جورج طرابيشي: ثورة للعقل أم ثورة على العقل؟ – الجزء الثاني

e1555144383817
جورج طرابيشي|mind||mind

لا يماري طرابيشي في اعتبار واقعة «أفول العقلانية اليونانية.. نتيجة جبرية لانتصار الأيديولوجيا المسيحية». وإذ كان عام ٣٢٥ هو عام الإعلان الرسمي عن تنصُّر الإمبراطورية الرومانية، فإنّ طرابيشي يؤخّر «الضربة القاضية» المسدَّدة ضد الثقافة اليونانية قرنين كاملين حتى عام ٥٢٩، الذي شهد إصدار الامبراطور يوستيانوس «قرارًا بمنع التعليم الفلسفي وبإغلاق أكاديمية الفلسفة في أثينا». ومع إغلاق هذه المدرسة، يُضيف طرابيشي -نقلًا عن إميل برهييه- «لفظت الأفلاطونية المحدثة آخر أنفاسها مع الفلسفة كلها ومع الثقافة الإغريقية كلها، وأرخى ليل الصمت الكبير سدوله على القرن السادس والقرن السابع».(١)

ونحن لا نماري بدورنا في صحة الحقيقة التاريخية التي تضع المسيحية المسيَّسة موضع تناحر مع الفلسفة اليونانية. بيد أنّ نقطة خلافنا الرئيسية مع طرابيشي هي رفعه واقعة إقالة العقل اليوناني إلى مستوى إقالة العقل بإطلاق. إذ إنّ ما حدث عنده «كان عملية استئصال وإبادة حقيقية لجنس الفلسفة»، وما جرى كان «قتلًا للعقل وعن عمد».(٢)
وتثير هذه الأطروحة، بنزعتها الإطلاقية، ملاحظات خمس.

أولًا: إنّ إميل برهييه -مَرجع طرابيشي اليتيم- بتحديده للقرنين السادس والسابع في الاستدلال الزمني على الصمت العقلي الذي أصاب القرون الوسطى، قد أوقع نفسه في تناقض سافر، إذ سيعود ليفرد فصلًا بتمامه من كتابه الموسوعي تاريخ الفلسفة للحديث عن حركة الترجمة والسجالات الفلسفية واللاهوتية في «القرنين الخامس والسادس» ومن ثم السابع، أي تلك القرون تحديدًا التي قيل لنا إنها ميتة معرفيًّا. ففي هذه الحقبة نُقلت إلى اللاتينية مؤلفات أفلاطون وأرسطو وعدد من شراحهما. وفي هذه الحقبة أيضاً حرّر الراهب البروفانسي كلاوديانوس مامرت مصنفًا في ماهية النفس، جمع فيه آراء الفلاسفة فيما يتصل بروحانية النفس، وقد احتج بالقديس بولس ليثبت أن الفلاسفة ليسوا جاهلين بالحقيقة إلى الحد الذي يرميهم به المشنعون عليهم. وفي هذه الحقبة أيضًا وأيضًا كتب فايزودرس، أسقف إشبيلية، كتاب الأصول الذي يتضمن فصولًا عن الجدل والمنطق والفلسفة.(٣)

ثانيًا:  إنّ تبنّي طرابيشي لفرضية برهييه بمعزل عن كل مساءلة نقدية، قد أوقعه هو الآخر في تناقض. فقد كان في تصوّرنا أنّ القرنين السادس والسابع هما -بملء معنى الكلمة- قرنا مقتلة العقل. وأن الفلسفة خلالهما قد استؤصلت شأفتها. بيد أننا إذا عدنا إلى معجم الفلاسفة الذي أعده طرابيشي، نقع على صورة عن القرن السادس باهية معرفيًا. وتُقدم لنا ترجمة طرابيشي للفيلسوف بويثيوس خير مثال على ذلك. والأهمية التي تكتسبها حالة بويثيوس الذي عاش وكتب في القرن السادس -قرن موت العقل!- قمينة بأن تجعلنا نتوفف عندها هنيهة لاستنطاق أكثر من مفارقة. فهذا الفيلسوف -طبقًا لمعجم طرابيشي- قد «جعل مصادر المعرفة اليونانية في متناول العالم الغربي بفضل ترجمته لبعض التصانيف الأساسية في الفلسفة»، كما أنّ كتابه الشهير عزاء الفلسفة يُعدّ من «أكثر الكتب قراءة في العصر الوسيط». وعليه، يضيف طرابيشي -نقلًا عن إيزيو فرانشيسيني-: «ولهذا وقع [على بويثيوس] الاختيار ليكون رمزًا لأفول حضارة ولبداية عصر جديد. وهو العصر الذي ولدت منه الحضارة الحديثة».(٤)

هكذا فإنّ القرن السادس الذي كان -بشخطة قلم- مفتتح عصر القدامة، أصبح -بشخطة قلم أيضًا- مفتتح عصر الحداثة. وفي كل مرة تظهر هذه «الشخبطة» إلى العلن، يظهر معها إلى العلن ايضًا أنصار يقولون إن عقل الكاتب يتطور مع مرور الوقت. وكأننا مُطالَبون في كل مرة  أن نغض النظر عن مثل هذا التفكير الفوضوي غير الموضوعي كي لا نُتهم نحن بانعدام الموضوعية.

ثالثًا: إذ تحتفظ كلا الصورتين المتناقضتين عن القرن السادس بنصابهما من الحقيقة التاريخية، أين نضع القرن السادس؟ أفي خانة قرن انحطاط العقل أم انبعاثه؟
في الواقع إنّ أية إجابة عن هذا السؤال في اتجاه واحد قد تؤدي إلى سوء فهم للتاريخ. ذلك أنّ ما حدث كان عملية انحطاط وانبعاث على حد سواء. وما لم يدركه طرابيشي جيدًا -في حينه على الأقل- أّن العقل خبيث (أو ماكر بلغة هيغلية) ولا يشق عليه أن يتسلل من كل ثغرة متاحة أمامه ليُخرج رأسه ويمارس فعاليته حتى لو في حدها الأدنى. وليس من قبيل الصدفة أن الصفعة المدوّية التي وُجّهت للعقل كانت مسيحية، وأنّ الفسحة الوحيدة التي أتاحت ُُُللعقل أن يستعيد أنفاسه كانت مسيحية أيضًا (فلسفة الدين واللاهوت). فالتربة التي دُفن تحتها العقل، هي التي أعادت وأتاحت لجذوره أن تنبت. وقصة حياة بويثيوس بليغة في هذا السياق. فهو ما أينع أشهى ثماره الفلسفية، أي كتاب عزاء الفلسفة، إلا في السجن وتحت ضغط المظلومية. فما كتب إلا لأنه اكتأب. وما يصدق على عقل بويثيوس يصدق على العقل بإطلاق. فمِن طبيعته المعاندة. ومن طبيعته شق الطريق حتى لو شقي.

رابعًا: لو أّنّ طرابيشي التزم بأسطورة القرنين -إياهما- لهان الأمر. فقد راح يزايد على برهييه نفسه ليتحدث هذه المرة، لا عن انحطاط دام قرنين، بل عن «انحطاط دام ألف سنة»(٥)، هي السنوات التي تفصل القرن السابع عن القرن السابع عشر الذي كان «مفتتح الحداثة الأوروبية» مع ديكارت. ولم تفعل القرون الوسطى، على امتدادها الزمني الهائل، سوى أن «استنامت».(٦)

والحال أن هذا التهريج يُقدَّم لنا، بملء الطمأنينة، على أنه حقيقة تاريخية، ونحن مطالَبون بكل قوانا العقلية أن نصدّق هراءً يتحدث عن ألف سنة من موت العقل النقدي كما لو أنها ألف ثانية. ودون أن ندخل في سجال تفصيلي ضد هذه الأطروحة، التي تكشف بنفسها مدى وهنها، نترك الكلام سريعًا لمختص رصين في تاريخ الفلسفة وصاحب كتاب الفلسفة الوسيطية حيث يقول: «مَرّ وقتٌ كان فيه الحديث عن فلسفة وسيطية يُمثّل تحدّيًا بالمعنى الإيجابي للكلمة، ذلك أنه كان من الُمسلَّم به القول إنّ ما بين نهاية الفلسفة القديمة من جهة، والفلسفة الديكارتية من جهة أخرى، لم يكن ثمة شيئًا يُذكر، كما لو أنّ الكاتدرائيات وأغاني المآثر chansons de geste -هذا دون أن نُعدّد اختراعات أخرى- هي أمور لا قيمة لها في خارطة الفكر الفلسفي. بيد أنّ مثل هذه الآراء قد تبدّلت كثيرًا، إذ أننا ندرك اليوم جيدًا بأنّ وهج عصر النهضة لا يمكن تفسيره بمعزل عن النضوج البطيء للعصر الوسيط، وبأنّ جذور الديكارتية ضاربة عميقًا في السكولائية الوسيطية، فضلًا عن أن الفلسفة القروسطية قمينة بأن تجعلنا نفهم الفلسفة الحديثة على نحو أكبر.. والحال أنني أطمح أن يقدّم كلامي أعلاه للقارئ، لا مجرد عرض موجز للتاريخ فحسب، بل إيقاظًا فيه لِحِس التفلسف أيضًا.»(٧)

خامسًا: لا نشك في صدق طرابيشي بالدفاع عن العقل والعقلانية. وهو إذ أظهر للعيان مدى ما تعرض له العقل من اضطهاد، فلأن طرابيشي شديد الحرقة على مآل الملَكة الوحيدة التي تقود الإنسان نحو الحرية.
بيد أن هذا الدفاع عن العقل يقود إلى نقيضه، بسبب مفارقة خطرة لم يتنبه لها طرابيشي.
فأن يكون العقل قد قُتل، تحت وطأة اضطهاد مرعب، وأن يكون قد غرق في موت دام ألف سنة، فهذا معناه في المحصلة أن العقل هش، وأنه أكثر ضعفًا من أن يواجِه وأكثر وهنًا من أن يقاوِم. وبعبارة واحدة: يَقوى العنف على العقل ولا يَقوى العقل على شيء. وهذا سيقود حتمًا إلى اليأس من العقل والاستهزاء به، ما يؤدي للجوء إما إلى اللاعقلانية أو إلى العدم.
فهل نبالغ إذا استنتجنا، في ختام رحلتنا مع طرابيشي، أنّ هذا الثائر الكبير للعقل كان -من حيث لا يدري- ثائرًا كبيرًا على العقل؟

إعداد: مايكل عطا الله

مراجعة: مايكل ماهر

مصادر وهوامش:
(١) - جورج طرابيشي، العقل المستقيل في الإسلام؟، دار الساقي، ص٧٩، ٨٥، ٨٨، ٨٩.
(٢) - المصدر نفسه، ص٨٩.
(٣) - إميل برهييه، تاريخ الفلسفة، العصر الوسيط والنهضة، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، ص١٣، ١٤، ٢٠.
(٤) - جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، دار الطليعة، ص١٩٤، ١٩٥. وجدير بالتنويه أن كتاب عزاء الفلسفة الذي يستلهم الفلسفة الرواقية الأفلاطونية والذي يخلو من كل أثر للمسيحية، يؤكد كم أن الفلسفة في ذلك الوقت كانت لا تزال محض فلسفية ولم يخالطها بعد اللاهوت بشكل كامل.
(٥) - جورج طرابيشي، مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام، دار الساقي، ص١٢١.
(٦) - جورج طرابيشي، نظرية العقل، دار الساقي، ص٢٢٨.
(٧) - Edouard Jeneau, La philosophie médiévale, Presses universitaires de France, P3.
شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي