جزيئات الأشعة الكونية تكشف غرفة سرية داخل الهرم الأكبر

الهرم_الأكبر_

|||

استخدم باحثون أجهزةً تستخدم الميونات (Muon) لاكتشافِ مساحةٍ غامضةٍ في الهرم الأكبر، يبلغ طولها حوالي 30 مترًا، مما يُعطي أملًا في الكشف عن سرِّ بناءِ الهرم الأكبر الذي يبلغ عمره حوالي 4500 عام.
بدأت هذه الأبحاث عندما قام فيزيائيون باستخدام بعض مشتقات الأشعة الكونية للكشف عن مساحةٍ كبيرةٍ غير معروفة سابقًا داخل الهرم الأكبر، وهذا الاكتشاف يُعدُّ الأولَ من نوعه منذ اكتشافات القرن التاسع عشر الخاصة بغُرَفِ الهرم الأكبر، وقد سَارَعَ علماءُ المصريات إلى رفضِ فكرة العثور على كنوزٍ مفقودةٍ داخل الغرفة المُكتشفة التي يبلغ مساحتها حوالي 30 مترًا، حيث يقول عالم المصريات بجامعة بريستول بالمملكة المتحدة (إيدن دودسون) أنَّ اكتشاف هذه الغُرفة هو فرصةٌ للبحثِ عن دوائرَ دفنٍ خفيةٍ داخل الهرم، في حين يأمل الخبراء المهتمون بهذا الاكتشاف أن يساعد ذلك في تفسيرٍ مهمٍّ حول كيفية بناء الهرم الأكبر.

شُيِّدَ الهرمُ الأكبر من قِبَلِ فرعون مصر الملك (خوفو)، الذي حكم منذ عام 2509 ق.م إلى عام 2483ق.م، بواسطة الحجر الجيري والجرانيت، ويبلغ ارتفاعه حوالي 139 مترًا، ويُعتبر الهرم الأكبر أكبر المعالم المصرية القديمة وأكثر الهياكل المعمارية المثيرة للإعجاب، التي استطاعت البقاء على قيد الحياة منذ العصور القديمة.

تخطيط الغرفة:

في الوقتِ الذي بُنِيَت فيهِ أهرامات مِصر على غرفِ دفنٍ تحت الأرض؛ فإن هرم خوفو بُنِيَ على عدَّةِ غُرفٍ كبيرةٍ داخل الهيكل نفسه –أي الهرم– وتشمل هذه الغرف غرفةَ الملك التي تحتوي على التابوت الحجري، وغرفة الملكة، وممر المنحدر المعروف باسم  «الممر الكبير أو القاعة الكُبرى أو المعرض الكبير»، وقد اُكتُشِفَت هذه الغرف في القرنِ التاسع عشر على يد مجموعةٍ من كبار علماء الآثار الغربيين، ولكن المتحمسين لدراسة الهرم الأكبر وقتئذٍ ظلوا يتساءلون عن إمكانية متابعة البحثِ عن غرفٍ خفيةٍ داخل الهرم الأكبر، أو حتى إذا ما كان هناك غرفٌ حقيقة للدفن غير التي تم اكتشافها في ذلك الوقت.

ومن خلال رؤية الهرم الأكبر، استخدم الباحثون تقنية تم تطويرها من فيزياء الجسيمات ذات الطاقة العالية من خلال تتبع جسيمات تنتج عندما تشع بعض الأشعة الكونية، وسُمِّيَت هذه الجسيمات باسم (الميونات – Munos)، التي تُنتَج عند تفاعل الأشعة الكونية تلك مع الغلاف الجوي، فيحتوي المتر المربع من سطح الأرض على حوالي 10 ملايين جزءٍ من هذه الجسيمات، فتم تطوير هذه الجسيمات من خلالِ أجهزةٍ مُتطورةٍ لاستخدامها في العقد الماضي لدراسة وتحديد الهياكل الداخلية للبراكين، ودراسة المفاعل النووي الموجود في منطقة فوكوشيما باليابان.

خرائط ميون:

في ديسمبر 2015 قام الفيزيائي (كونيهيرو موريشيما) من جامعة ناغويا برفقة بعضِ الزملاء المتخصصين بوضعِ أجهزةٍ للكشف داخل غرفة الملكة بداخل الهرم الأكبر، تم من خلالها رصد حركة الميونات التي تمر عبر مداخل ومخارج الهرم، وقياس قدر امتصاص أحجار الهرم لهذه الجسيمات ورصد أكثر المناطق اسنتفاذًا لهذه الجسيمات، وبعد عدةِ أشهر كان المفاجأة باكتشاف خطٍّ وهميٍّ وغير متوقعٍ في خريطة الميونات المرصودة. وللتأكد من وجود هذا الخط وهذه النتيجة قام فريقان آخران من فيزيائيي فرنسا واليابان باستخدام كاشفاتٍ للميونات في أماكنَ مختلفة داخل الهرم الأكبر، ولاحظت الفِرَق الثلاثة وُجودَ فراغٍ كبيرٍ وغير مُتوقعٍ أعلى المنطقة المعروفة باسم «الممر الكبير أو المعرض الكبير»، وتم نشر هذه النتائج في مجلة (نيتشر – Nature) بتاريخ 2 نوفمبر باكتشاف مساحة لا تقل عن 30 مترًا في مَقطعٍ عرضيٍّ يُماثل في مساحته منطقة المعرض الكبير، وكانت مفاجأةً كبرى لكل المهتمين بتاريخ ودراسة الهرم الأكبر.

يضع الباحثون الكثيرَ من الاحتمالات حول سر وجود هذه الغرفة الكبرى التي قد تكون أفقيةً أو مائلةَ البنيان، ويمكن أن تتكون من مساحتين أصغر أو مساحةٍ واحدةٍ أكبر، ولكن الغرض من هذه المساحة غير معروف، وهناك الكثير من التفسيرات لوجودها، فيرى (مهدي الطيوبي) وهو رئيس معهد الحفاظ على التراث في باريس أن الغرض من هذه المساحة يمكن أن يكون تماثلًا مع مساحة المعرض الكبير الذي يقع بالأسفل منه، وذلك بناءً على نظرية عالم المصريات القديمة (بوب بريير) في كتابه الذي دونه عام 2008م بعنوان «سر بناء الهرم الأكبر» وتتلخَّص هذه النظرية في أن كل فراغ في الهرم يتبعه فراغٌ مماثل له في نفس الموقع.

نظرياتٌ كثيرة:

ومن غير المرجح أن تحتوي هذه المساحة المكتشفة على أيِّ قطعٍ أثريةٍ تتعلق بدفن الملك كما يقول (دودسون)، لأن هناك بالفعل حجرة دفن مُخصَّصة للملك تحتوي على تابوت، بينما يتنبأ دودسون أن هذه المساحة المُكتشفة عبارة عن غرفة تخفيف تهدف في المقام الأول إلى تقليل الوزن عن منطقة المعرض الكبير، ومما يؤكد أن هناك الكثير من غرف التخفيف المماثلة فوق غرفة الملك وفي هرم الملك سنفرو والد الملك خوفو في منطقة ميدوم.

ولكن (كولن ريدر) وهو جيولوجي ومهندس إنجليزي مهتم بدراسة الأهرامات المصرية يُشير إلى أن الغرفة الجديدة بعيدةٌ عن منطقةِ المعرض الكبير نسبيًّا ولا تخدمه على الإطلاق لتخفيف الوزن عنه، ويرى ريدر أنه من المؤكد أن هذه المساحة المُكتشفة قد تكون طريقًا مؤديًا لغرفٍ أخرى لم تُكتشف بعد، ويري بريير نظرية أخرى اقترحها بناءً على ما ذكره عالم الهندسة المعمارية الفرنسي (بيير هودين) بأن منطقة المعرض الكبير هذه تشكل جزءًا من نظامٍ متوازنٍ ضخم، وقال أن الأوزان التي تُترَك أسفل أرض هذا المعرض الكبير يُمكن أن تَرفع كُتل الجرانيت الضخمة التي تتكوَّن منها غرفة الملك، ويعتقد بريير أن المساحة الجديدة التي تم اكتشافها يمكن أن تكون جزءًا من نظامٍ معماريٍّ أثقلَ من وزنِ منطقةِ المعرض الكبير.

ويبدو أن النتائج التي تم الوصول إليها ترفض نظرية هودين وبريير بأن بناة الهرم الأكبر استخدموا منحدراتٍ داخلية لرفع الكتل إلى مستوياتٍ أعلى داخل الهرم، لعدم وجودِ أيِّ منحدراتٍ داخل المناطقة المكتشفة.

 

ترجمة وتصميم: عمر بكر

مصدر الدراسة:

https://goo.gl/KSaKVt

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي