كيف تؤثر الثقافة واللغة في بعضهما بعضًا؟

كيف تؤثر الثقافة واللغة في بعضهما بعضًا؟

منذ مئات السنين، يناقش علماء الأنثروبولوجيا واللُغويّون مدى تأثير الثقافة في اللغة، وتأثير اللغة في المجتمع والطريقة التي نفكر بها، وكوني متخصصًا في علم اللغة فقد كنت شغوفًا بمعرفة المزيد عن هذا الأمر. يبدو أحيانًا أنّ المجتمع يبذل محاولاتٍ لتغيير لغته، أو النضال في سبيل الحفاظ عليها من تأثير بعض اللغات الأخرى، ويتجلى هذا بوضوح في تأثير تنوّع المفردات واللغة في تصرّفاتنا وطريقة تفكيرنا، كما تظهر أيضًا أهمية اللغة في سلوكيّات بعض الأنظمة الشموليّة بفرضها سياساتٍ معيّنةً تدعم وجهات نظرها.

عند طرحنا سؤالًا عن كيفيّة تأثير اللغة في الثقافة، فمن المهم أن نفهم أنّ كلّ اللغات لا تتبع نفس البنية النحويّة للإنجليزيّة، فعلى عكس العديد من اللغات الرومانسيّة؛ كالإيطاليّة، والفرنسيّة، والإسبانيّة، فإن لغات؛ مثل: الفنلنديّة، والهنديّة تختلف كثيرًا في بنيتها النحويّة عن اللغة الإنجليزيّة، ولكن الأمر هنا لا يتعلق فقط بالمنظومة النحويّة للغة، بل أيضًا في دلالات الألفاظ وكيفية تأثيرها في طرائق تفكيرنا.

فقد لُوحظ في دراسات سابقة أن المواطنين الروس لديهم قدرة على التمييز بين درجات اللون الأزرق في المسابقات البصريّة أكثر من غيرهم، وعند بحث ذلك الأمر وجدوا أنّ اللغة الروسيّة تحتوي على أكثر من كلمة للتعبير عن درجات اللون الأزرق المختلفة. كما لُوحظ أنّ قبيلةً في البرازيل تُدعى (Pirahã) لا تملتك ألفاظًا للدلالة على الأرقام؛ مثل: واحد، واثنين، أو مئة، بل تستخدم كلمات بسيطة فقط؛ مثل: قليل وكثير لقياس الكميّات، وتشير الدراسات أنّ هذا له تأثير كبير في دقّتها وقدرتها على التمييز بين الكميّات المختلفة.

ربما كان الشيء الأكثر إثارةً للاهتمام الذي تعملّته أثناء البحث في مجال علوم اللغة، هو الأهميّة الثقافيّة لطرق التعبير؛ فمثلًا: اللغة الإنجليزيًة تفضل غالبًا بناء الجملة للمعلوم؛ على سبيل المثال: يقول الإنجليز: “صوفي حطّمت النافذة” بخلاف طريقة التعبير في الإسبانيّة واليابانيّة التي غالبًا ما يُبنى الفعل فيها للمجهول فيُقال: “النافذة المحطمة” أو “النافذة تم تحطيمها”، وقد يكون لهذا آثار في مدى إلقاء مجتمع معيّن اللوم على الآخرين في الأحداث.

ففي دراسة أُجريت لبحث هذه الظاهرة، عُرض فيديو عن أشخاص يفرقعون البلالين بشكل متعمّد، ويسكبون المشروبات، ويفتعلون الحوادث أمام مشاركين يتحدثون الإنجليزيّة، والإسبانيّة، واليابانية، وكان تذكر المشاركين الإنجليز للأشخاص مفتعلي الحوادث أكبر من تذكر اليابانيين والأسبان الذين ذكروا الفعل فقط دون الفاعل؛ مما يدلّ على أنّ طريقة استخدام اللغة تؤثر في نمط التفكير، ومدى إلقاء اللوم على الفاعل أو التركيز على الحدث نفسه.

وفي دراسةٍ أخرى، شاهد المتحدّثون بالإنجليزيّة مقاطع فيديو (لجانيت جاكسون) تمزّق ملابسها في عرض نصف نهاية (عام 2004) في سوبربلو، وقرأ كلّ مشارك تقريرًا من اثنين أُعدّا متطابقين، معادًا فيهما آخر سطر في الفقرة الأولى؛ حيث كُتب في التقرير الأوّل: “تم تمزيق الملابس” وفي الآخر: “الملابس الممزّقة”، وعند استطلاع الآراء، فإن الذين قرؤوا التقرير الأوّل كانوا أكثر عرضةً لإلقاء اللوم على جانيت جاكسون في الحادث، واقترحوا 53٪ أكثر من الغرامات؛ مما يدل على مدى تأثير استخدام ألفاظ معينة في الأفعال والثقافة.

وعلى الصعيد الآخر، فإنّ الثقافة من الممكن أن تؤثّر في المجتمع بشكل كبير خصوصًا في عالمنا الحديث مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتيسير السفر والتنقل، ويمكن جدًّا -بسهولة- ملاحظة أنّ الكثير من المفردات التي نستخدمها اليوم تأتي من لغات مختلفة، وحتى دون إدراك ذلك بشكلٍ واعٍ؛ فمثلًا: كلمة الزرافة (giraffe) مأخوذة من اللغة العربية، وكلمة: جناح صغير (bungalow) مأخوذة من الأرديّة، ونجد هذا التلاقح في العديد من اللغات أيضًا.

الآن، دول مثل: فرنسا تسعى جاهدةً إلى دعم التواصل باللغة الفرنسيّة في العالم، فيقول (جان ماثيو باسكواليني) لإحدى الجرائد -وهو مسئول أكاديمي بفرنسا-: “أنّ فرنسا تحاول دعم التحدّث باللغة الفرنسيّة، وجلعها لغة تواصل وثقافة عالميًة”، ويُحاول نادي النخبة الفرنسيّة محاربة الجلنزة (to keep out Anglicisms) وجعل اللغة الفرنسيّة لغةً نقيةً تمامًا؛ حيث أُضيفت قائمة سوداء بها بعض المصطلحات إنجليزية الأصل لتحويلها إلى كلمات فرنسيّة فمثلًا: اقتُرِح أن تحوّل المجلات الفرنسيّة كلمة: (أفضل ما في) من (le best of)إلى (le meilleur de)، وكلمة شرب الكحل من (le binge drinking) إلى (biture fissa)، وتبديل كلمة الخط الساخن من (hotline) لتصبح (numér d’urgence)، وتغيير كلمة العصف الذهني من (brainstorming) إلى (remue-méninges). وعلى الرغم من تلك الجهود القويّة، فأصبحت بعض الكلمات؛ مثل: نهاية الأسبوع (le weekend) والساندوتش (Le sandwich) كلماتٍ أساسيةً جدًّا في اللغة الفرنسيّة!

مع زيادة السفر، وكثرة استخدامنا وسائل التواصل الاجتماعي؛ أصبحنا أكثر وعيًا بالثقافات واللغات المختلفة. وفي اعتقادي، أنّ أخذ اللغات في الاعتبار ضروري جدًّا لفهم ثقافة البلاد حقًّا، وطرائق تفكير أهلها.

 

 

 

 

[1] يبدو أنّ مقصد الكاتب هنا، هو فرض الأنظمة االشموليّة بعض السياسات اللغويّة الصارمة؛ كتغيير نمط الكتابة، أو فرض لغة معيّنة على البلاد؛ لترسيخ سياسات معيّنة أو دعم توجهاتها الأيدلوجيّة.

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي