لقاح جديد لعلاج البرد؟ أم مزيدٌ من عصير البرتقال؟

ي

آهٍ من البردِ: هادم الملذات، ومفسد الإجازات، يُجبِرنا على المكوث في السرير غير قادرين على تحريك ذراع، بل ومحاطين بالمناديل وقشور البرتقال من كل جانب. الكثير من المشروبات الدافئة على مرمى البصر، وراحة إلزامية في الفراش لحين انتهاء العاصفة. هذه الوصفات المنزلية هي كل ما نملك؛ لأنه لا يوجد دواء فعّال لنزلات البرد حتى الآن. ولكنك لن تحتاجي لتقشير البرتقال بعد الآن يا أمي؛ فالأبحاث قائمة على قدمٍ وساق لتصميم علاج. ولكن أولًا، عليهم التغلب على مشكلةٍ ما.

تغلبت البشرية على أمراض عملاقة بالفعل، مثل: شلل الأطفال (بالإنجليزيّة: Polio virus)، والحصبة (بالإنجليزيّة: small pox)، والتهابات الكبد (بالإنجليزيّة: hepatitis A and B)، بل وحتى الإنفلونزا بالإضافة لكثير من الأمراض التي تسببها الفيروسات، ولكنها حتى الآن لم تستطع الوصول لعلاج فعّال ونهائي لنزلات البرد، فما السبب؟

هل قُلتي لتوّك أن هنالك فرقًا بين البرد والإنفلونزا؟

نعم، على النحو التالي:

  • كلاهما تسببهما فيروسات المسالك التنفسيّة: الإنفلونزا يسببها فيروس  الـ(Influenza)، أما البرد مسؤول عنه مجموعة من (160) فيروس.
  • تقترن الإنفلونزا بالحمى، والتعب، والإرهاق، وآلام العضلات، والسعال الجاف. على صعيدٍ آخر، يمكن علاجها باستخدام اللقاحات التي تتجدد كل عام. يرجع هذا للطفرات السريعة، والقدرة التكيفية الرهيبة لدى للفيروسات، خاصة ذات المحتوى الجيني RNA.
     أما نزلات البرد فهي أخف، تتسم بسيلان الأنف والاحتقان، ولا تؤدي لمشاكل صحية خطيرة كالتهاب الرئة، ولا تحتاج لإيداعك في المستشفى. على عكس الإنفلونزا التي يوصف لها مضادات فيروسية.

يمكننا استنتاج أن الانفلونزا قابلة للعلاج، أما البرد فلا.

أين يقبع التحدّي؟ مفتاح واحد، لـ(160) بابًا

لماذا لم يتمكن العلماء من علاج نزلات البرد بعد؟ ليس ذلك بسبب تقاعسهم عن العمل، فلقد حاول العلماء على مر السنين أن يبتكروا علاجًا لنزلات البرد، نتابع معًا:

أحدثت فيروسات الزكام “rhinoviruses” ثورةً في عالم العقاقير لما اكتشفها العلماء في بداية الخمسينيات؛ وذلك لاعتقادهم أنها المسؤولة عن (75%) من نزلات البرد العادية.

  • تكمن خطورتها الحقيقية في سرعة انتشار سلالات جديدة منها بدون توقف: هناك على الأقل ما يقرب من (160) سلالةً حتى الآن.
  • ها هي المشكلة: نحن لا نريد الفتك بفيروس واحد فحسب، بل نبحث عن لقاح واحد يستطيع تدمير (160) سلالةً من الفيروسات تتواجد معًا في نفس الوقت! أي ما يشبه فكرة المفتاح العمومي (master key) الذي يفتح (160) بابًا.

ما هو اللقاح؟
صدق أو لا تصدق، اللقاح يعني أن يحقنك الطبيب بجرعة من الكائنات الممرضة! أو على الأقل الأشكال المضعفة أو المقتولة من الجرثوم، أو من سمومه، أو من بروتيناته؛ وبالتالي وحين يتعرف عليه الجهاز المناعي، سوف يقوم بتكوين آلية دفاع مناسبة للمرض. بالطبع ينسخ الجهاز المناعي معلومات عن هذه الجراثيم ويحتفظ بها في خلايا معينة تسمى خلايا الذاكرة التائية والبائية (بالإنجليزيّة: B and T memory cells)؛ حتى يقلل وقت الشفاء لو أُصبت بالجرثوم مرة أخرى.

شلّت هذه المشكلة تفكير العلماء، وخَبَتْ عزائم البعض منهم حتى  توقفوا عن البحث عن تلك الفيروسات؛ فأنّى لهم محاربة كل هذا العدد الضخم من السلالات في نفس الوقت، وبنفس العقار؟
حتى منتصف القرن العشرين كان التقدم الوحيد هو استطاعتهم مهاجمة سلالة واحدة بلقاح واحد فقط، وبالطبع لم تفلح هذه المحاولة إلا إذا وافقت -عزيزي القارئ- أن تتلقى جرعة مكونة من (160) لقاحًا.

حلول عبقرية

1) تخيل معي لو أن هناك عاملًا مشتركًا بين كل هذه الفيروسات؟ نفس فكرة الـ”master key”. هذا ما يعمل على اكتشافه مجموعة من الباحثين في كلية لندن الإمبراطورية.
اكتشف الباحثون وجود جزء معين مشترك في تركيب جميع هذه الفيروسات. وإذا استطاعوا تصميم عقار يدمر هذا الجزء، سيمكنهم تدمير جميع هذه الفيروسات مرةً واحدة.

ولكن ما هو تركيب الفيروس أصلًا؟ 
أبسط تركيب لفيروس هو مادة وراثية حولها غلاف بروتيني.
بشكل أدق: قضيب عبارة عن غلاف بروتيني بداخله جزئ من الحمض النووي الريبوزي “RNA”، أو جزيء حمض نووي ريبي منزوع الأكسجين “DNA” مع العديد من المكونات الأخرى. الفيروسات مُصنّفة حاليًّا إلى (71) عائلة على حسب الاختلاف في الأشكال بين المعقدة والبسيطة، المُغطاة بحافظة، والمتروكة بدونها. المكعبي، والمثلثي، والحلزوني، والمستدق… إلخ.

اقرأ أكثر عن الفيروسات من هنا: الفيروس: الميت اللاميت!

2) العودة لفكرة اللقاحات
ربما قد يدهشك أن لقاح الالتهاب الرئوي يتكون من (23) سلالةً من البكتيريا، لا عجب إذًا أن لقاح البرد قد يتكون من (80) سلالة من فيروسات البرد، ممزوجة معًا في كوكتيل منعش، ومع مرور الأعوام، سوف يزيد عدد المكونات بالتأكيد.

3) ينظر باحثون آخرون علاج البرد قبل الإصابة بالفيروس أصلًا
 اُستلهِمت هذه الفكرة من عبقرية تصميم الجهاز المناعي الإنساني:
ببتيدات الجهاز المناعي (بالإنجليزيّة: host defense peptides)، هي المركبات التي يفرزها جهازنا المناعي بعد العدوى، ويُعتقد أن لديها القدرة على منع استنساخ الفيروسات، يبحث العلماء الآن إمكانية تطوير قدرة هذه الببتديات؛ لتصبح عقارًا مستقبليًا.

تحديّات أخرى لا علاقة لها بتنوع الفيروسات

  • حتى لو وجدنا علاجًا لنزلات البرد، فلن يتقبله الناس في البداية؛ فمن الأسهل تجاهل البرد لمدة أربع أيام، وقد يتعافى المرء وحده قبل ميعاد زيارة الطبيب.
  • وقد يتداوله الناس من دون استشارة طبيب، فما أدراهم أن هذه فيروسات البرد وليست أي فيروسات أخرى تسبب نفس الأعراض؟ مثل فيروس كورونا أو فيروسات الغدة.

هل يعني ذلك الاستغناء عن تطوير عقاقير علاج البرد؟ جميعنا يعلم مضار هذه الفيروسات المزعجة، وكيف لها أن تؤثر في حالتنا النفسية وقدرتنا على القيام بالأعمال اليومية.
وقد تصل مضاعفات البرد إلى أمراض خطيرة مثل: الانسداد الرئوي المزمن (بالإنجليزيّة: Chronic Obstructive Pulmonary Disease)، أو التليف الكيسي (بالإنجليزيّة: cystic fibrosis)، مما يجعل علاج نزلات البرد ضرورة ملحّة، خاصةً لو تصادفت نزلة البرد مع الإصابة بأمراض أخرى.

إن دورنا هنا –أنا وأنت عزيزي القارئ- أن ننشر توجهًا بنّاءً لتوعية الناس ضد خطورة تداول أي أدوية بدون استشارة طبيب، وتشجيع الناس على الفحص الدائم عن الأمراض الخفية والتي قد لا تظهر أعراضها، إلا بالتصادف مع نزلة برد موسمية وخفيفة قد لا تلق لها بالًا من الأساس. وأن نتمنى كل التوفيق والتشجيع للباحثين في مجال تنمية العقاقير، وتحقيق مستقبل خالٍ من خطر محدق، مع أننا لا نملك أن نراه بالعينِ المجردة.

المصدر

إعداد: أمنية يوسف فراج
مراجعة علميّة/تحرير: نسمة محمود
مراجعة لغوية: حمزة مطالقة

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي