أنطون تشيخوف: المحب الحالم بالحياة

Anton-Chekhov3

Anton Chekhov|Anton Chekhov|Anton Chekhov|تشيخوف وأوليجا..||Anton-Chekhov-Mid-Age

«جُل ما أُريد قوله للناس بصدقٍ:تأملوا أنفسكم، وانظروا كيف هي سيئة ومُزرية حياتكم! هذا هو الشيء المهم الذي يجب أن يدركه الناس، وعندما يفعلون، سوف يخلقون بالتأكيد حياةً أفضل لأنفسهم، أنا لن أعيش لأراها، ولكنّي أعرف أنها سوف تكون مُختلفة تمامًا، لا تشبه تمامًا حياتنا الحالية، وطالما أن هذه الحياة المُختلفة ليست موجودة، سأظلّ أُردِّد للناس مِرارًا وتكرارًا: أرجوكم، افهموا أن حياتكم سيئة ومُزرية!»

حياةٌ مليئة بالومضات في طريقِ الحياة التى مازالت تسير مهما رحلَ عنها أناسٌ كثيرون، لا تتوقَّف مهما حدث، وعليك أن تتبَّع إشارات الراحلين، كمن يُفتِّش عن إرشادات الطريق فى رحلةٍ لا تعلم ما الذي يمكن أن يقابلك في الخطوةِ القادمة، وقد تكون هذه وسيلة لتعرف ما الذى تريده من هذه الحياة!

أعظم كُتَّاب القصة القصيرة في العالم ورائدها، كما لا يقل أهمية عن كونه كاتب مسرحي وروائي استطاع عبر أعماله العديدة أن يحفر اسمه في ذاكرة الإنسانية، وأن يُرسّخ قيمًا فنية تحوَّلت إلى مدارس ومذاهب في الكتابة، مازالت فاعِلة ومؤثرة حتى الآن. حياة «تشيخوف» هى رحلة كاملة مُمتعة ومُبهرة فى آنٍ، مليئة بالتفاصيل التى جعلت منه شخصية خالدة عبر العصور.

«فى الماضى.. عندما كانت تراودنى الرغبة فى فَهم شخصٍ ما أو فَهم نفسي، كنت لا أهتم بالتصرُّفاتِ التى تحكمها شتَّى الاعتبارات، بل الرَّغبات.
قل ماذا تريد أقُل لك مَنْ أنْتَ….
والآن امتحن نفسى.. ماذا أريد إذن؟»

Anton-Chekhov-Mid-Age
Anton Chekhov Mid-Age

أنطون باڤلوڤيتش تشيخوف – Anton Pavlovich Chekhov

وُلِدَ تشيخوف في 29 يناير 1860 بمدينة «تاغانروغ – Taganrog» على بحر «آزوڤ – Azov» بروسيا. وقد أصبح أنطون بافلوفيتش تشيخوف في النهاية واحدًا من رواة القصص الأبقى أثرًا في روسيا. ولأنه مغرم بشكلٍ خاص بالمسرجيات والهزليَّات الفرنسيَّة، فقد أنتج بعض الأعمال الهزلية من فصل واحد، لكنَّ مآسيه الطويلة هي التي أفسحت له مكانًا بين أعظم الدراميين على مر العصور.

بدأ تشيخوف في كتابة القصص القصيرة منذ أن كان طالبًا للطِّب في جامعة «موسكو – Moscow». وبعد التخرج وحصوله على شهادة في الطِّب عام 1884، بدأ عمله الحُر كصحفيّ وكاتب مسرحيات كوميديَّة. لكنّه لم يترك الطِّب، بل كان يُعالِج الفُقراء مجانًا. [2]

 

«إن الطِّب هو زوجتي، والأدب عشيقتي.. عندما أتعب من أحدهم، أقضي الليل عند الآخر»

التأرجُح حتى الوصول

كان تشيخوف يكتب في البداية لتحقيق مكاسب ماديَّة فقط، ولكن سُرعان ما نمَت طموحاته الفنيَّة، وقام بابتكارات أثرت بدورها على تطوير القصَّة القصيرة الحديثة.

فـ في بدايات حياته المهنية، أتقنَ شكل مسرحيَّات الفصلِ الواحد، وأنتج العديد من الفرائد من هذا النوع بما في ذلك مسرحية: «الدُّب – The Bear» عام 1888، والتي فيها يقوم الدائن بملاحقة أرملة شابّة ولكنّه يعجب بها جدًا حين توافق على خوض مُبارزة معه، ومن ثَمَّ يعرض عليها الزواج. ومسرحية : «إيڤانوڤ – Ivanov» عام 1887، والتي تعتبر أوَّل مسرحية كاملة لتشيخوف، وهو عملٌ إلى حدٍّ ما غير ناضج مُقارنةً بأعماله اللاحقة. فـ هو يُحلِّل انتحار شابٍّ يشبه كثيرًا لتشيخوف نفسه بعدّة طُرق. ومسرحية: «شيطان الخشب – The Wood Demon»، وكانت أيضًا غير ناجحة إلى حدٍّ ما. ومسرحية: «الزفاف – The Wedding» عام 1889، والذي يعتزم فيها العريس أن يحضر الجنرال حفل زفافه، ثم ينقلب الوضع بنتائج عكسية عندما يتضح أن الجنرال قبطان بحري مُتقاعد ومن الدرجة الثانية. [1]

«يجب أن أخبرك أنه في بطرسبرج أنا الآن أكثر الكُتَّاب شُهرة، ويستطيع المرء اكتشاف ذلك من الصُّحف والمجلَّات، والتي في نهاية العام 1886 كان تهتم بي وتتناقل اسمي وأخباري، وتمتدحني بأكثر مِمَّا أستحق، وكانت نتيجة تزايد شُهرتي الأدبيَّة أنني حظيت بعدد من الطلبات والدعوات، ومن ثَم المزيد من العمل والضغوط والاستنفاذ، عملي مُرهِق للأعصاب، ومزعج ويخلِف ضغطًا، وأينما ذهبت يُشير النَّاس نحوي، ويُربِكني التزايُد المُستمِر في أعداد مَن يعرفوني، فلا أهنأ بيومٍ واحدٍ من السَّكينة، وأشعُر أنني أسيرُ على الأشواك كل دقيقة!»
رسالة تشيخوف إلى أخيه عام 1887.

وفي الواقع، لم يكن تشيخوف قد حقَّق أوَّل نجاح ساحق له حتى أنتجَ مسرح موسكو الفني مسرحية: «النَّورس – The Seagull» عام 1897، حيثُ كانت المسرحية نفسها قد أُجريت قبل سنتين في مسرح «ألكساندرينسكي – Alexandrinsky» في سانت بطرسبرج، واستُقبِلَت بشكلٍ سيِّئ حتى أن تشيخوف قد غادرَ بالفعل القاعة خلال الفصل الثاني، وتعهَّد بعدم الكتابة للمسرح مرَّةً أخرى. لكن في مسرح موسكو للفنون، تحوَّلت المسرحية إلى نجاح حاسم، وسرعان ما أدرك تشيخوف أن الإنتاج السابق قد فشل لأن الممثلين لم يفهموا أدوارهم.

وقد استمر تشيخوف في العمل مع مسرح موسكو الفنّي، حيثُ قدَّم مسرحية: «العم ڤانيا – Uncle Vanya» عام 1899 ، ومسرحية: «الشقيقات الثلاثة – The Three Sisters» عام 1901، ومسرحية « بستان الكرز – Cherry Orchard» عام 1904، والتي أصبحت واحدة من فرائد المسرح الحديث. [1]

ولكني أريد زوجة تشبه القمر!

عندما بلغ تشيخوف الخامسة والثلاثين من عمره وكان ذلك عام 1895، أرسل إلى صديقه الصحفي «ألكسي سوفورين» يُحدِّثه عن الزوجة المثالية التي يتمناها لنفسه، وفيها يقول:

«تريدني أن أتزوَّج؟ حسنًا، سوف أتزوَّج إذا كنت تريد لي ذلك، ولكن ها هي شروطي للزواج: أن يظل كل شيء على ما هو عليه، وبتعبيرٍ آخر، أن تعيش الزوجة في موسكو، وأعيش أنا في الريف، وسوف أزورها. إنني لا أستطيع أن أتحمَّل ذلك النوع من النعيم المنزلي الذي يمضي من يومٍ إلى يوم، ومن صباحٍ إلى مساء، أعدك بأن أكون زوجًا رائعًا، ولكني أريد زوجة تُشبه القمر، لا تسطع في سمائي كل يوم.»

هكذا كان تشيخوف يُفكِّر في الزواج، وهكذا يتمنَّى أن تكون علاقته بزوجته في حالة زواجه، حياةٌ فيها قدرٌ من حُريةِ الحركة والتفكير والشعور، بحيث لا يفرض نفسه على زوجته في كل لحظة وكل ساعة، بل يريد كما يقول، شبيهة بالقمر، لا تسطع في سمائه كل يوم، فالقمر يغيب عن السماء أحيانًا، ويسطع أحيانًا بجزءٍ من وجهه، فيكون هلالًا، وليس بدرًا كاملًا..

وكانت مشكلة تشيخوف النبيل أنه كان مريضًا بالسُّل، وكان طبيبًا ويعلم بوضوح خطورة مرضه، وكان لا يُحِب أن يزعج زوجة ترتبط به وتتحمَّل معه ما يتحمَّله من آلام ومتاعِب، كل ذلك على الرغم من أنه كان قد حقَّق شهرة أدبية واسعة، وأصبح اسمه متداولًا بين أوساط المُثقَّفين والمُتعلِّمين بل وبين بُسطاء الناس الذين يُحبهُّم ويُحبٌّونه، والذين اتّخذ منهم مادة لأدبه واستطاع أن يكتشف فيهم من المعاني الإنسانية الجميلة.

بسبب المرض ومن أجل ألا يفرض على من يتزوجَّها أن تتحمَّل همومه وآلامه، وأن تقضي حياتها جانب إنسانٍ مريض، كان تشيخوف يرى أن الزواج غير مناسب له، كما أن مهنة الكتابة التي يُمارسها تحتاج إلى الكثير من التأمُّل والابتعاد بقدرِ الإمكان عن المشاكل اليومية التي تشغل الذهن وتشتُّت المشاعر. [3]

«أن تتزوج يعني أنك تُحب. لأن الزواج من فتاة لأنها جميلة، يُشبه شراء شيٍء ما لا يرغب فيه المرء، فقط لأنه وجده في السوق، ووجد أنه من صنفٍ جيِّد! إن أهم رابط أُسري هو الحُب، وما سواه من جاذبية جنسيَّة وجسدية وغير ذلك من أشياء إنما هي مصدر حُزنٍ ووحشة، و لا يمكن التنبؤ بنتائجها مهما بلغت مهارتنا في إجراء الحسابات. و بناءً على ذلك، فالأمر لا يتعلَّق بجمال الفتاة بل بأن تُحَبْ، فتجاهَل هذه الصفة لأنها لا تُعني سوى القليل.»

ظلَّ تشيخوف مُتمسِّكًا بموقفه من الزواج حتى التقى بالمُمثِّلة الشابَّة «أوليجا كنيبر» وكانت تُمثِّل عددًا من الأدوار الرئيسية في مسرحياته الشهيرة مثل «النورس» و«الشقيقات الثلاثة» و«العم ڤانيا»، وقد أحبَّته «أوليجا» وأحبَّها، وظلّ الحُب بينهما على شكل صداقة وثيقة استمرَّت ثلاث سنوات، وبعدها قرَّر الاثنان أن يتزوجا وكان ذلك في 25 مايو 1901، وكان هذا الزواج كما تمنَّى تشيخوف له أن يكون، فقد كانت زوجته تُشبه القمر، فلا تسطع كل يوم في سمائه؛ لأنها لم تترك عملها في المسرح، وكان هذا العمل يضطرها أن تبتعد عن تشيخوف في بعض الأوقات، ثم تعود إليه بعد أن تزول هذه الظروف، وكان زواجهما وحُبّهما من أجمل القصص وأكثرها سعادة برغم ما يحيط بهما من آلام..

تشيخوف وأوليجا..
تشيخوف وأوليجا..

رسائل تشيخوف لقمره

«عزيزتي الممثلة العظيمة، أفتقدك جدًا! بينما أنت في جولتك المسرحية ابعثي لي أخبارك وصورك واكتبي لي، اكتبي لي، شكرًا، وأقبّل يدك الصغيرة!»

يالطا، 10 فبراير 1900

مُمثلتي الغالية..

الشتاء باردٌ للغاية، ولستُ على ما يُرام، ولم يكتب أحدٌ إليّ منذ قرابة شهر بأكمله، واستقر لديّ أنه لم يعد أمامي من شيٍء سوى السفر للخارج، حيث الأجواء ليست راكدة للغاية، لكن الآن تحسَّن الطقس وأصبح أدفأ، وقرَّرت أنني سأسافر للخارج فقط بنهاية الصَّيف، وذلك للاستفادة من الإعانة التعليمية..

وأنتِ، لماذا مُصابة بالاكتئاب؟ ماذا أصابكِ بالاكتئاب؟ فأنتِ تعيشين وتعملين وتمرحين وتشربين، وتضحكين عندما يقرأ عمُّكِ بصوتٍ مُرتفع لكِ، فأي شيٍء تريدين أكثر من ذلك؟ أما بالنسبةِ لي، فالوضع مُختلف. تُمزِّقني مسألة الجذور، فأنا أعيش عيشة منقوصة، لا أشرب رغم أنني مُغرمٌ بالشراب، أعشق الضوضاء لكنني لا أسمعها، حقيقة أنا مثل شجرة تمَّ نقلها إلى مكانٍ جديد، وتعاني التردد بين أن تضرب بجذورها في الأرض.. أو تذبل! لو كنت أسمح لنفسي من حين لآخر أن أشكو الضجر.. فلديّ دوافعي لذلك، لكن ماذا بالنسبة لكِ؟ [4]

 

 يالطا، 14 فبراير، 1900

عزيزتي..

الصور رائعة للغاية، خاصّةً تلك الصورة التي تظهرين فيها مُستلقية وعلى وجهكِ مسحةِ حُزنٍ، ومنكباكِ يستندان على ظهرِ مقعدٍ، مما يضفي عليكِ مَسحة من الشَّجن الشفيف، وتعبيرًا لطيفًا يخفي روحًا شيطانية صغيرة. وهُناك صورة أخرى جيِّدة، لكنكِ فيها تبدين شبيهة قليلًا بامرأة يهودية تقليدية، مثل موسيقية  تحضر درسًا في معهد الموسيقى، لكن بذات الوقت تدرس طب الأسنان على طبيبٍ بارعٍ وذلك كتخصص ثانٍ، وهي مخطوبة وستتزوج رجلًا في موجيليف. هل أنتِ غاضبة؟ غاضبة حقًا؟ إنه انتقامي منكِ لأنك لم توقعي لي هذه الصور.

كنتُ قد عقدت العَزم على عدم الكتابةِ لكِ، لكن بعد أن أرسلت الصور، تراجعت عن موقفي، وها أنا أكتبُ لكِ.  بل إنني سآتي إلى سيفايتوبول، وأكرّرها عليكِ لا تخبري أحدًا. سآتي تحت اسمٍ مُستعار، سأسجِّل في دفتر الفندق باسم بلاكفيتش..

كنت أمزح عندما قلتُ أنكِ تُشبهين امرأة يهودية في صورة مِمَّا أرسلتِ. لا تغضبي يا غاليتي. حسنًا، تلك قُبلة مني ليدكِ الصَّغيرة..

المُخلص لك دائمًا

يالطا، 26 مارس 1900

هناك شعورٌ بالكآبةِ والسوداوية في رسالتك، مُمثلتي العزيزة، أنت كئيبة وتعيسة للغاية، لكن ذلك لن يدوم طويلًا، فبوسعِ المرء أن يتخيَّل أنكِ قريبًا، قريبًا جدًا، ستجلسين في القطار وتتناولين غداءك بشهيةٍ مفتوحة للغاية. لطيفٌ للغاية أن تأتي أولًا برفقة ماشا قبل الآخرين، فعلى الأقل سيكون بوسعنا أن  نجد وقتًا للحديثِ معًا، ونتجول قليلًا، ونشاهد بعض الأشياء، ونشرب ونأكل سويًا! [3]

مُراجعة : آلاء محمد مرزوق
  1. Computer Integrated Manufacturing – Google Search, Forbes, https://bit.ly/2SfTwfH.
  2. “Anton Chekhov Quotes.”BrainyQuote, Xplore, anton_chekhov. https://bit.ly/2T3a8vF
  3. ترجمة ياسر شعبان Anton Chekhov.رسائل إلى العائلة. Published November 1st 2014 by كتاب الدوحة – وزارة الثقافة والفنون والتراث – دولة قطر.
  4. Shaaban, Yasser. “The Translator المترجم.”رسائل متبادلة بين أنطون تشيخوف وأولجا. ل. كنيبر, https://bit.ly/2BYvqkn.
شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي