تقدم وتراجع: عن تاريخ الحاسبات الجزيئيّة

27

||

ما الذي حدث (للحاسبات الجزيئية-Molecular Computers) ؟ ولماذا لم يتم الوفاء بتلكَ الوعود المحيرة حول استبدال السيليكون بمكونات جزيئية؟

منذُ أربعينَ عامًا مضت؛ فتحَ طالب الدراسات العليا بجامعة نيويورك والذي كان يدعى أرييه أفيرام- Arieh Aviram رسالة الدكتوراة خاصته وقدمَ اقتراحًا جريئًا حيث قال: «يمكن أن نستخدم الطبيعة كدليل لنا، فالطبيعة تستخدم الجزيئات لتطبيق الكثير من الظواهر الفيزيائية، لذا فقد يكون من الممكن تصغير المكونات الإلكترونية للأحجام الجزيئية». كان اقتراح أرييه شيئًا ثوريًّا؛ الاتجاه المستمر نحو تصغير قانون مور- Moore’s Law عن طريق استبدال المكونات العضوية لترانزستورات السيليكون والثنائيات.

(ينص قانون مور- Moore’s law على أن عدد الترانزستورات في الدائرة الكهربائية المتكاملة يتضاعف كل سنتين)

وفي بحث كتبه أرييه بمشاركة أستاذه مارك واتنر- Mark Ratner المشرف على نظريته، وصفَ أفيرام نقطة انطلاق نظرية لهذه الثورة (المقوم الكهربائي الجزيئي لتحويل التيار الكهربائي المتردد الى تيار كهربائي مستمر)

سقطت الفكرة في طي النسيان، لا عجب في ذلك، فأفيرام كان لا يزال طالبًا في حين كان واتنر في (مطلع) مسيرته الأكاديمية. ولكن في أواخرِ الثمانيات عادت فكرتهم إلى الظهور مجددًا وتمت دراستها بواسطة مجموعة صغيرة ومصممة من الباحثين، ومنذ ذلك الحين اُستشهدَ بتلك الفكرة أكثر من ثلاثة آلاف مرة. واليوم يتم الاحتفال بها كميلاد لمجال الإلتكرونيات الجزيئية، والتي تبدو الان أنها أقرب من أي وقت مضى لتحقيق رؤية أفيرام التي وضعها منذ أربعة عقود مضت.

لقد اتخذت التطبيقات المختلفة للإلكترونيات الجزيئية طريقها نحوَ شاشات العرض التجارية، وشملت التقدمات الهائلة الأخيرة للإلكترونيات الجزيئية: الثنائيات الباعثة للضوء أحادي الجزيء، والترانزستورات ذات الأنابيب الكربونية المرتبطة مع السيليكون في دائرة متكاملة ومتجانسة.

ظهرت أيضا نتائج أقل بهجةً ولكن أكثر أهمية من الناحية الفنية فعلى سبيل المثال: قام داني بوراث- Danny Porath وزملاؤه من الجامعة العبرية بالقدس Hebrew University بقياس نقل التيار الكهربائي في أسلاك مصنوعة من الحمض النووي، هذه الأسلاك ذاتية التجميع وتستخدم كبدائل لوصلات النحاس. قامت أيضًا مجموعة لاثا فينكاتارامان البحثية بجامعة كولومبيا- Latha Venkataraman’s group at Columbia University بقياس نسبة التصحيح لثنائي كهربائي أحادي الجزيء أكثر من مائتين مرة – وتلك تمثل خطوة حاسمة للحفاظ على إشارة عالية مع تصغير حجم الأجهزة. تمكن أيضًا كريستيان نيتجويش- Christian Nijhuis وزملاؤه في الجامعة الوطنية بسنغافورة National University of Singapore من قياس التغييرات في نسبة التصحيح، عندما استبدلوا مجموعة وظيفية واحدة – تتكون من عدد قليل من الذرات – لجزيء في حجم النانومتر. وهذا هو بالضبط نوع التحكم الذي رغب به كلًا من أربيه وراتنر.

وفي نفس الوقت واجه مصممو الرقائق الإلكترونية عقبات أشد وأكبر من أي وقت مضى لكي يسايروا قانون مور- Moore’s Law. وأعلنت شركة إنتل مؤخرًا عن أنها ستؤجل إطلاق عقدتها والتي بحجم عشرة نانومتر إلى عام (2017) وهي الخطوة التالية الفارقة في تاريخ أشباه الموصلات. ويبدو أن النجاحات التي تحققت مؤخرًا في مجال الإلكترونيات الجزيئية قد جاءت في الوقت المناسب. والآن بعد عقود من المجهود: هل يمكن أن يُستبدل السيليكون بالإلكترونيات الجزيئية؟ سؤال محير.

يعتقد الباحثون بأنهم كانوا على بُعد خطوات قليلة من مثل هذا الاكتشاف، ففي الواقع لقد حدث ثلاث مرات: مرة في الستينات (قبل بحث ودراسة أفيرام وراتنز) ومرة في منتصف الثمانيات، ومرة أخرى في أوائل عام (2000). وعقب كل طفرة ازدهار أعقبها فشل مخيب للأمال، والتي من خلالها كان على المجال أن يتراجع عن وعوده في مواجهة النتائج الضعيفة والتزوير الفاضح.

إنّ الإبداع والعلم بمجالات كثيرة في البحث ليس بالأمر العادي، ولكن قصة الإلكترونيات الجزيئية قصة استثنائية، بسبب ما تخبرنا إياه عن طبيعة البحث والتقدم وأيضًا عن قدرة الإنسان على التفاؤل والثقة بالنفس والفخر.

كُلًّا منا (يُقصد بهما كاتبي المقال) نعرض هذا التاريخ المشرف بوجهات نظر خاصة بنا. أحدنا يُدعى كيلي- Kevin F. Kelly وهو فيزيائي قام بدراسة في الإلكترونيات الجزيئية، والآخر هو مودي- Cyrus C.M. Mody وهو مؤرخ تاريخي، درس هذا المجال كظاهرة ثقافية. إنَ تعاون كلًّا منا في هذا المقال وفي مشروعات أخرى علمنا أن نحتفل بالتقدم الذي تم انجازه في السعي لتحقيق الإلكترونيات الجزيئية، وأيضًا أن نتعامل في هذا المجال مع القدر المناسب من الاحتمالية والشك.

صُنعت الدوائر الكهربائية للحاسبات والأجهزة الكهربائية الأخرى منذ أواخر الخمسينات عن طريق رسم أنماط معقدة على بلورات أشباه الموصلات (غالبًا السيليكون) في عمليات معقدة ودقيقة تشمل العشرات من الخطوات. ولكن في وقت مبكر، تسائل الناس عما إذا كانت الطريقة الأفضل للتصغير هي السماح بتطوير جزيئات أحادية يمكن استخدامها كدوائر أو مكونات كهربائية، وهذه الجزيئات يمكنها أن تكون أسرع وأصغر من دوائر السيليكون المتكاملة وأيضًا سهلة الصنع.

كان أرثر فون هيبل- Arthur R. von Hippel وفريقه البحثي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT أول من استكشف هذه الفكرة. وفي عام (1959) بدأ سلاح الجو الأمريكي بتمويل شركة وستنجهاوس- Westinghouse وشركات أخرى قليلة لتطوير دوائر جزيئية صلبة من بلورات غير عضوية خاملة، بينما هذه البلورات لم تكن جزيئات في حد ذاتها حيث يُزعم أنها صُممت فوق المستوى الجزيئي بدلًا من نحتها على مستويات أكبر مثل الدوائر المتكاملة التقليدية.

وعد الباحثون في شركة وستنجهاوس- Westinghouse على وجه الخصوص بأنهم سوف يكونون قادرين على تطوير بلورات من الجرمانيوم- germanium والتي سوفَ تكون بمثابة دائرة معقدة، ولكن بدون الحاجة للتوصيلات المعرضة للفشل بين مكونات الدائرة (التوصيل بين مكونات الدوائر الكهربائية المصنوعة من السيليكون كان تحديًا تقنيًا كبيرًا في ذلك الوقت). حيث أدى فشل الشركة في تصنيع مثل هذه الدوائر الجزيئية وأيضًا استمرار نجاح دوائر السيليكون التقليدية إلى اختفاء أول موجة من الإلكترونيات الجزيئية في منتصف الستينات.

وبعد عقد كامل؛ بدأ أفيرام وراتنر حقبة جديدة من الإلكترونيات الجزيئية المبنية على الجزئيات العضوية بدلًا من البلورات الغير عضوية، وكانت الدوائر الكهربائية المصنوعة من طبقة من الموصلات العضوية تسم بـ(أملاح عضوية ناقلة للشحن)، ويبدو أنها قابلة للتصغير بدرجة أكبر من البلورات الغير عضوية أو أجهزة السيليكون.

تصورَ أفيرام وراتنز أن الجزيء يشبه إلى حد كبير في طريقة عمله أشباه الموصلات ثنائية الصمام، حيث يكون جزء من الإلكترون مانح للإلكترونات (مشابه للطبقة n الخاملة في الصمامات الثنائية لأشباه الموصلات) والجزء الآخر هو مستقبل للإلكترونات (مشابه للطبقة p الخاملة). وكما هو الحال مع الصمامات الثنائية، وعندما تمرر جهدًا كهربائيًّا عبر الجزيء فإن حزمًا من الطاقة في كلا الطبقتين تنحني حتى تتحرك الإلكترونات بحرية من منطقة لأخرى، والجهد الكهربائي ذو الإشارة المعاكسة من شأنه منع الإلكترونات من التدفق.

ويمكن لهذه الصمامات الجزيئية الثنائية أن يتم إنتاجها بكثرة بواسطة الطرق المثبتة في الكيمياء العضوية الصناعية. وكدليل على هذا المبدأ؛ صمم أفيرام وراتنر مقوم جزيئي عبارة عن جزيء واحد، والذي يمكن لتيار متردد أن يتدفق خلاله من ناحية ولتيار ثابت أن يتدفق من الناحية الأخرى. وعلى الرغم من أن اقتراحهم نُشر بإيجاز في مجلة التايم- Time magazine فإن المجتمع العلمي أظهر القليل من الاهتمام، فقط حتى أواخر السبعينات عندما قام كيميائي بمختبر بحوث البحرية الأمريكية يدعي فورست كارتر- Forrest Carter بدراسة أفكارهم.

بلحيته الضخمة، وصوته المدوي الجهور، وعاطفته الجياشة للسيارات السريعة وصالات الرقص، كان كارتر هو القائد الذي جمعَ بين مجموعات مختلفة من علماء البوليمر، الفيزيائين، المهندسين الكهربائيين، باحثي التكنولوجيا الحيوية وواضعي السياسيات الدفاعية. لقد نشرَ دعاية ووعد بالإمكانيات الثورية للإلكترونيات الجزيئية في الحاسبات وعلى وجه الخصوص في الشبكات العصبية الاصطناعية والتي يمكنها أن تتعرف على الأنماط بطريقة ذكية تمامًا كما تفعل الأدمغة البشرية. إن المجتمع الذي دعمَ فكرة كارتر العظيمة لم يستطع الحصول على الكثير من التمويل الإتحادي، ولكن أتباعه تبادلوا الأفكار أسرع وأكثر مما كانوا سيفعلون في العزلة، وفي الوقت نفسه ظهرت برامج جيدة ممولة -حتى وإن كانت أقل طموحًا- في اليابان والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة.

وعلى الرغم من وعود كارتر المفرطة والمتفائلة، لم يتمكن أحد من صناعة حتى صمام ئنائي أحادي الجزيء أو ترانزيستور، ناهيك عن العشرات (بالتأكيد لم تكن الألاف) منهم التي يتم توصيلها بعضها ببعض لتشكيل دائرة كهربائية معقدة. وعلى الرغم من أن ملاحظات كارتر الدقيقة حول الكمبيوترات الجزيئية ألهمت بعض الباحثين، ولكنهم ابتعدوا عن طريق الآخرين والذين يريدون دليلًا ملموسًا على إمكانية تطبيق رؤية كارتر حول الإلكترونيات الجزيئية. وطبقًا لتقريرعام (1983) لأخبار الكيمياء والهندسة والذي ذُكر فيه أن (الضجيج والدعاية حولَ ما يُدعى بالكمبيوترات الجزيئية يبدو حتميًا؛ يٌقال أنها سوف تصبح قادرة على صنع أشياء خارقة ورائعة والتي بالكاد تكون خطوة أُزيلت من تاريخ الخيال العلمي). وبحلول الوقت توفى كارتر في (1987) في سن الـ(57). وطبقًا لقول الفيزيائي البريطاني ريتشارد جونز- Richard A.L. Jones فقد اكتسبَ المجتمع الأمريكي للإلكترونيات الجزيئية سمعة غير لائقة.

وفي الوقت نفسه استمر أفيرام بهدوء في أبحاثه، وبدأ في تنظيم سلسلة من المؤتمرات حول الإلكترونيات الجزيئية بدعم من منظمة الهندسة. وعلى الرغم من أن أفيرام تجنبَ أعمال الدعاية التي حاوطت كارتر، ولكن ساعدت التجمعات حوله على التحفيز لإتخاذ الخطوة التالية في الإلكترونيات الجزيئية.

حضرَ مارك ريد -وهو متخصص في التصنيع الدقيق من جامعة ييل Yale University- أحد هذه المؤتمرات التي كان ينظمها أفيرام في عام (1991) والذي أٌقيم في ذلك الوقت في جزر فيرجن- Virgin Islands، وهناك قابل الكيميائي الصناعي جيمس تور- James Tour (والذي كان حينها في جامعة ولاية كارولينا الجنوبية University of South Carolina وحاليا بجامعة رايس Rice University) والذي توصلَ لطريقة لتصنيع جزيئات عضوية، والتي تستطيع –على الأقل نظريًا- أن تُستخدم كأجهزة تغيير كهربائية جزيئية. ولكن تور لم يكتشف بعد الطريقة التي يمكن بها أن يقوم بإدخال هذه الجزئيات داخل دائرة كهربائية، ولمعرفة إذا ما كانوا بالفعل قادرين على التغيير؛ أقترح ريد حل وهو أنه سوفَ يستخدم تقنية التصنيع الدقيق لصناعة أقطاب مفصولة بفجوة صغيرة ليضع بداخلها جزئيات تور وإذا استطاع حتى جزيء واحد أن يسد هذه الفجوة؛ فإن أي تيار سيمر خلال الدائرة سوف يكون قابل للقياس.

وصلَ المقترح البحثي لتور وريد لمكتب جين زان الكسندر- Jane “Xan” Alexander وهو ضابط ومدير لاحق في وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية، وقامت هذه الوكالة بدعم هذا العمل وفي عام (1998) توسعت رعايتها عن طريق برنامج Moletronics وأخيرًا دعمت هذه الوكالة أبحاث ريد وتور والمتعاونين معهم والمجموعات البحثية المماثلة في: هيوليت باكارد- Hewlett-Packard، آي بي إم IBM، نورث ويسترن- Northwestern، ولاية بنسلفانيا- Penn State وأماكن أخرى بحوالي (15) مليون دولار سنويًا. ومرة أخرى اكتسح المجال فكرة ورؤية الأجهزة أحادية الجزيء ذات السلوكيات الإلكترونية المعقدة، لقد أُحرز تقدم بالفعل في وصف وتميز الخصائص الإلكترونية للمكونات أحادية الجزيء. كان ريد وتور متفائلين بما فيه الكفاية لتأسيس شركة إلكترونيات جزيئية مع زملاء آخرين. وفي عام (2000) قدمت هذه الشركة براءة اختراع لـ(الكمبيوتر الجزيئي) والذي من شأنه أن يوفر نظامًا خاليًا من السيليكون التقليدية.

ولكن كما سبق، فإن الوعود الكثيرة تخطت الإنجازات الفعلية على أرض الواقع، ففي عام (2003) صرح بول وايس- Paul Weiss -وهو أحد المتعاونين مع فريق تور في ولاية بنسلفانيا- لمجلة العلوم بأن بعضًا من النتائج السابقة لكل من ريد وتور والمتعلقة بالخصائص الجزيئية الكهربائية مثل فرق المقاومة الكهربائية السالبة لم تكن مستقرة مثلما وضح المقال المنشور عام (1999).

وكان هناك أيضًا تعاون بارز بين ممثلي شركة Hewlett-Packard (والمعروفة عالميًا بشركة hp) العالم أر. ستانلي ويليامز- R. Stanley Williams والعالم جيمس هيث- James Heath -واللذان كانا سويًا في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس University of California Los Angeles- وواجه هذا التعاون الانتقادات بسبب ادعاءات حول السلوك التبادلي لجهاز صُنع من طبقة من جزيئات الـ(rotaxane) وأضعفت هذه المشكلة مصداقية المجال لدرجة جعلت الوسط العلمي يتسائل عمّا إذا كان المجال يمر بأزمة منتصف العمر.

وكانت هذه الأخطاء تافهة ومع ذلك فلقد تم مقارنتها مع تلك الألاعيب الصريحة التي قام بها جان هاندريك شون- Jan Hendrik Schön داخل مختبرات بيل- Bell Laboratories. وفي عام (2001) فجر شون على الساحة العديد من الاكتشافات العظيمة فيما يخص الإلكترونيات الجزيئية شاملة حجر الأساس للمجال: ترانزستور أحادي الجزيء. وبعد سنة واحدة فقط تّم إثبات خطأ ادعاءات الترانزستور الأحادى الجزيء وكل شيء آخر قال شون أنه تم إنجازه.

كانت احتيالات شون تمثل كارثة للكثيرين في المجال، العلماء البارزين الذين تحدثوا بفخر عن نتائج هذا الفيزيائي (يُقصد به شون) يبدو عليهم الآن السذاجة والإهمال وتشوهت سمعتهم (نقطة سوداء في تاريخهم المضيء). وقد أدّى هذا إلى تراجع المستثمرين واضطرت شركات ناشئة مثل شركة الجزيئات الإلكترونية أن تُوقف أعمالها، وكان على الرائدين في المجال إما أن يتراجعوا عن وعودهم أو أن يتخلوا عن حلم الجزيئات الإلكترونية تمامًا، راغبين أن يستغلوا خبراتهم في مجالات ذات صلة ولكن لا يشوبها الأخطاء والاحتمالات مثل تصميم جزيئات لتوصيل الأدوية داخل الجسم البشري إلى الأماكن المخصصة لها.

وبطبيعة الحال الاحتيال العلمي لم يكن مقتصرًا على شون وبالتالي يجب البحث وراء الظروف التي سهلت له احتياله وخداعه. كانت هناك مشكلة واحدة تسببت فيما سبق، وهي أن المجال لم يعطي أولوية كبيرة لعملية تكرار النتائج، وكانت العديد من المجموعات البحثية تجري أبحاثها على جزيئات فريدة من نوعها والتي بطبيعة الحال لم تستطع المجموعات الأخرى الوصول إليها وبالتالي لم يستطيعوا دراستها ونتيجة لهذا كانت نتائج شون مذهلة وأصبحت لفترة طويلة جدًا بلا منازع، وكانت المكأفاة الوحيدة لأولئك الذين سعوا وراء اكتشافاته الوهمية إهدار الكثير من وقتهم الثمين.

كشفت أيضًا قضية شون فشل آخرين كثيرين مما يجعلنا ننتبه جيدًا إلى القول المأثور (لا تخدع نفسك). وبسبب المخاطر التجارية الكثيرة أو بسبب أن المجال كان يتطور بسرعة خلال سنوات الدعم من وكالة مشاريع وأبحاث الدفاع المتقدمة؛ لم يمتلك الباحثون الوقت الكافي لإمعان النظر في الأدلة الغير صحيحة، وأيضًا قدمت العديد من المقالات نتائج بصورة أفضل في حين الملاحظات لم تدعم فرضيات كثيرة للعلماء، فعلى سبيل المثال؛ وصفت بعض التقارير السابقة عن تقاطعات النانو جهاز مذهل ينتج حوالي (%80)، ولكن تبين أن هذه النسبة تعتمد على عدد التقاطعات النانونية والتي تجاوزت القياس المبدأي وليس على إجمالي الرقم الذي تم اختلاقه، وكانت النسبة الحقيقة ما بين (1% – 2%)

حتى قبل أن تظهر ادعاءات شون للضوء، فإن الكثير من الباحثين تطلعوا لاستخدام منهج أكثر حذرًا، وأبدوا استعدادهم الكامل لمراجعة وإعادة النظر في نتائجهم مجددًا، وقد أدى فصل شون من عمله نتيجة لسوء تصرفاته إلى تحفيز هؤلاء الباحثين للبدء في تغيير مناهجهم في هذا المجال، وعلى سبيل المثال بدأ الباحثون أخيرًا بإجراء تجارب حيث قاموا بوضع جزئيات نشطة ومعزولة داخل التقاطعات النانونية الغير عضوية داخل الأجهزة، وبهذه الطريقة تمكنوا من فصل خواص التقاطعات النانونية عن خواص الجزيئات النشطة.

حدثت هذه التغييرات في البداية بإطار غير رسمي، ولكن الاصلاحات الحقيقة اكتسبت المزيد من الثبات والدفع نحو الأمام مع إنشاء مبادرة تقنية النانو الوطنية بالولايات المتحدة الأمريكية (وبرامج أخرى مشابهة بدول أخرى) وذلك بعد وقت قليل من فضيحة شون. وبمليارات الدولارات والتعاون بين العديد من الوكالات تم إنشاء المباردة الوطنية لأبحاث تقنية النانو NNI لتعزيز وتطوير أبحاث النانوتكنولوجي، ولقد قدم أعضائها أكثر من (20) بليون دولار لتمويل هذه المؤسسة، وبالنسبة لهؤلاء الذين يعملون في مجال الإلكترونيات الجزيئية لم يقتصر هذا البرنامج على تقديم الدعم المالي لهم -في الوقت الذي كانت فيه المؤسسات الخاصة والحكومية الأخرى قد نفذت مواردها- بل وفر هذا البرنامج معدات متخصصة ومكلفة وأيضًا وفر العديد من العلماء في نطاق واسع من التخصصات.

الهدية الأخرى التي قدمتها هذه المبادرة NNI لمجال الإلكترونيات الجزيئية زيادة الإشراف على الأبحاث والذي بدوره وضع المزيد من المراقبة على تعهد المجال بوعود كثيرة. أما عن الوكالات التي تدير معاملها داخل مؤسسة المعهد الوطني لأبحاث النانوتكنولوجي فهي: وزارة الدفاع، ووزارة الطاقة، والمعاهد الوطنية للصحة، والمعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا وتقوم هذه الوكالات بتنسيق ومشاركة نتائجها مع الباحثين الأكاديميين والذين يتلقون الدعم من NNI عن طريق المؤسسة الوطنية للعلوم.

حاول كُلًّا من مختبر البحوث البحرية والمعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا وبدقة ولمدة عقد كامل من الزمان تكرار النتائج التي توصل إليها الباحثون في مجال الإلكترونيات الجزيئية، مع ذكر ملاحظات عند وجود أي اختلافات، وحتى تنكشف وتظهر فضيحة شون للعامة، فإن كلًّا من James Kushmerick و Roger van Zee (وكلاهما الآن في المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا) والعاملون معهم، قاموا جميعًا بتوضيح وتحديد الاختلافات بين تقنيات القياس والأنظمة الجزيئية المتباينة.

وهناك درس يجب أن نتعلمه من هذه التجربة وهو الاعتراف بالنتائج التي تصف تركيب جزيء نشط وأيضًا تمييز كلا من بنية المكونات الغير عضوية الصغيرة والتي تحيط بالجزيء النشط وأيضًا التفاعل بين الجزيء وبنية المكونات الغير عضوية.

وفي أعقاب هذه الإصلاحات تحققت العديد من النجاحات العلمية والهندسية، وعلى الرغم من أن هذه النجاحات كانت أقل تبشيرًا وأقل من المتوقع عن الوعود الكبيرة التي كانت في الماضي؛ فإنه يمكن النظر لهذه التوقعات على أنها الطفرة الرابعة في مجال الإلكترونيات الجزيئية.

إن تأثير منهج تعدد التخصصات لمبادرة NNI كان واضحًا في التقدم السريع في صناعة وتمييز الأجهزة المصنوعة من الجرافيت. ويندرج هذا العمل تحت أقسام الكيمياء، وفيزياء الأجهزة، والهندسة الكهربائية، وعلوم السطح. وقبل عشر سنوات من الآن لم يكن الجرافيت موجودًا، وفي أقل من ست سنوات منذ أن تم عزله لأول مرة؛ أصبح الجرافيت المحور الأساسي لجائزة نوبل في الفيزياء، في حين أن الإلكترونيات الجزيئية في الماضي كانت تعني: أجهزة مصنوعة من شرائط بلورية من الجرمانيوم، الأملاح الموصلة للكهرباء، البوليميرات الموصلة للكهرباء، أو أنابيب الكربون النانوية، واليوم ننظر للجرافيت على أنه مادة المستقبل الواعدة.

وربما أكثر النتائج الملموسة من تلك الموجة الأخيرة من الأبحاث هي نتائج جديدة، وكانت هناك أجهزة مستوحاة من تطبيق الإلكترونيات الجزيئية مثل الأجهزة التجارية كـ(memristor crossbar memory) والذي تم تطويره لأول مرة بواسطة مجموعة ويليامز البحثية بشركة HP وتم مواصلة هذا العمل عن طريق أشباه المواصلات هاينكس ونوام Hynix Semiconductor and Knowm وترجع ذاكرة الـ(memristor) إلى إنشاء ومحو التوصيلات الفتيلية في ثاني أكسيد التيتانيوم ومركبات أخرى، وكل شركة من هذه الشركات الثلاثة تفوقت عليهم شركتا إنتل وميكرون اللتين أعلنتا مؤخرًا عن إطلاق:

nonmemristor 3-D XPoint crossbar memory

ومثل هذه الموارد التقليدية يمكن أن يكون تم تصميمها من أجل هدف رئيسي لاستخدامها كتوصيلات كهربائية في الأجهزة الجزيئية، وهي الأجهزة التي لم يتم تصنيعها من الأساس.

هذا وأدى الفهم الصحيح لكيمياء (الترانزستورات الجزيئية) في جوانب أخرى؛ إلى ابتكارات في شاشات الصمامات الثنائية العضوية الباعثة للضوء. وقد أدت الجهود لتصنيع مكونات غير عضوية لدائرة كهربائية جزيئية إلى تصميمات جديدة لإلكترونيات السيليكون التقليدية الدقيقة.
وكانت التساؤلات حول كيفية الربط بين الأجزاء العضوية وغير العضوية داخل دائرة جزيئية قد حفزت التقدم في مجال أبحاث النانو العصبية والترابط بين الإنسان والآلة، وقد أدت مشاركة بعض المهتمين بدراسة الجزيئات الإلكترونية في مجال النانوتكنولوجي إلى أن يكونوا على صلة بالباحثين في علوم الحياة، وقد أدى هذا إلى مشاركتهم في المباردة (العقل البشري) الجديدة لإدراة الرئيس أوباما الجديدة والتي تهدف إلى إحداث ثورة في علم العقل البشري.

ولكن ماذا عن الرؤية الكبيرة والمتعلقة بالحاسوب الجزيئي؟
في نظرنا ما زال المجال بعيدًا مثل ما كان عليه عندما تصور تور وزملاؤه هذه الاحتمالية منذ ربع قرن، فقد كلفت محاولة الوصول إلى هذا الهدف البعيد تكفلة عظيمة: نصف قرن من محاولات الفشل والازدهار، مع إعلانات سابقة لأوانها عن اكتشافات ستجلب المزيد من المال والاهتمام، ولكن تراجع المجال عندما تراجعت هذه الوعود والنتائج إلى الوراء.

وقد انتهى حلم تطلع الإلكترونيات الجزيئية بأن تلتحق بركب التقدم السريع للسيليكون بالفشل وخيبة الأمل في مرات عديدة، وفي العقود الأربعة الماضية، منذ بحث ودراسة أفيرام وراتنر؛ تطورت المعالجات من (250) ترانزستور لكل متر مربع إلى (10) مليون ترانزستور في نفس المساحة.
إن دوائر السيليكون المتكاملة يمكن تزوديها الآن بخصائص تشمل العشرات من الذرات في الطول وذرة واحدة فقط في السمك. وعلى الرغم من أن متوسط مساحة الترانزستور أكثر من 100 نانومتر؛ فإن الحلم حول أن المكونات الجزيئية سوف تكون أصغر من السيليكون يبدو بعيد المنال الآن، ولكن التقارب في الحجم بين جزئيات السيليكون ومكونات الجزيئات العضوية قد يجعل من السهل الترابط بين الاثنين.
وعلى الجانب الإيجابي؛ فإن تاريخ الجزيئات الإلكترونية قد بين أن السعي نحو تحقيق الأحلام حتى وإن كانت مستحيلة قد يؤدي إلى اكتشافات هامة، وعندما تخرج أحلام اليقظة عن السيطرة؛ فإن المجال قد بين أن الإصلاحات والتغييرات المدروسة تحول البحوث نحو مسار أكثر استدامة، فمنذ فضيحة شون والبرامج الحكومية لم تقتصر فقط على التمويل والتنظيم وتنسيق الأبحاث؛ ولكن أصبحت أيضًا تراقب جودة النتائج ودقتها وبالتالي تمكين الإلكترونيات الجزيئية من المضي بثبات على جبهة واسعة من المواد والتخصصات والمواضيع البحثية وحديث أقل لهفة عن الحاسبات الجزيئية، ومن سخرية القدر أن النهج الثابت البطيء الذي نتبعه اليوم قد يجعل أخيرًا هذا الوحش الخيالي حقيقة.

نبذة عن المؤلفين

1- سيرس مودي- Cyrus C.M. Mody وهو مؤرخ العلوم والتكنولوجيا والإبداع في جامعة ماستريخت بهولندا- Netherlands Maastricht University

2- كيفين كيلي- Kevin F. Kelly رئيس برنامج الفيزياء التطبيقية بجامعة رايس بهوستن- Rice University, Houston

وقد قامَ الإثنان سويًّا ولمدة ست سنوات بتدريس دورة بجامعة رايس بعنوان الكوارث التكنولوجية وقد شملت هذه الدورة العديد من الحالات التي يمكن أن يكون لها صلة بالإلكترونيات الجزيئية.
يقول مودي: «فقط الوقت هو الذي سوف يحدد إذا ما كانت الإلكترونيات الجزيئية خطوة ناجحة مثل مروحة محرك الدفع النفاث، أو كطائرة تجارية تتجاوز سرعة الصوت ولكنها مكلفة جدًا، أو كطائرة تعمل بالطاقة النووية والتي رُوج لها كثيرًا ولكنها فشلت.»

إعداد: Hatem Gamal

مراجعة:Matalgah Hamzeh

تصميم: Ayman Samy

المصدر: http://sc.egyres.com/Zo3qU
#الباحثون_المصريّون

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي