الكوليرا

الكوليرا هي عدوى تسبب الإسهال الحاد وتنجم عن تناول الأطعمة أو شرب المياه الملوثة بضمات (بكتيريا الكوليرا -Vibrio cholerae). ولا تزال تشكل الكوليرا تهديدًا عالميًا للصحة العامة، وتعد مؤشرًا على انعدام المساواة وانعدام التنمية الاجتماعية. تشير تقديرات الباحثين إلى وقوع عدد يتراوح تقريبًا بين 1.3 و4 مليون حالة إصابة بالكوليرا سنويًا، وتتسبب الكوليرا في وفيات يتراوح عددها بين 21,000 و143,000 في مختلف أنحاء العالم(1)(2).

سلالات ضمات بكتيريا الكوليرا

توجد سلالات عديدة لبكتيريا الكوليرا، لكن سلالتان فقط تؤديان إلى اندلاع (الفاشيات – Outbreaks) وهما (O1 وO139). تتسبب سلالة بكتيريا الكوليرا (O1) في حدوث جميع الفاشيات الحالية، بينما تسببت السلالة (O139) في اندلاع فاشيات بالماضي، وعُرفت هذه السلالة لأول مرة في بنجلاديش عام 1992 ولم يُتعرَف عليها أبدًا خارج قارة آسيا. ولا تسبب السلالتان أعراض مرضية مختلفة(2).

أين توجد بكتيريا الكوليرا؟

عادةً ما توجد بكتيريا الكوليرا في المياه أو مصادر الطعام التي تلوثت بالبراز من شخص مصاب بالكوليرا. وتنتشر بكتيريا الكوليرا في الأماكن التي تعاني من سوء معالجة المياه، وسوء الصرف الصحي، وانحدار النظافة الشخصية.

وتعيش بكتيريا الكوليرا أيضًا في بيئة (الماء المسوس – Brackish water) -وهو الماء الذي تكون ملوحته أعلى من ملوحة المياه العذبة ولكنه لا يصل لدرجة ملوحة ماء البحر- والمياه الساحلية. كما يعد تناول المحار النيء مصدرًا للكوليرا؛ حيث أصيب بعض الأشخاص في الولايات المتحدة الأمريكية بالكوليرا بعد تناولهم المحار النيء أو غير المطبوخ جيدًا من خليج المكسيك ولا ينتقل المرض مباشرة من شخص إلى آخر؛ لذلك، لا يمثل الاتصال العرضي مع الشخص المصاب مصدرًا للإصابة بالكوليرا(3).

أعراض الكوليرا

لا تظهر أي أعراض على معظم الأشخاص المصابين بالكوليرا، أو تظهر عليهم أعراض خفيفة على الرغم من وجود البكتيريا في برازهم لمدة يوم إلى عشرة أيام بعد الإصابة تعود خلالهم البكتيريا إلى البيئة لتعمل على إصابة أشخاص آخرين، ولكن في بعض الأحيان يمكن أن تصاحب العدوى أعراضًا شديدة في الشخص المصاب والتي تتضمن: الإسهال المائي الغزير، والتقيؤ، وتشنجات الساق. وتظهر هذه الأعراض في واحد من كل عشرة أشخاص مصابين بالمرض (10%). في هؤلاء الأشخاص، يؤدي الفقدان السريع لسوائل الجسم إلى الجفاف والصدمة؛ مما يسبب الوفاة في غضون ساعات إذا لم يتلقى المصاب العلاج اللازم(3). وتظهر تلك الأعراض بعد الإصابة بفترة زمنية تتراوح بين 12 ساعة إلى 5 أيام بعد تناول الطعام أو الماء الملوث(2)(4). وتصيب الكوليرا الأطفال والبالغين على حدٍ سواء(2).

وبائيات المرض وعوامل الخطر

يمكن أن تكون الكوليرا مرضًا (متوطنًا – endemic) أو (وباءً – epidemic)، حيث يكون المرض متوطنًا في منطقة إذا تم الكشف عن حالات إصابة في هذه المنطقة خلال الثلاث سنوات الماضية مع وجود دليل على أن العدوى مصدرها محلي. ويمكن أن تتفشى الكوليرا في كل من البلدان المتوطن فيها المرض والمناطق التي لا يحدث فيها المرض بانتظام.

في البلدان التي يتوطن فيها الكوليرا، يمكن أن يكون تفشي المرض موسميًا أو متقطعًا، مع حدوث عدد إصابات أكبر من المتوقع، بينما يُعرَف تفشي المرض في البلاد التي لا تحدث فيها الكوليرا بانتظام عن طريق حدوث حالة إصابة واحدة على الأقل من الكوليرا مع وجود دليل على أن أصل العدوى محلي في منطقة لا توجد فيها عادة الكوليرا.

ترتبط عدوى الكوليرا ارتباطًا وثيقًا بقصور إتاحة إمدادات المياه النظيفة ومرافق الصرف الصحي. وتشمل المناطق المعرضة لخطر تفشي الكوليرا: الأحياء الفقيرة ومخيمات المشردين ومخيمات اللاجئين؛ التي لا تتوافر فيها الحد الأدنى من متطلبات نظافة المياه ومرافق الصرف الصحي(2).

واستمر عدد حالات الكوليرا التي يتم إبلاغ منظمة الصحة العالمية بها في الارتفاع خلال السنوات القليلة الماضية، حيث أخطرت 34 دولة خلال عام 2017 بنحو 1,227,391 حالة، منها 5654 حالة وفاة(2)(5).

العلاج

الكوليرا مرض سهل العلاج، ويمكن أن يتكلّل علاج معظم المصابين به بالنجاح من خلال الإسراع في إعطائهم (محلول الجفاف الفموي – Oral Rehydration Solution)، ويتم تذويب محتوى الكيس القياسي الذي توزعه منظمة الصحة العالمية أو منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) في لتر واحد من المياه النظيفة، وقد يحتاج المريض البالغ إلى كمية تصل إلى 6 لترات من هذا المحلول لعلاج الجفاف في اليوم الأول من إصابته بالمرض.

أما المرضى الذين يعانون من جفاف شديد فهم معرضون لخطر الإصابة بالصدمة ويلزم الإسراع في حقنهم بالسوائل عن طريق الوريد. ويحتاج شخص بالغ وزنه 70 كيلوجرامًا إلى حقنه بكمية من السوائل قدرها 7 لترات على الأقل عن طريق الوريد، علاوة على إعطائه محلول الجفاف الفموي أثناء علاجه. كما يُعطى هذا النوع من المرضى المضادات الحيوية المناسبة لتقليل مدة الإسهال، وتقصير مدة إفراز ضمات بكتيريا الكوليرا في البراز. كما يستخدم الزنك أيضًا كعلاج مساعد للأطفال الأقل من 5 سنوات؛ حيث يعمل على تقليل مدة الإسهال(2).

لقاحات الكوليرا الفموية

يوجد حاليًا ثلاث لقاحات فموية مضادة للكوليرا من اللقاحات التي اخُتبرِت صلاحيتها مسبقًا من قبل منظمة الصحة العالمية، وهم: لقاح (دوكورال – Dukoral)، ولقاح (شانتشول – Shanchol)، ولقاح (يوفيتشول – Euvichol). ويلزم أخذ جرعتين من اللقاح من أجل توفير الحماية الكاملة.

ويُعطَى لقاح ديوكورال للبالغين مع (محلول منظم – Buffer Solution) تلزمه كمية قدرها 150 ملليلتر من المياه النظيفة. ونظرًا إلى أن الحصول على المياه النظيفة غالبًا ما يكون محدودًا في المناطق التي ينتشر فيها وباء الكوليرا بأنواعه؛ فإن هذا اللقاح يُعطى أساسًا للمسافرين، ويزود اللقاح الشخص المُلقّح به بحماية ضد الكوليرا لمدة سنتين.

أما اللقاحان شانتشول ويوفيتشول فهما لقاحان متطابقان من إنتاج شركتين مختلفتين، ولا يحتاجان إلى محلول منظم لإعطائهما، ممّا يسهّل عملية إعطائهما لأعداد كبيرة من الناس في حالات الطوارئ. ويجب أن تكون هناك فترة فاصلة قدرها أسبوعان كحد أدنى بين كل جرعة من هذين اللقاحين، على أن جرعة واحدة من اللقاح توفر فترة قصيرة من الحماية، ومن ثم تُعطى جرعة ثانية من اللقاح في وقت لاحق، ويوفر اللقاحان المذكوران للأفراد الحاصلين عليهما حماية  ضد الكوليرا لمدة تصل إلى 3 سنوات ويستخدم هذان اللقاحان في المناطق الموبوءة.(2)

وباء الكوليرا في مصر

كمركز للعالم القديم، ترتبط مصر عن طريق البحر، والأرض، والجو مع ثلاث قارات، وبسبب هذه المركز بين الشرق والغرب؛ كثيرًا ما تعرضت مصر خلال القرن التاسع عشر الميلادي لأوبئة الكوليرا المدمرة. منذ القرن التاسع عشر الميلادي حتى عام 1902 حدثت تسعة تفشيات للكوليرا في مصر، وفيما يلي توضيح للعلاقة بين هذه التفشيات والأوبئة الست المعروفة التي حدثت في العالم خلال هذه الفترة.(6)

حدثت أول جائحة للكوليرا عام 1817 في البنغال وامتدت عبر بحر قزوين حتى وصلت إلى استراخان في روسيا، ولم تصل هذه الجائحة إلى مصر.

بدأ ثاني وباء عام 1826 في البنغال وامتد إلى روسيا وأوروبا وأمريكا، وهاجم هذا الوباء مصر مرتين الأولى في عام 1831 وانتشر على نطاق واسع في البلاد مؤديًا إلى وفاة 150,000 شخص أي ما يقرب من 6% من سكان مصر في ذلك الوقت. أما المرة الثانية حدثت عام 1834 وأدت إلى نفس عدد الوفيات تقريبًا وفقًا (لكلوت بك – Clot Bey) وهو طبيب فرنسي قضى معظم حياته في مصر.

بدأ الوباء الثالث عام 1846 وهاجم مصر ثلاث مرات في عام 1848 و1850 و1855 ولكن لا توجد تفاصيل بالمعلومات الأساسية وعدد الضحايا.

بدأ الوباء الرابع في عام 1863، وهاجم مصر عام 1865، وفقًا للإحصاءات تجاوز عدد الوفيات 60.000، واختلف معدل الوفيات بين المدن على النحو التالي: ما يقرب من 100 لكل ألف شخص في رشيد، 42 لكل ألف في دمياط و22 لكل ألف في القاهرة والإسكندرية.

خلال الوباء الخامس، عانت مصر إلى حد كبير، حيث هاجم الوباء مصر ثلاث مرات الأولى في عام 1883 مؤديًا إلى وفاة 36,300 حالة في مصر السفلى و12,170 في صعيد مصر. بعدها حدثت فاشيتين متتاليتين عامي 1895 و1896 مؤديتان إلى وفاة 20,320 شخص و17,270 شخص على الترتيب.

في الوباء السادس الذي بدأ عام 1902، تفشى المرض في مصر خلال نفس العام، بإجمالي عدد مصابين بلغ 40,614 ووفيات بلغت 34,595 حالة وفاة في 2026 بلدة وقرية.

تفشي الكوليرا في مصر 1947

حتى يوم 22 سبتمبر لعام 1947 كان معدل الوفيات في جميع أنحاء البلاد في الحدود الطبيعية، وإخطارات الأمراض الوبائية كانت عادية جدًا. ولكن في يوم 22 سبتمبر حدث الشك الأول في وقوع حالة إصابة بالكوليرا، في يوم الجمعة 18 سبتمبر، مريضان بالقيء والإسهال تم عرضهما على طبيب في فاقوس بمحافظة الشرقية، وتم تشخيصهما بالتسمم الغذائي، وجاء هذان المريضان من القرين التي تبعد سبع كيلومترات عن فاقوس. في اليوم التالي شوهدت العديد من حالات القيء والإسهال في فاقوس، ولكن كانت حالتهم أكثر شدة مما أدى لدخولهما المستشفى العام للعلاج. في اليوم التالي تم الإبلاغ عن عشر وفيات في القرين بواسطة المسؤول الطبي عن الصحة في القرين. مساء الأحد رأى المسؤول الطبي بالقرين حالة مصابة بالقيء والإسهال وفي صباح اليوم التالي رأى المزيد من الحالات، وبدأت تقارير عن الوفيات من السابعة صباحًا حتى الظهر. فقام على الفور بالاتصال بكبير مسؤولي الصحة لديه والذي بدوره أبلغ مدير قسم الأوبئة بوزارة الصحة العامة. كان ذلك حوالي الساعة الرابعة مساءً. وفي 22 سبتمبر 1947 أرسل ثلاثة من كبار الموظفين الطبيين بقسم الأوبئة إلى قرية القرين للتحقيق، حيث تشير المعلومات عن شيء أكبر من التسمم الغذائي. في الثامنة من مساء ذلك اليوم، اشتبه في أن هذه الحالات نتيجة الكوليرا، وأعطيت الأوامر التالية:

  • إحاطة القرية بالشرطة لمنع الخروج منها أو الدخول إليها وتم التنفيذ في الثانية صباحًا يوم 23 سبتمبر.
  • حظر إقامة الأسواق.
  • نقل المعدات الطبية والأدوية اللازمة للمركز الطبي في القرين، وفي صباح 23 سبتمبر بدأ البحث عن حالات الإصابة في القرية وأخذت عينات ونقلت إلى المعامل في القاهرة لتحليلها. بعد ظهر نفس اليوم تم تلقي اتصالًا هاتفيًا من المسؤول الطبي لمحافظة القليوبية عن وجود حالات قيء وإسهال تبعها الموت في قرية مسطرد، الجدير بالذكر أن هذه الحالات لم يكن لها علاقة بحالات القرين. بعد ذلك أثُبتًت الحالات في القريتين أنها نتيجة الإصابة بالكوليرا.

توجه جيش من الأطباء والممرضين والمسؤولين الصحيين إلى هذه القرى عملًا على تطهيرها ومنع انتشار المرض، ولكن للأسف كل هذه الجهود لم تمنع المرض من الظهور في قرى أخرى وبعد ذلك في محافظات أخرى. حيث أصيب حوالي 20,804 شخص وتوفي 10,277 شخص بمعدل وفيات 50%(6).

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي