشكلٍ عشوائي إلى مجموعتين تَتَكوَّن كلٌّ منها من 30 طالبًا ليُعرَض عليهم مجموعة من الصور في موضعٍ مُحدد أو ظروفٍ أخرى كما هو سيوضح بعد الانتهاء من التجربة، سُئِل الملاحظون إذا كانوا قد رأوا المتطوعين من قبل أم لا، وتم تسجيل النتائج للأشخاص الذين لم يروا أحدًا من المتطوعين من قبل.

الأدوات والإجراءات:-

بسبب الحصول على نتائج مماثلة من الثلاث سيناريوهات من التجربة الأولى، وبسبب أن تقييم الملاحظين للـEQ للمتطوعين مرتبط ببعضه بشكلٍ كبير خلال الثلاثة سيناريوهات، تم استخدام السيناريو الفكاهي فقط في التجربة الثانية للتبسيط والتوضيح إلى أي مدى تبلغ دقة الملاحظين عند استخدام أقل عددٍ من المعلومات (المقاطع الفُكاهية كانت الأقصر من بين السيناريوهات). تم استخدام صورتين لكل متطوع، واحدة عند بداية إلقاء المقطع الفكاهي والأخرى عند الانتهاء منه)، وتم تًسمية الصورتين (حالة الصورة الأولى)، (حالة الصورة الثانية). تم تعديل كل الصور لتكون مُوَّحدة القياس باستخدام برنامج windows movie maker لتُكافئ نفس فترة الاستمرار للفيديو الفكاهي في التجربة الأولى، تم عرض كل صورة لمدة 9 ثوانٍ، تم عرض كل الصور مُلوَّنة على جهاز المحمول باستخدام Psychopy. بشكلٍ عام، كانت الإجراءات مماثلة للتجربة الأولى.

النتائج والمناقشة:-

النتائج الأولية:- كان متوسط EQ للملاحظين في حالة الصورة الأولى 38.17 وفي حالة الصورة الأخيرة 35.13، ولم تُوضِّح عينات t-test المستقلة أي اختلافات بين متوسط EQ للمتطوعين والملاحظين، وليس هناك أي دليل على وجود اختلافٍ بين قيم متوسط EQ بين المجموعتين من الملاحظين.

كما أوضحت عينات t-test المستقلة أن قيمة متوسط EQ للملاحظين الإناث أعلى من الذكور.

الملخص:-

أعطت النتائج من الصور في التجربة الثانية نفس منحنى U الذي كان في التجربة الأولى. على الرغم من ذلك، بما يخُصُّ الصورة الأولى لم يظهر منحنى U، وبالأخص لم يُخمِّن الملاحظون جيدًا أيًّا من المتطوعين لديه EQ منخفض، وكما اتضح أن المعلومات المتوفرة من متطوع يقرأ فكاهة كانت كافيةً للملاحظين للاستدلال على المتطوعين ذوي التعاطف المرتفع والمنخفض، والصور التي كان بها المتطوعون أقل تعبيرًا عن أي شيء، مجرد قراءة سطورٍ عادية قبل أن يصل إلى النص الفكاهي، لم تكن كافية للملاحظين لتخمين مستويات الـEQ المنخفضة.

التجربة الثالثة:-

أوضحت التجربتان السابقتان قدرة الملاحظين على الاستدلال على مقدار التعاطف لدى المتطوعين بناءً على معلوماتٍ بصرية للسلوك. هل سيتمكَّن أيضًا الملاحظون من تحديد الأشخاص ذوي التعاطف المرتفع والمنخفض بعد السماع لمحادثة المتطوعين لمدة ثوانٍ؟

أظهرت دراسات سابقة أن البشر يستطيعون أحيانًا توقع السلوكيات اليومية للآخرين بعد سماع القليل من الأصوات التي تُسجِّل نشاطاتهم اليومية. يستطيع البشر الاستدلال على مشاعر الآخرين أثناء استماعهم يتحدثون عن تجاربهم الحياتية. إذا لم يكن الصوت مرتبطًا بحياة الفرد الشخصية ولكنه عبارة عن قراءة بعض الأسطر بصوتٍ مُرتفع كما هو الحال في السيناريو الفكاهي، هل سيتمكن الملاحظون من تحديد الـEQ للمتطوعين بدقة؟

تَعرِض التجربة الثالثة ظروفًا جديدة، حيث سيتمكن الملاحظون من سماع صوتٍ تسجيلي لسيناريو الفُكاهة. هل التَمكُّن من تحديد الـEQ يعتمد على المعلومات البصرية أم الأدلة الصوتية كافية لذلك؟ رجَّح بعض الباحثون أن الوجه (وبالأخص العينان) هو المصدر الرئيسي للمعلومات النفسية، إذا كانوا على صواب، إذًا نتوقع أن يكون الملاحظون أكثر دقة في التخمين من خلال مقطع الفيديو، والتي هي كما مُوضَّحَه بالأسفل:

الخطوات :-

المشاركون:-

تطوَّع 60 طالبًا (32 رجلًا) تتراوح أعمارهم من 18 إلى 23 عامًا (بمتوسط 20 عامًا) وكانوا متطوعين من جامعة «نوتنغام» ماليزيا، تم عرض صور المتطوعين على الملاحظين وتم استبيان ما إذا كانوا قد رأوا المتطوعين من قبل، والذين أجابوا بالنفي هم من سُجِّلَت نتائجهم بالبحث، تم تقسيم الملاحظين إلى مجموعتين كل مجموعة تتكون من 30 طالبًا سواء كان لمشاهدة الفيديو أو الاستماع إلى المقطع الصوتي.

الأدوات والإجراءات:-

تم استخدام مقطع الفيديو الفكاهي (47 مقطعًا) كمعلوماتٍ بصرية، تم استخراج المقاطع الصوتية من نفس الفيديو، شاهد 30 ملاحظًا 47 مقطع فيديو بدون صوت، و30 ملاحظًا استمعوا إلى 47 مقطعًا صوتيًا فقط، تم عرض الفيديو بمساحة عرض 800*650 بيكسل على كمبيوتر محمول ببرنامج Psychopy، وتم عرض المقاطع الصوتية أيضًا باستخدام نفس البرنامج على الكمبيوتر المحمول، وكانت الإجراءات مماثلة للتجارب السابقة.

النتائج والمناقشة:-

التحليل الأولي:- كان متوسط EQ للملاحظين 38.63 في حالة (فقط مقطع الفيديو)، و36.60 في حالة (فقط المقطع الصوتي). لم تُوضِّح عينات t-test المستقلة أي اختلافات بين متوسط EQ للملاحظين والمتطوعين. وليس هناك أي دليل على وجود اختلاف في متوسط EQ بين المجموعتين من الملاحظين. كما أوضحت عينات t-test المستقلة أن متوسط EQ للملاحظين الإناث أعلى من الذكور.

الملخص:-

وفَّرَت التجربة الثالثة أدلةً جديدة على قدرة الملاحظين على تقدير مقدار التعاطف لدى الشخص، وتمكَّن الملاحظون من تحديد الأشخاص ذوي التعاطف المرتفع، ولكن ليس ذوي التعاطف المنخفض والمتوسط من خلال الاستماع إلى صوت المتطوع وهو يقرأ مقطعًا فكاهي بصوتٍ عالٍ لمدة 9 ثوانٍ، بشكلٍ واضح أظهر الملاحظون تقديرًا جيدًا للـEQ خلال عرض مقطع الفيديو فقط، وبالأخص للمتطوعين ذوي الـEQ المنخفض .

كيف يتمكَّن الملاحظون من تكوين انبطاعٍ أوليٍّ دقيقٍ لمدى تعاطف الشخص حتى بمجرد استماعهم لمقطع صوتي يستمر لـ9 ثوانٍ فقط؟ في المقطع الصوتي فقط، كان محتوى المعلومات المتوفرة يحتوي على بعض السطور من الفكاهة، وكما هو واضحٌ، ليس هناك أي احتمالية للملاحظين أن يتمكَّنوا من الحصول على أي معلومات عن حياة المتطوع، وبدلًا من ذلك، كانت المعلومات الوحيدة المتوفرة هي سمات صوت المتطوع، مثل طبقته وتردده، والسلوكيات مثل الضحك، ومع ذلك، عند الاستماع إلى المقطع الصوتي، تَمكَّن الملاحظون من تحديد المستويات المرتفعة بنفس الكفاءة لمن شاهدوا مقطع الفيديو فقط، وهذا يُظهر أن المعلومات البصرية ليست فقط المصدر الذي استخدمه الملاحظون ليقوموا باستدلالاتٍ نفسية. وتلعب الأدلة الصوتية دورًا هامًا لتكوين انطباعٍ أوليٍّ دقيقٍ لمقدار تعاطف الشخص، وبالأخص في حالات مقدار التعاطف المرتفعة.

ملخص عام:-

أوضحت الثلاث تجارب أن الملاحظين استطاعوا رصد مقدار التعاطف القابل للتصنيف بعد ملاحظة المتطوعين لمدة ثوانٍ في مقطع فيديو، أو صورة، أو حتى سماع صوتهم وهم يتلون مزحةً قصيرة. أوضحت التجارب السابقة في (قراءة العقل) أن الأشخاص قادرون على تحديد حالة التعاطف لشخصٍ آخر مبنية على جزء من التصرف، مثال، التفاعل مع الأفكار والأحاسيس والمشاعر التي واجهها هذا الشخص وتوقُّع أن المتطوع كان يستمع إلى شخصٍ آخر وهو يقول قصةً عاطفية.
الدراسة الحالية أضافت على هذه الدراسات أنها تُوضِّح نجاح الأشخاص في التفاعل مع التعاطف الذي يُقاس باستبيان الـEQ.

أشارت الدراسات السابقة إلى أن الميل للتعاطف قد يزيد أو يقل وضوحًا في الأفعال المرتبطة بالعاطفة، مثل تعبيرات الوجه وحركات الجسد والصوت.

أشار البحث الحالي إلى أن المُلاحظ يستطيع ترجمة هذه الإشارات (مثل وجه مُبتسم بعد تلاوة مزحة) لكي يُحدِّد مقدار التعاطف للمتطوع، خاصةً المتطوعين ذوي مقدار التعاطف المرتفع والمنخفض، لم يستطع الملاحظون تحديد مقدار التعاطف المتوسط بكفاءة، فقد كانوا يقولون أن هذا الشخص متوسط التعاطف، ولكن هذا لم يكن صحيحًا غالبًا، مما يعني أن المشاركين غير قادرين على تحديد من متوسط التعاطف ومن لا. قد يكون هذا بسبب عدم معرفتهم بتعريفٍ واضحٍ لمقدار التعاطف المتوسط، أو قد يكونون على علمٍ به ولكن غير قادرين على التحديد بكفاءة.

بناءً على ذلك، بعد تجميع البيانات حصلنا على منحنى على شكل حرف U، حيث نجح المشاركون في تحديد مقدار التعاطف المتطرف (المرتفع أو المنخفض)، ولكنهم لم ينجحوا في تحديد هؤلاء الذين في المنتصف (مقدار التعاطف المتوسط). ظهر هذا المنحنى باستمرار وبقوة عبر عينات مختلفة من تصرفات المتطوعين (قرائتهم لفكاهة أو محادثة أو اختبار شاشة)، وعبر أشكال تقديمٍ مختلفة (مقطع فيديو أو صورة لتصرفات المتطوع).

مقارنةً بالمتوسط، المتطوعون ذوو الـEQ المتطرف قد يستطيعون إصدار تحديدٍ واضح وملحوظ للتصرف مثل وجه مبتسم، أو حركات الجسد، أو صفات صوتية فريدة. يتفق هذا مع النتائج التي تُوضِّح أن كفاءة تخمين التعاطف عبر مجرد صورة صامتة أقل من التخمين عبر صورة تنقل سلوك المتطوع.

من المثير أن القيم المرتفعة من التعاطف قد تكون دليلًا على التصرف بشكلٍ اعتيادي كما هو مُوضَّح بنتائج التجربة 2، وبناءً على هذا تُضيف نتائجنا إلى النتائج التي أشار إليها Kramer et al، أنه ليس من الكافي سماع صوت المتطوع لتحديد مقدار التعاطف المرتفع أو المنخفض، ولكنه ضروري حتى نستفسر عمَّا إذا كان سماع صوت المتطوع كافٍ لتحديد التعاطف المرتفع أو المنخفض أم لا. تُظهر نتائج التجربة 3 منحنًى مميز يوضِّح أن سماع صوت المتطوع يكفي لتحديد مقدار التعاطف المرتفع، ولكن لا يكفي لتحديد مقدار التعاطف المنخفض. من الممكن أن تكون علامات التعاطف الضعيف سهلة الوصول في حالة الصور المرئية لسلوك الهدف عنه في حالة الصوت فقط.

حتى لو لم يوضِّح ذوو التعاطف المرتفع والمنخفض أي دلائل إضافية للملاحظين عن حالتهم العاطفية، بالمقارنة مع ذوي التعاطف المتوسط، قد يتكيف الملاحظون مع هذا ويستطيعون تحديد التعاطف.

تَجَادَل الباحثون في أن مقدار التعاطف مرتبط بالتطور الأخلاقي، علاوةً على ذلك، يتنبأ مقدار التعاطف بالسلوك الإيجابي للأشخاص، مثل حب الغير والمساعدة والتعاون. هذا قد يكون مفيدًا ليس فقط لمعرفة من متعاطف ومن لا، ولكن أيضًا لمعرفة أخلاق الأشخاص الذين نُقابلهم. بأخذ هذه العوامل في الاعتبار، فإنه من المعقول افتراض أنه من التكيف أن نعرف بسرعة وكفاءة الأشخاص ذوي التعاطف الضعيف، والأشخاص ذوي التعاطف القوي.

رَكَّزت معظم أبحاث (قراءة العقل) على الحالة العقلية المرتبطة بالمواقف والسلوك أكثر من تركيزها على استنتاج سماتٍ شخصية. من المحتمل في الحياة العملية أن يُكَوِّن الأشخاص ما يعتقدون أنه سلوكٌ طبيعي في موقفٍ معين، وما يعتقدون من شخصٍ ذي صفةٍ متطرفة. يتصرف الأشخاص ذوو السمات الطبيعية تبعًا لقاعدة الموقف، وهذا يعني أن يكون طبيعيًا. أما ذوو الصفات المتطرفة، فهم لا يتصرفون تبعًا لقاعدة الموقف، ويمكن تَوقُّع سلوكهم فقط إذا ما أخذ الشخص صفاتهم المتطرفة في الاعتبار. وطالما أنه من المُهم تَوقُّع سلوكهم، إذًا فإنه من المهم أن نكون حساسين للهدف الذي يملك صفاتٍ متطرفة. أما ذوو الصفات الطبيعية، فليس من المهم توقع سلوكهم. هذا قد يُفسِّر سبب تحديد الملاحظين بدقة الأشخاص ذوي التعاطف المرتفع والمنخفض (لأن سلوكهم ليس طبيعي) ولكنهم فشلوا في حالة التعاطف المتوسط (سلوكهم طبيعي).

في النهاية، قواعد الموقف وتأثير السمات قد تتفاعل في إظهار سلوكٍ ما، وقراءة العقل بدقة قد تكون فقط محتملة إذا كان الملاحظ يعالج هذا التفاعل.

الأولوية للأبحاث القادمة في المستقبل ستكون لفحص قدرة الملاحظين على معالجة هذا التفاعل أثناء قراءة العقل.

إعداد : Nourhan Alm El-deen

Hossam El-Din

Abdelrahman elagamy


مراجعة: Mohamed Sayed Elgohary

المصدر : http://goo.gl/iEtpQP

#الباحثون_المصريون