بوكاسا: إمبراطور إفريقيا المجنون

بوكاسا: إمبراطور إفريقيا المجنون.

يمتلئ تاريخ القارّة السّمراء بالعديد من المآسي، حروب وصراعات عرقيّة تقضي على الآلاف، جفاف ومجاعات تهجر وتقتل المزيد، ثمّ قرونٌ من الاستعمار الأوروبيّ تأتي لتستعبد سكّانها وتترك بعد رحيلها إرثًا داميًا يحمل مزيدًا من المعاناة لجموع البائسين الّذين خلّفهم الاستعمار وراءه. ولعل أبرز ما تركه الاستعمار خلفه هو ذلك السّلسال الطّويل من الطّغاة والحكّام المستبدين الّذي سيصل معظمُهم إلى الحُكم في بلدانهم خلال العقود التّالية من خلال سلسلة من الانقلابات العسكريّة على الحكومات الجديدة الّتي تولّت الحكم بعد رحيل الأوروبيّين، وخلال سنوات قليلة، سيتحوّل معظمهم إلى عصبة من القتلة والفاسدين وسيُغرقون بلدانهم في عقود من المزيد من الفقر والحروب. ومن بين كل هؤلاء يبرز (جان بيديل بوكاسا – Jean-Bédel Bokassa) رئيس، ولاحقًا إمبراطور، جمهوريّة إفريقيا الوسطى السّابق، كأحد أسوأ هؤلاء الطّغاة. إنّ قصّة صعود وسقوط الرجل الّذي أطلق على نفسه الحواريّ الـ13 للمسيح وعاش حياة البذخ بينما تضوّر شعبُه من الجوع، الرجل الّذي نصب نفسه إمبراطورًا في بلد ذي نظام جمهوريّ ثمّ سقط على يدِ من اعتبرهم حلفاءه وعائلته، هي قصّة سنتعرّف إليها في السّطور القادمة.

السّنين الأولى

كانت القرية الواقعة على حافّة غابة استوائيّة ضخمة تُدعَى بوبنجوي، وهناك في أقصى جنوب البلاد وعلى ضفاف نهر لوباي وُلِدَ بُوكاسا في الثّاني والعشرين من فبراير 1921 كواحد من 12 طفلًا لميندوجون بُوكاسا، زعيم القرية، وزوجته ماري يوكواو. كانت القرية تقع على بعد حوالي 80 كيلومترًا جنوب غرب مدينة بانجي عاصمة إقليم إفريقيا الوسطى الّتي كانت وقتها جزءًا من مستعمرات فرنسا العديدة في إفريقيا. بصفته زعيمًا للقرية، كان ميندونجون بُوكاسا مسئولًا عن توفير العمالة اللّازمة للشّركات الفرنسيّة في المنطقة من خلال تجنيد أبناء القرية، طوعًا أو قسرًا، للعمل لدى تلك الشّركات بشكلٍ أقرب إلى السُّخرة، لم يملك بوكاسا الأب أيّ اختيار سوى المثول لمطالب المستعمر الفرنسيّ وخاصة أنّ قريته كانت أحد أكبر القرى التّابعة لشعب الإمباكا وهى أقليّة عرقيّة في البلاد ممّا كان يعني أنّ أيّ معارضة للمطالب الفرنسيّة قد تعني تهجيرًا كاملًا قريته أو حتى شعب الإمباكا بالكامل من موطنهم دون أيّ قدرٍ من التّعاطف من باقي البلاد، وهكذا أُجْبِرَ ميندوجون على تنظيم قوائم تضمّ أسماء أهل قريته للعمل في الشّركات الفرنسيّة الباحثة عن عمالة مجانيّة في المنطقة.

غير أنّ كلّ شيء تغيّر عندما بدأ ميندوجون يسمع عن جهود رجل يُدعى كارنو لمقاومة الحكم الفرنسيّ والعمل القسري، كان كارنو (ويعنى اسمه الرجل الذي يغيّر العالم) واعظًا دينيًا ذا قدرات خطابيّة وكان يمضي وقته في علاج أمراض أهل قريته والقرى المجاورة في كوخه الصّغير حتى بدأ يظهر له أتباع يؤمنون بأنّه نبيٌّ مُرْسَلٌُ لتحريرهم وأطلقوا عليه اسم كارنو بدلًا من اسمه الأصلي. بدأ كارنو في استخدام صيته في الدّعوة للثّورة على الحكم الاستعماريّ الفرنسيّ ليتبّع هذه الدعوة مئات الآلاف من السّكّان الأصليّين وكان ميندوجون بُوكَاسا أحد هؤلاء. وهكذا قرّر بوكاسا الأب أنّه لن يتّبع الأوامر الفرنسيّة بعد الآن وقام بإطلاق سراح بعض من أبناء قريته الذين كانوا محتجزين كرهائن من قبل إحدى الشّركات الفرنسيّة. اعتبرت الشّركة أنّ هذا العمل بمثابة تمرّد وقامت على الفور باحتجاز ميندوجون واقتادوه مقيدًا بالسّلاسل إلى مقرّ حاكم المقاطعة الفرنسيّ، وفي الثّالث عشر من نوفمبر 1927 تعرّض ميندوجون للضرب حتّى الموت في ساحة البلدة خارج مكتب الحاكم، لم تستطع ماري تحمُّل الحزن النّاجم عن فقدان زوجها لتنتحر بعد أسبوع واحد فقط من مقتله(1).

انتقل بُوكَاسا الصّغير وباقي إخوته الاثنى عشر للعيش مع جدّهم وهناك قرّر من تبقى من عائلة بوكاسا أنّه إذا أراد بوكاسا أنّ يكون له أيّ مستقبل، فإنّه سيكون من الأفضل أن يتلقّى تعليمًا باللّغة الفرنسيّة، وهكذا أُرسل بُوكَاسا إلى مدرسة تبشيريّة مسيحيّة في مدينة قريبة، هناك تعرّض بوكاسا للسّخرية باستمرار من زملائه بسبب يُتمه وقِصر قامته، ليقرّر بوكاسا الصّغير دَفن معاناته بالتّركيز في دراسة اللّغة الفرنسيّة وأصبح مُغْرَمًا بشكلٍ خاصٍّ بكتاب قواعد اللّغة الفرنسيّة لمؤلّف يُدعَى جان بيديل ولاحظ أساتذتُه تعلّقه بكتاب هذا المؤلّف فبدأوا في مناداته بـ جان بيديل. خلال سنوات مراهقته درس بُوكَاسا في مدرسة سانت لويس في بانجي بهدف أن يصبح كاهنًا لكنّ أساتذته سرعان ما أدركوا أنّ بوكاسا لم يمتلك القدرات الاستيعابيّة اللازمة لهذا كما لاحظوا ضيقه من الالتزامات الدينيّة المختلفة المطلوبة لهذه المهنة. وفي سانت لويس ازداد تعلّق بوكاسا بكلّ ما هو فرنسيّ وأصبح مثَله الأعلى هو نابليون بونابارت، وهكذا وعند تخرّجه عام 1939 قرّر بوكاسا أنّ يأخذ بنصيحة أحد معلميه في مدرسة سانت لويس وأن ينضمّ إلى الجيش الفرنسيّ كجزءٍ من القوات الاستعماريّة المكوّنة من مواطنين من السّكّان الأصليّين من جميع المستعمرات الفرنسيّة حول العالم(2).

جنديّ فرنسا المخلص

أثناء خدمته في الجيش الفرنسيّ ارتقى بوكاسا سريعًا في الرّتب فأصبح عريفًا في يوليو 1940 ثم نال رُتبة الرّقيب في نوفمبر 1941. بعد احتلال ألمانيا النّازية لفرنسا في نفس العام، خدم بُوكَاسا مع وحدة إفريقيّة من القوات الفرنسيّة الحرّة وشارك في الاستيلاء على عاصمة حكومة فيشي الفرنسيّة المواليّة للألمان في برازافيل في الكونجو. وفي 15 أغسطس 1944، شارك في إنزال قوات الحلفاء في فرنسا وقاتل في جنوب فرنسا وألمانيا في أوائل عام 1945 ليُساهم مع بقيّة وحدته في جهود الإطاحة بألمانيا النّازيّة. وما إن انتهت الحرب قرّر بوكاسا أن يبقي في الجيش الفرنسيّ، والتحق بمدرسة تدريب الضّباط في سانت لويس بالسّنغال. شهدت السّنوات التّالية مشاركة بوكاسا في القتال خلال حرب الهند الصينيّة الأولى وهي حرب قامت بسبب رفض فرنسا منح فيتنام الاستقلال بعد نهاية الحرب العالميّة الثانية، هناك أبدى بوكاسا شجاعته خلال القتال ليتمّ تكريمَه بوسام الحرب الفرنسيّ، أحد أرفع الأوسمة العسكريّة الفرنسيّة بسبب مآثره خلال الحرب، أثناء إقامة بُوكَاسا في الهند الصّينيّة تزوّج من فتاة فيتناميّة تبلغ من العمر 17 عامًا وأنجب منها ابنة، وقام بوكاسا بتسجيل الطّفلة كمواطنة فرنسيّة. ثم بعد نهاية الحرب غادر بُوكَاسا الهند الصّينيّة بدون زوجته وطفلته حيثُ كان يعتقد أنّه سيعود لمهمة أخرى في المستقبل القريب غير أنّ تلك المهمة لم تأتِ قطّ وكانت تلك آخر مرّة سيَرى فيها بُوكَاسا ذلك البلد وكذلك زوجتَه وابنتَه مرّة أخرى(3).

بوكاسا أثناء خدمته في الجيش الفرنسيّ عام 1939.

الجنديّ والسّلطة

عند عودته إلى فرنسا عمل بُوكَاسا كمدرّس في مدرسة اللّاسلكيّ الخاصّة بالجيش الفرنسيّ حيثُ قام بتدريس تقنيّات البثّ اللّاسلكيّ للمجنّدين الأفارقة. وواصل بُوكَاسا خلال الأعوام التالية ترقية للرتب العسكريّة حتى وصل إلى رُتبة نقيب، وفي عام 1959 وبعد غياب عشرين عامًا أُعيد بُوكَاسا إلى موطنه في بانجي. في تلك الأثناء كانت حركة التّحرر من الاستعمار في إفريقيا تجري على قدم وساق وبدأت الدّول الأوروبيّة في منح الاستقلال لمستعمراتها الإفريقيّة واحدة تلو الأخرى وكان الدّور قد جاء على موطن بوكاسا ليتمّ إعلان الإقليم كدولة مُستقلة باسم جمهوريّة إفريقيا الوسطى في 13 أغسطس 1960. على الفور، غادر بُوكَاسا الجيش الفرنسيّ وانضم إلى القوات المسلّحة لجمهوريّة إفريقيا الوسطى والّتي كانت ما تزال تحت الإنشاء. وبصفته ابن عمّ رئيس البلاد الجديد «ديفيد داكو» بالإضافة إلى خبرته الطويلة من الخدمة العسكريّة في الجيش الفرنسيّ كُلِف بُوكَاسا بمهمة إنشاء جيش البلد الجديد.

وخلال عام واحد، وبفضل صلة القرابة التي جمعته برئيس البلاد، أصبح بُوكَاسا القائد العام لجيش إفريقيا الوسطى الجديد المكوّن من 500 جندي، وبمجرد وصوله لمنصب قائد الجيش سعى بُوكَاسا على ترسيخ مكانته الجديدة في أعين كلٍّ من الشّعب ورجال الحكم، حيث حرص على أن يحضر جميع الاحتفالات والمناسبات الرسميّة مرتديًا زيّه العسكريّ ومتوشّحًا جميع الأوسمة العسكريّة التي حصل عليها خلال سنين خدمته في الجيش الفرنسيّ، كما حرص بوكاسا كذلك على إظهار صلة قرابته برئيس البلاد وأهميّته في الحكومة حيث كان غالبًا ما يتعمّد الجلوس مباشرة بجوار الرئيس.

سبّبت تصرفات بوكاسا قلق وغضب الكثيرين داخل حكومة الرئيس داكو وخصوصًا أنهم كانوا يرون تصاعد ظاهرة قيام قادة الجيوش بالانقلاب على حكوماتهم في الدّول حديثة الاستقلال حولهم. وهكذا دخل بُوكَاسا في مناوشات مع عدد من رجال القصر الرّئاسيّ الذين حاولوا إبعاد ذلك العسكريّ الطّموح عن مكتب رئيس البلاد، غير أنّ تلك المخاوف لم تجد طريقها لتفكير الرّئيس داكو في البداية، حيث وجد داكو في تصرّفات ابن عمّه الغريبة ومشاداته مع أعضاء حكومته نوعًا من التّسلية، وعندما صرّح بعض مساعديه أخيرًا أثناء مأدبة عشاء رسميّة بمخاوفهم من قيام بُوكَاسا بالانقلاب عليه تشبّهًا بما حدث في بعض البلاد المجاورة، كان ردّ داكو كالتّالي: «الكولونيل بوكاسا يريد فقط أن يجمع الأوسمة ويستعرضها في العلن ولا خوف منه، كما أنّه أغبى من أن يستطيع تنفيذ انقلاب». غير أنّ كلمات الرّئيس داكو غير المبالية لم تُفلح إلّا في زيادة قلق المحيطين به حيث تكوّنت لدى بعضهم قناعة بأنّ بوكاسا كان يشكّل تهديدًا حقيقيًّا على النّظام. حاول بعض أعضاء الحكومة إقناع الرّئيس داكو بنقل بُوكَاسا من منصبه كقائد للجيش إلى منصب آخر في الحكومة كوزير للدّاخليّة مثلًا على سبيل التّرضيّة، غير أنّ محاولاتهم باءت بالفشل، غير أنّ داكو استجاب أخيرًا لبعض تلك المخاوف ليقوم بتأسيس قوّة عسكريّة مستقلّة عن الجيش مكوّنة من قوّة شرطة مسلّحة قوامها 500 فردًا وحرسًا رئاسيّ خاصّ قوامه 120 فردًا (4).

الانقلاب

واجهت حكومة داكو عددًا من المشاكل الكبرى خلال عامي 1964 و1965؛ حيث عانى اقتصاد البلاد من الركود بينما فشلت مؤسّسات الدّولة الّتي نخر الفساد أساساتها في تأدية مهامها وبدأت في الانهيار. وبينما يحدث كلّ هذا كان أمن البلاد في خطر حيث بدأت حدود الدّولة الوليدة تتعرّض للاختراق من قبل جماعات مسلّحة أجنبيّة، بينما قامت عدد من التمرّدات المسلّحة داخل حدود البلاد ذاتها. وفي محاولة لتنمية مصادر بديلة لدعم اقتصاد البلاد المنهار وإظهار قدرته على صنع السّياسة الخارجيّة بدون بمساعدة الحكومة الفرنسيّة أقام داكو علاقات دبلوماسيّة مع جمهورية الصّين الشّعبيّة بقيادة ماو تسي تونغ في سبتمبر 1964 ونجح في الحصول على قرض من الحكومة الصّينيّة بقيمة مليار فرنك إفريقيًا. أثار كلّ ذلك غضب بُوكَاسا المؤيّد الوفيّ لفرنسا والمعارض الشّديد للشّيوعيّة، فبدأ في إظهار معارضته العلنيّة لتوجّهات حكومة داكو. وصلت التّوترات ذُروتها عندما ذهب بوكاسا لحضور احتفاليّة يوم الباستيل في فرنسا في يوليو 1965 ليقرّر الرّئيس داكو منع بوكاسا من العودة إلى البلاد مرة أخرى، ليثور غضب الأخير ويقوم بالتّواصل مع مؤيّديه في إفريقيا الوسطى وداخل الحكومة الفرنسيّة لكي يقوموا بالضّغط على الرّئيس داكو ليسمحَ له بالعودة وهو ما تمّ بالفعل في أكتوبر من نفس العام.

استمرت التّوترات بين داكو وبوكاسا في التّصاعد في الأشهر التّالية. وفي ديسمبر رفض الرّئيس داكو التّصديق على ميزانية الجيش التي قدّمها بوكاسا. في هذه المرحلة أخبر بوكاسا المقربين لديه بأنّه منزعجٌ من سوء معاملة داكو له، وأنّه يفكّر جديًّا في التخلّص منه. كان الرّئيس داكو قد أدرك أخيرًا مدى خطورة بوكاسا وسعى لاستبداله من خلال ترقية بعض ضباط الجيش الموالين له كخُطوة أولى للتّخلص من بوكاسا ورفاقه؛ ليدرك بوكاسا على الفور أنّ عليه التّحرك بسرعة.

غادر داكو القصر الرّئاسيّ في وقت مبكر من مساء يوم 31 ديسمبر 1965 لزيارة إحدى مزارع وزرائه في الرّيف. قبل منتصف اللّيل بساعة ونصف، أعطى النّقيب بانزا مساعد بُوكَاسا الأوّل الأوامر لضُبّاطه ببدء الانقلاب. خلال دقائق تمكّن جنود بُوكَاسا من السّيطرة على أحد أكبر معسكرات الجيش بالبلاد ومن هناك غادر بوكاسا وبانزا وأنصارهم للسّيطرة على العاصمة. بعد الاستيلاء على العاصمة في غضون ساعات، هرع بوكاسا إلى قصر الرّئاسة من أجل القبض على داكو غير أنّه أُصِيْبَ بالذُّعر عندما وجد القصر خاليًا معتقدًا أنّ الرّئيس قد تمّ تحذيرُه مسبقًا من الانقلاب، وأمر جنوده على الفور بالبحث عن داكو في الرّيف القريب من العاصمة حتى يتمّ العثور عليه. ولحسن حظ بُوكَاسا لم تكن أنباء الانقلاب قد بلغت الرّئيس بعد ليتمّ القبضُ علي داكو من قبل دوريّة من الجنود على الحدود الغربيّة للعاصمة. على الفور أُرسل داكو إلى القصر الرّئاسيّ حيثُ كان بُوكَاسا في انتظاره، وهناك عندما اقتاد الجنود الرّئيس إلى قائدهم نهض بوكاسا وعانق الرّئيس وقال له: «لقد حاولتُ تحذيرك ولكن الأوان قد فات الآن». وأمر بوكاسا جنوده باقتياد داكو لأحد السّجون القريبة حيث أُجْبِرَ على توقيع استقالته. وقام بوكاسا في الصباح بمخاطبة الشّعب عبر الإذاعة الوطنيّة قائلًا: «هنا الكولونيل بوكاسا يتحدّث إليكم. في السّاعة الثّالثة صباحًا، سيطر جيشكم على الحكم واستقالت حكومة الرّئيس داكو. لقد آن أوان تحقيق العدالة، انتهى عهد البرجوازيّة وبدأ عهدٌ جديدٌ من المساواة بين جميع أبناء الشّعب. بني وطني، أينما كنتم، كونوا واثقين من أنّ الجيش سيدافع عنكم وعن ممتلكاتكم.. عاشت جمهوريّة إفريقيا الوسطى» (5).

جان بيديل بوكاسا

عهدٌ جديدٌ وأساليبٌ قديمةٌ

فور توليه الحكم أعلن بوكاسا إلغاء الدّستور وقام بحلّ البرلمان المُنتَخَبِ بحجّة أنّه لم يعد يمثل الشّعب، ثم قام بتشكيل حكومة جديدة تحت اسم المجلس الثّوري ومنح نفسه فيها صلاحيات مُطْلَقَةً. انخرط بُوكَاسا بعد ذلك في التّرويج لنفسه أمام الجماهير كبطل قوميّ تمّ اختياره لإنقاذ البلاد من عثرتها، فكان يحرص دائمًا على الظّهور بكثرة في المناسبات العامّة لكي يُلقي خطابات طويلة. في هذه الخطابات ادّعى بوكاسا أنّ الحكومة ستجري انتخابات في المستقبل القريب، وأنّه سيتمّ تشكيل برلمان منتخب، وسيتمّ كتابة دستور جديد للبلاد، كما أخبر مواطنيه أنّه سيتخلى عن سلطته بعد القضاء على التّهديد الشّيوعي واستقرار الاقتصاد واستئصال الفساد. وإيفاءً لعادته القديمة؛ كان بُوكَاسا يحرص على إبراز أوسمته العسكريّة العديدة في كل تلك المناسبات.

شهدت الأيام الأولى لحكم بوكاسا بعض التّحسن في أحوال المواطنين، حيث قام بُوكَاسا بإصدار قوانين لمنع التّسول وفرض الأمن، كما حاول تطوير منظومة النّقل المتهالكة في البلاد من خلال إنشاء عدّة خطوط للحافلات تمرّ عبر العاصمة، كما افتتح خطًّا للنّقل النّهري كوسيلة لربط البلاد. غير أنّ شاغل بوكاسا الأكبر خلال سنين حكمه الأولى كانت في الحصول على اعتراف الدّول الأخرى بحكومته، فعلى الرّغم من محاولاته الحثيثة لتبرير انقلابه كمحاولة لإنقاذ البلاد من خطر الشّيوعية ولإنهاء فساد الحكومة، إلّا أنّ بُوكَاسا واجه صعوبة في الحصول على الاعتراف الدّولي بسبب الانقلاب. كانت الدول الإفريقيّة المجاورة ذات الأنظمة العسكريّة هي أول الدّول الّتي تعترف بنظام بوكاسا الجديد فحصل على دعم من تشاد وليبيا، غير أنّ اهتمام بوكاسا الأكبر كان في الحصول على اعتراف الغرب وبالتّحديد فرنسا المستعمر السّابق لإفريقيا الوسطى وشريكها التّجاري الأوّل، غير أنّه واجه صعوبات في الحصول على دعم الحكومة الفرنسيّة في البداية غير أنّ تردد الحكومة الفرنسيّة تبدّد عندما هدّد بُوكَاسا بفكّ ارتباط عملة البلاد بالفرنك الفرنسيّ ليقوم الرّئيس الفرنسيّ وقتها شارل ديجول بزيارة رسميّة لإفريقيا الوسطى ليحصل بوكاسا أخيرًا على الاعتراف الفرنسيّ الذي كان يطمح إليه (6).

بتثبيت أركان حكمه داخليًا وحصوله على الاعتراف الدّولي المنشود؛ أصبحت يد جان بيديل بُوكَاسا طليقةً في إدارة شئون البلاد، ففي عام 1971 رقّى بوكاسا نفسه إلى رتبة جنرال وفي العام التّالي أعلن نفسه رئيسًا مدى الحياة، ثم بدأ في إصدار سلسلة من القوانين الغريبة؛ فمنع العزف على الطّبول الإفريقيّة التّقليديّة، وقام بإنشاء قوة مسلحة أسماها «كتائب الأخلاق» مهمتها مراقبة الأماكن العامّة ومنع أيّ أفعال تراها منافية للأداب، كلّ ذلك بينما استمر هوس بوكاسا بالألقاب، فبعد أن عيّن نفسه رئيسًا مدى الحياة أعطى لنفسه لقب «مارشال الجمهورية» وهي رتبة عسكريّة اخترعها لنفسه. يأتي فوق كلّ ذلك الإشاعات الّتي انتشرت بقوّة في البلاد عن أنّ بُوكَاسا كان من آكلي لحوم البشر، وبالتّحديد أنّه كان يأمر بطبخ لحوم معارضيه بعد تعذيبهم وقتلهم ليأكلها، ورغم أنّ تلك الإشاعات لم تُوَثّقْ قطّ بدليل إلّا أنّها أضافت طبقةً أخرى إلى هالة الجنون الّتي أحاطت بحكم الرجل. كانت تصرفات بوكاسا غير متوقّعة وخارجة عن المألوف، فبعد لقاء مع الزّعيم اللّيبي حينها مُعمّر القذّافي في سبتمبر 1976 أعلن بُوكَاسا اعتناقه للإسلام وقرّر أن يُغيّر اسمه ليصبح صلاح الدّين أحمد بوكاسا قبل أن يعود إلى اعتناق المسيحيّة مرة أخرى بعد ثلاثة أشهر فحسب، خمّن البعضُ أنّ بُوكَاسا كان يطمح في تلقّي مساعدات ماليّة من القذّافي نظير اعتناق الإسلام ولكن عندما اتّضح له أنّ تلك الأموال لن تأتي سريعًا كما كان يطمح، قرّر العدول عن قراره. كان هذا أحد الأسباب، أما السّبب الآخر فكان أنّ بوكاسا كان يخطّط لاستخدام الكاتدرائيّة الكاثوليكيّة في العاصمة من أجل حفل آخر خاصٍّ جدًا، حفل تتويجه كإمبراطور.

الإمبراطور المجنون

كان بوكاسا حاكم بلده المطلق، في يده مقاليد كافّة السّلطات وبحوزته ثروات البلاد يوزّعها كيفما يشاء، والأهمّ بالنسبة له أنّه امتلك جميع الألقاب والرّتب والأوسمة الممكنة. غير أنّ شغف بُوكَاسا بحياة مثله الأعلى نابليون بونابارت جعله يطمح في المزيد، وفي زيارة رسميّة لفرنسا في بداية عام 1976 صارح بُوكَاسا الرّئيس الفرنسيّ حينها فاليري جيسكار ديستان بأنّه على غرار نابليون، يخطّط لتحويل بلاده من جمهوريّة إلى إمبراطوريّة وأن يُعلنَ نفسه إمبراطورًا للبلاد. كان بُوكَاسا جادًّا فيما يقول، وبين شهري سبتمبر وديسمبر 1976 قام بحلّ الحكومة و أصدر دستورُا جديدًا للبلاد يحوّل نظام الحكم فيها من الجمهوريّ إلى الإمبراطوريّ ومنح نفسه لقب «صاحب الجلالة الإمبراطوريّ بوكاسا الأول إمبراطور إفريقيا الوسطى بإرادة شعب إفريقيا الوسطى». وعلى الفور بدأ في التّحضير لحفل تتويجه الّذي كان مقررًا له أن يتمّ في بداية ديسمبر في محاولة لمحاكاة موعد تتويج نابليون لنفسه.

في سبيل تمويل الحفل قرّر بُوكَاسا التّوجّه إلى فرنسا من أجل طلب الدّعم الماليّ، وبعد تردّد وافق الرّئيس الفرنسيّ ديستان على تقديم بعض المساعدات خوفًا من أن يؤدّي رفضه إلى تعريض الاستثمارات الفرنسيّة في إفريقيا الوسطى للخطر وخصوصًا في مجال استخراج اليورانيوم الحيويّ. استعدادًا للتّتويج، تمّ تشكيل عدّة لجان خاصّة كلٌّ منها مسؤول عن الإشراف على جانب معيّن من جوانب الحفل، فمثلًا تمّ تكليف لجنة بإيجاد أماكن لاستضافة ما يزيد عن 2500 ضيفًا أجنبيًّا تمّت دعوتُهم لحضور الحفل؛ وفي سبيل ذلك بدأت اللّجنة في مصادرة جميع الفنادق والمنازل وحتّى المحال التّجاريّة القريبة من مكان الاحتفال وتحضريها من أجل استقبال الضّيوف. بدأت كذلك عمليّة مكثّفة لتُغيّر مظهر العاصمة الفقيرة بالكامل، فتمّ تنظيف الشّوارع وطلاء المباني وإزالة جموع المتسوّلين والمتشرّدين ونقلهم إلى خارج العاصمة، بينما تمّ تكليف جميع شركات الأزياء في البلاد بتصميم ملابس جديدة للسّكان الذين سُمح لهم بالبقاء في العاصمة. تواصل بُوكَاسا كذلك مع عدد كبير من الفنانين الأوروبيين من أجل عمل عدة تماثيل ولوحات فنية تُخلّد ذلك الحدث. من بين ما طلبه بُوكَاسا كان تصميم عرش خاصّ لكي يجلس عليه أثناء الاحتفال وتمّ تكليف فنان فرنسيّ مشهور بهذه المهمّة، كان العرش الإمبراطوريّ الّذي تمّ تصميمه مصنوعًا من البرونز المذهّب على شكل نسر جالسٍ بأجنحة مفرودة بارتفاع يبلغ ثلاثة أمتار ونصف ووزن تجاوز الطّنين وبتكلفة جاوزت الاثنين ونصف مليون دولارًا أمريكيًّا.

ولأنّ أيّ إمبراطور يحتاج إلى الدّخول بطريقة تليق بمكانته؛ تمّ جلب وترميم عربة خيول أثريّة من مدينة نيس جنوب فرنسا واستيراد ثمانية أحصنة بيضاء اللّون من بلجيكا لكي تجرّ العربة، ثم تمّ ترصيع العربة نفسها بالذّهب بغرض حمل الإمبراطور وتجوب به شوارع العاصمة حتّى مكان التّتويج. تمّ كذلك تعيين نفس شركة الأزياء الفرنسيّة الّتي صمّمت رداء نابليون قبل مئتى عامًا لكي تصمّم رداء بُوكَاسا الإمبراطوريّ وأزياء أسرته. ومن أجل راحة ضيوفه، تمّ استيراد 60 سيارة مرسيدس جديدة وشحنها من ألمانيا لكي تأخذ الضّيوف الأجانب في جولات ترفيهيّة في العاصمة. من جانبها أوفت فرنسا بوعدها بدعم الحفل فقام وزير الدّفاع الفرنسيّ بإرسال كتيبة من الجيش لتأمين التّتويج، كما قام أيضًا بإرسال فريق من أوركسترا البحريّة الفرنسيّة للمشاركة في الاحتفال.

بدأ الاحتفال يوم 4 ديسمبر 1976 في تمام العاشرة صباحًا بدخول أفراد عائلة الإمبراطور وأقاربه الّذي أنعم عليهم بُوكَاسا جميعًا بألقاب الأمير والأميرة يتقدّمهم زوجات بُوكَاسا السّبعة عشر وأبناؤه الأربعون، تلى ذلك إعلان «جان بيديل بوكاسا» الابن البالغ من العمر أربع سنوات وليًّا للعهد كما تُوِّجَتْ زوجةُ بُوكَاسا المفضّلة كاثرين كإمبراطورة للبلاد، ثم تبع ذلك أخيرًا تتويج بُوكَاسا كإمبراطور. في النّهاية لم يحضر ذلك الاحتفال من الـ 2500 ضيفًا المدعوين سوى 600 شخصًا فقط لم يكن منهم أيّ رئيس دولة أو رئيس وزراء الّذين رفض معظمهم الحضور باستثناء رئيس دولة موريشيوس. حاول بُوكَاسا تبرير أفعاله بالادّعاء أنّ إنشاء نظام ملكيّ سيساعد إفريقيا الوسطى في أن تكون مميّزة عن بقيّة دول القارّة وأنّ هذا سيُكسبها احترام بقيّة العالم. كان العكس هو ما حدث؛ حيثُ تلّقى احتفال بُوكَاسا انتقادات لاذعة من وسائل الإعلام، وبدأت الصّحافة الغربيّة تصف بُوكَاسا بالمجنون، ليأتي ردّه قائلًا: «إنّهم يغارون منّي لأنّي أملك إمبراطوريّة وهم لا». في النّهاية كلّف احتفال بوكاسا الّذي دام يومين 20 مليون دولارًا أمريكيًّا وهو مبلغ يتجاوز أكثر من ثُلث ميزانيُة البلاد بالكامل (7).

بوكاسا في حفل تتويجه كإمبراطور في ديسمبر 1976.

سقوط الطّاغية

كانت نهاية حكم بوكاسا كما كانت بدايتها سريعة وعنيفة. بحلول العام 1979 كان اقتصاد البلاد قد انهار، اختفت السّلع الأساسيّة من الأسواق وعندما كانت تظهر كانت بضعف السّعر، وبينما كان الشّعب على شفير المجاعة ازداد بُوكَاسا وأقاربه ثراءً، بينما استمر قمع وتعذيب كلّ صوت يجرؤ على معارضة الإمبراطور. عادت كذلك شائعات أكل بوكاسا للحوم البشر للانتشار من خلال قصّة تناقلها البعض عن أنّه وبعد حفل التّتويج وبينما كان بوكاسا على طاولة الطّعام فقد مال على أُذن وزير فرنسيّ كان يحضر الحفل وقال له: «ربّما لم تلاحظ هذا ولكن هذا الّذي تناولته كان لحمًا بشريًّا» (8).

ازداد السّخط في الشّارع واشتعلت أعمال شغب بسبب نقص الغذاء، لكن بوكاسا كان يدرك أنّه طالمًا استمر الدّعم الفرنسيّ له أنّه سيبقى حاكمًا للأبد، ولكن مصيرًا آخر كان قد تقرّر، ففي منتصف إبريل عام 1979 مرّر الإمبراطور قانونًا يلزم طلاب المدارس بأن يشتروا جميع أزيائهم المدرسيّة من مصنع الملابس الّذي تمتلكه زوجته، كانت الملابس الجديدة، المطبوع عليها صورة بوكاسا باهظة الثّمن بشكل لا يتحمله هؤلاء التّلاميذ وأهلُهم، خرج طلاب المدارس في مظاهرات ضدّ هذا القرار ليأمرَ بوكاسا حرسَه الإمبراطوريّ بإطلاق النّار عليهم، أخذت هذه المذبحة أرواح مئة طفل. انهار الدّعم الخارجيّ لبوكاسا بعد هذه المذبحة، وأدركت فرنسا بعقليّة المستعمر البرجماتيّة أنّ بقاء الإمبراطور المجنون قد يشكّل خطرًا على مصالحها في إفريقيا الوسطى. وهكذا، وبينما كان الإمبراطور في زيارة لصديقه القذّافي في ليبيا، قامت قوات المظلّات الفرنسيّة بعمليّة عسكريّة خاطفة في مساء يوم 20 سبتمبر 1979 وأطاحت بنظام بوكاسا وأعادت الرّئيس المخلوع ديفيد داكو إلى منصبه ليُعلنَ بدوره سقوط إمبراطوريّة بوكاسا وإعادة الجمهوريّة، سيظلّ داكو رئيسًا لعام واحد فقط قبل أن يطيحَ به رئيس أركان جيشه كولينجابا في انقلاب آخر (9).

فور تلقيه خبر الانقلاب الذي نفّذته فرنسا عليه قرّر بوكاسا السّفر إلى ساحل العاج، ليقضي أربع سنوات هناك قبل أن تسمح له الحكومة الفرنسيّة بالاستقرار في ضاحية باريسيّة، ومنحته معاشًا عسكريًّا كونه جنديًّا فرنسيًّا سابقًا. في منفاه كان بوكاسا دائم الشّكوى من قلّة المعاش الّذي يتلقّاه فقرّر الإمبراطور السّابق أن يكتب مذكّراته وينشرها كوسيلة لكسب بعض المال، غير أنّ تلك المذكّرات سرعان ما صُودِرَتْ بأمر محكمة فرنسيّة بعد أن ادّعى بوكاسا أنّه كان ينظّم حفلات جنس جماعيّ مع الرّئيس الفرنسيّ السّابق فاليري جيسكار ديستان الّذي كان دائم التّردد على إفريقيا الوسطى. كان وجود بوكاسا في فرنسا مصدر إحراج للعديد من السّياسيّين الفرنسيّين الّذين دعموه أثناء فترة حكمة، وهكذا قرّر بوكاسا العودة إلى إفريقيا الوسطى عام 1986، هناك تمّ القبض عليه ومحاكمته بمجرّد عودته ليُحْكَمَ عليه بالإعدام ثم ليُخَفّفَ عنه هذا الحكم من قبل الرّئيس كولينجابا إلى السّجن المؤبد غير أنّ بوكاسا لم يقضِ في السّجن سِوى بضعَ سنوات قبل أن يخرجَ بعفوٍ رئاسيٍّ نهائيٍّ عام 1993. قرّر بوكاسا البقاء في بلاده، وخلال الأعوام التّالية تدهورت صحّة الطّاغية السّابق وشعرَ بدُنُوّ أجله فقرر أن يعود إلى أيّام شبابه الأولى عندما كان يدرس ليصبح كاهنًا واتّجه للتّدين وخلال هذه الفترة أعطى بوكاسا لنفسه لقبَ الحواري الثّالث عشر للمسيح، وادّعى أنّه يقوم برحلات سريّة كلّ يوم إلى الفاتيكان ليتحدّث مع البابا. كان هذا هو اللّقب الأخير الّذي أعطاه جان بيديل بوكاسا لنفسه ليُفارق الحياة في الثّالث من نوفمبر عام 1996. ظلّ إرثُ بوكاسا محلّ جدل كبير في بلاده حتّى عام 2010 عندما تمّ تكريم بوكاسا كبطل قوميّ من قبل الرّئيس فرانسوا بوزيزيه الّذي وصل إلى الحكم عام 2003 في انقلاب عسكريّ (10).

 

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي