الجزري ( 1136- 1206م) : مؤسس علم الروبوت

الجزري-3

الجزري|||||ساعة القلعة|||

 في عام 1920م، اُستخدِمَ مُصطلح «روبوت» لأول مرة للدلالةِ على كائنٍ بشريٍّ خيالي من خلال مسرحيةٍ للمؤلف التشيكي كارل تشابيك (Karel Čapek) وأخيه جوزيف تشابيك (Josef Čapek) وعنوانها:  (Rossum’s Universal Robots)، في حين يحتفل كلٌّ من العالِمَين ويليام جراي والتر (William Grey Walter)، وجورج ديفول (George Devol) بتأسيسهما لعلمِ الروبوتات من خلال ابتكارِ أوَّلِ جهازي روبوت سُمِّيَا بـ إلمير (Elmer) وإلسي (Elsei) على يد والتر في بريطانيا، وكان ذلك في عام 1948م، ثم جاء جورج ديفول بعده بثمان سنوات وتحديدًا في عام 1956م ليبتكر أول روبوتٍ رقميٍّ مبرمجٍ سمَّاه (Unimate وبيع الأخير لشركة جنرال موتورز التي استخدمته في رفع قطع المعدن الملتهب من آلات الصُلب الثقيلة.

واصل المهندسان والتر وديفول العملَ على تعزيز فكرة الاعتماد الشامل على الروبوتات وتطويرها بشكلٍ سريعٍ لتتاح كصناعةٍ أساسية. وفي الواقع، لقد حاول مهندسو الحضارات القديمة كالصينية والمصرية واليونانية والهندية ابتكارَ آلاتٍ ذاتية التشغيل تشبه البشر أو الحيوانات أو الطيور، ومع ذلك، يظل أكثر الأشخاص تعزيزًا لفكرة ابتكار هذا النوع من الآليات الهندسية هو بديع الزمان إسماعيل الجزري وهو عالمُ الرياضيات ومهندس الميكانيكا والمخترع المسلم العظيم الذي وُلِدَ في عام 1136م / 530هـ وسار على نهج أبيه ومهنته، حيث عمل الجزري في منصب كبير المهندسين في قصر أرتوكلو سليل عائلة الدولة الأرتقية -بني أرتق- التركية التي حكمت منطقة شمال الأناضول والجزيرة في القرنين 12، 13م.

وفي هذا القصر الذي تحيط به الحدائق والغني بالعناصر الفنية والزخرفية الرائعة، عمل الجزري لمدة 30 عامًا حيث وجد في هذا القصر المكان الملهم لاختراعاته التي أصبحت لا تُعد ولا تحصى. وفي عام 1206م / 602هـ، أتم الجزري كتابه الرائد في الهندسة باللغة العربية والذي سماه: «الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل»، وهو كتابٌ يحتوي على معرفةٍ بالأجهزة الميكانيكية ومدى البراعةِ فيها، ذلك الكتاب الذي ساعد من خلال تدويناته النظرية وجوانبه العملية والرسومات والتوضيحات التي شملها في مساهمةٍ لا تُقدَّرُ بثمنٍ في تاريخ الهندسة والميكانيكا ذاتية التشغيل، حتى أن جورج سارتون (George Sarton) -عالم رياضة وكيميائي بلجيكي- اعتبر أن رسالة الجزري وتدويناته في الكتاب المذكور هي أكثر الرسائل الرياضية تفصيلًا، وهي ذروة الإبداع الرياضي في هندسة الحضارة الإسلامية.

وصف الجزري في كتابه نحو خمسين جهازًا ميكانيكيًّا بما فيها أنواع مختلفة من الساعات وآلة الغسل اليدوي وآلاتٍ أخرى لتخزين المياه، بالإضافةِ إلى ابتكار الجزري بما يُعرف بـ «عمود الكامات» (عمود تتعلق به كامات أو حدبات المحرك)، وهو جهازٌ ظهر في الآليات الأوروبية منذ القرن 14م، ومن اختراعاته أيضًا: «التروس القطاعية» و«ناقل الحركة، أو ما يُسمَّى بالعمود المرفقي» و«عجلة التدوير» و«جهاز ضبط حركة الساعة» (هو جهاز يستخدم لربط عنصر الوقت بقدرة الطاقة في الساعة) للتحكم في سرعة دوران الساعة، كل هذه الأجهزة ساهمت في تحولات هائلة في مجال الـ Automaton أو الآليات ذاتية التشغيل، فقد قام الجزري ببناء عدة أنواع من هذه الأجهزة، مثل جهاز الطواويس المتحركة التي تعمل بالطاقة المائية، وأنواع ٍأخرى مختلفة من الساعات الآلية.

إحدى الآليات التي اخترعها الجزري كانت عبارة عن نادلة (خادمة) آلية في قدرتها تقديم الشاي والماء ومختلف المشروبات، حيث كانت الآلة تُخزِّن المشروب في خزَّانٍ معين ثم يُقطر منه المشروب في وعاء يحتفظ بالمشروب لمدة سبع دقائق، بعدها يتم صب المشروب في الكأس لتظهر النادلة بعدها من بابٍ آليٍّ تقوم بتقديم المشروب. كما ابتكر الجزري آلةً لغسل اليدين تعتمد على التدفق المفاجئ للمياه، وقد تم استخدام هذه الفكرة في تصميم مراحيض التنظيف الحديثة وقد تمثلت هذه الآلة -حسب غرض الجزري منها لغسل الأيدي- في آلة على هيئة أنثى تقف في حوض مملوء بالماء، وبعد قيام المستخدم بغسل الأيدي وسحب الرافعة تقوم مصارف المياه بمساعدة الأنثى الآلية بإعادة ملء الحوض مرةً أخرى.

نموذج لساعة الفيل

ابتكر الجزري آلةً موسيقية ذاتية التشغيل عبارة عن قارب يحتوي على أربعة عازفين آليين يطوف بهما القارب في بحيرة خلال العزف للتسلية والترفيه لضيوف المحافل الملكية. وفي اختراع آخر اشتهر به الجزري وهو: «ساعة الفيل»، وهي أول ساعة يتدخل فيها العنصر  الآلي منذ زمن بعيد، وكانت عبارة عن وزن ميكانيكي على شكل فيل يعمل بالطاقة المائية داخل بيت على ظهر هذا الفيل، يقوم العنصر الآلي -على هيئة إنسان- بضرب الصنج الموسيقية فيتبعه أصوات تغريد عصافير -آلية الصنع أيضًا- كل نصف ساعة، ومن الجدير بالذكر أن هيئة الساعة كانت على شكل فيل أسيوي هندي مما يعطي الدلالة على أكبر مثال للتعددية الثقافية في مجال التكنولجيا القديمة. كما ابتكر الجزري رجلًا آليًّا لخدمة السلطان على هيئة طفل يبلغ من العمر 12 عامًا يقوم بتقديم الماء والمنشفة والمشط للسلطان خلال قيامه بالوضوء.

كان أكبر اختراع للجزري هو الاختراع الفلكي الذي سُمي بـ«ساعة القلعة»، وهي آلةٌ معقدة التركيب ارتفاعها حوالي 3.4 متر، ولها أكثر من استخدام، فبجانب ضبط الوقت كان لها وظائف متعددة مثل عرض الأبراج والمدارات الشمسية والقمرية وكانت إحدى أدواتها هو ذلك المؤشر على هيئة هلال ينتقل عبر الجزء العلوي من بوابة الساعة ويتحرك بواسطة عربة خفية يقوم من خلالها بفتح أبواب الساعة تلقائيًّا كل ساعة، وبساعة القلعة أيضًا جهازٌ مُكوَّن من خمس موسيقيين آليين يقومون بالعزف الموسيقي تلقائيًّا ويتم تحريكهم بواسطة أذرعٍ مُعلَّقةٍ بعمود حدبي مخفي موصول بعجلة مياه.

ساعة القلعة
ساعة القلعة

وفي عام 1974م، قام المهندس البريطاني ومؤرخ علم التكنولوجيا الإسلامية دونالد آر هيل Donald R. Hill بترجمة كتاب الجزري إلى اللغة الإنجليزية، وقد أشار هيل أن تكنولوجيا صناعة الروبوت قد تأثرت بشكل أساسي بأفكار الجزري عندما نقلت أفكاره وتدويناته عبر معابرَ عديدةٍ انتقلت من خلالها الحضارة الإسلامية إلى أوروبا مثل أسبانيا خلال عصرها الإسلامي -الأندلس- وصقلية وجنوب فرنسا وإيطاليا وبيزنطة وسوريا، وأيضًا  خلال الحروب الصليبية التي كانت إحدى المعابر الحضارية والثقافية بين الشرق والغرب.

ترجمة: عمر بكر

تدقيق: Mohamed Sayed El gohary

مصدر المقال:

AL-JAZARI (1136-1206) – THE FOUNDER OF ROBOTICS [Internet]. HistoriaFactory. 2016 [cited 2018 Apr 7]. Available from: https://historiafactory.wordpress.com/2016/06/19/al-jazari-1136-1206-the-founder-of-robotics/

 

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي