ماذا يحتاج أطفالنا منا؟ 3 احتياجات أساسية

ماذا يحتاج أطفالنا منا

 

يأتي دور الوالد بالكثير من الضّغوطات حول ما يجب أن تؤدّيه تجاه أطفالك. وعند النّظر إلى كمّ القرارات اليوميّة المحدّدة المطلوب اتّخاذها، نجد أنّ دور الوالد يأتي أيضًا بالكثير من الحيرة والارتباك. فمن السّهل الانغماس في قوائم الأشياء الّتي تتمنّى أن تفعلها لإفادة طفلك، مثل: الدّورات التّدريبيّة والبرامج والمنهجيّات التّربويّة. فنحن نرتبك في كلّ شيءٍ يخصّ الأطفال، من أفضل وجبةٍ خفيفةٍ إلى أفضل مدرسةٍ. ولكن، ما يحتاجه الأطفال منّا حقًّا على مستوًى أساسيٍّ وعاطفيٍّ هو أكثر وضوحًا ممّا نعتقد.

ماذا يحتاج أطفالنا منا
هل تكون احتياجات أطفالنا أبسط ممّا نعتقد؟
(المصدر: Moussa Idrissi – Pexels)

يُخبرنا بحثٌ في (نظريّة التّعلّق – Attachment Theory) أنّ أهمّ طريقةٍ نساعد بها أطفالنا هي أن نُشعرهم بالأمان، وأن نشكّل معهم علاقةً صحّيّةً يشعرون من خلالها بالأمان والسّكن وكونهم مرئيّين.

ولكن، ماذا يعني هذا؟ هل الحرص على شعورهم بالأمان هو أن نبقيهم معنا طوال الوقت أم نشجّعهم ليشكّلوا علاقاتٍ صحّيّةٍ أخرى؟ هل يعني السّكن والهدوء أن نجنّبهم المواقف الصّعبة الّتي تتحدّاهم أم نعلّمهم الأدوات ليتخطّوها ويتعاملوا بها مع مشاعرهم؟ هل جعلهم يشعرون بالرّؤية يعني أن نعزّز صورتهم الذّاتيّة بالثّناء الدّائم عليهم أم بإعطائهم الاهتمام والتّعلّم منهم لنصبح على درايةٍ باحتياجاتهم؟ إنّ تلبية احتياجات طفلك العاطفيّة ليست سهلةً وخاليةً من العقبات، ولكنّها شيءٌ ممكنٌ نستطيع المجاهدة والسّعي لأجله. ويمكننا فعل ذلك من خلال اتّباع بعض المبادئ الّتي يمكن اعتبارها دليلًا إرشاديًّا في كلّ تحدٍّ نواجهه كآباءٍ.

أولًا: مساعدة أطفالنا ليشعروا بالأمان

مهما اختلف نمط اﻷبوّة لدينا، سواء كنّا نعمل بدوامٍ كاملٍ أو أرباب منزلٍ، يجب أن يكون هدفنا هو توفير قاعدةٍ آمنةٍ لأطفالنا لينطلقوا منها. ولجعل الطّفل يشعر بالأمان يجب علينا تقديم الرّعاية والاهتمام الحقيقيّ والمودّة والدّفء. ويجب أن تكون علاقتنا معهم ثابتةً ومتّسقةً ومغلّفةً بالثّقة. ولكنّ هذا لا يعني أنّ علينا الافتعال أو المبالغة.

نحن كآباءٍ، منصّةٌ مليئةٌ بالدّفء والحبّ لأطفالنا، منها سينطلقون لبدء حياتهم. لذلك يجب علينا تجهيزهم لتكوين أدواتهم الخاصّة ليشعروا بالأمان في مواجهة العالم. وهذا يعني السّماح لطفلك بالاستقلال والاستكشاف والاعتماد على النّفس بقدر الإمكان. ويعني أيضًا تلبية احتياجاتنا بمعزلٍ عن أطفالنا، وذلك حتّى لا نفرض احتياجاتنا هذه عليهم، ممّا قد يطبع عليهم عدم الأمان أو التّعلّق غير الصّحّيّ بنا.

ومن الأشياء الّتي تساعد أطفالنا، أن يرونا كمثالٍ لأشخاصٍ ناضجين ومتكاملين حياتهم غنيّةٌ بالأهداف والأحلام الّتي نسعى لها وهم بالطّبع جزءٌ كبيرٌ ومهمٌّ جدًّا منها، ولكنّها لا تتركّز عليهم بشكلٍ دائمٍ ومستمرٍّ.

ثانيًا: مساعدة أطفالنا ليشعروا بكونهم مرئيين

التّأكّد من أنّ أطفالنا يشعرون برؤيتنا لهم يعني أنّنا يجب أن نسعى جاهدين لمعرفة من هم حقًّا، بشكلٍ منفصلٍ عن توقّعاتنا وإسقاطاتنا الخاصّة. وهذه بعض الأشياء الّتي يمكن أن نركّز عليها:

  1. الاستماع: أوّل وأبسط خطوةٍ قد تفعلها هي التّأكّد من إعطاء الوقت لتستمع لأطفالك. فأثناء تنشئة أطفالنا، يكون لدينا كثيرٌ من الواجبات والضّغوطات اﻷخرى في حياتنا، وبالتّالي من السّهل أن نضيع وسط عالمنا الخاصّ. جعل الاستماع لأطفالنا أولويّةً، يُشعرهم بأنّهم مفهومون حقًّا، فهمًا يشملهم ويشمل أيضًا ما يمرّون به. قد نشعر أنّ الطّفل وعواطفه غير منطقيّةٍ لنا في بعض الأحيان، ولكنّ رغبتنا في الجلوس معهم للاستماع لهم أمرٌ مهمٌّ بحدّ ذاته.
    يحتاج الطّفل لردودٍ متناغمةٍ ومتوافقةٍ مع الموقف ومع ما يتحدّث فيه، ولذلك فيجب أن ننصت لما يقوله وينعكس ذلك في ردودنا، وبذلك يتأكّدون بأنّنا كنّا نستمع إليهم حقًّا. ردودٌ كـ «أنا أفهم أنّ هذا صعبٌ بالنّسبة لك»، أو «أنا آسفٌ لثقل ذلك الأمر عليك» تحدث كثيرًا من الفرق لجعل طفلك يشعر أنّك تقدّر موقفه حقًّا. ويجب علينا محاولة خلق بيئةٍ آمنةٍ لأطفالنا لجعلهم يتحدّثون بصراحةٍ، وذلك بألّا نتّخذ موقفًا دفاعيًّا أو جدليًّا ضدّ تجاربهم الخاصّة.
  2. فصل تجاربنا عن تجاربهم: لترى أطفالك رؤيةً واضحةً، يجب عليك أن تنظر لماضيك أنت. كيف عاملك أفراد أسرتك؟ كيف كانت رؤية أبائك لك؟ هل تجعلك تجربتك مجبرًا على تكرار بعض أنماط المعاملة أو التّربية؟ هل هناك أنماطٌ للمعاملة أو التّربية قد واجهتها، تجعلك تبالغ في التّعويض عنها أو في بذل الجهد لعدم تكرارها؟ كمثالٍ: إذا كانت تمّت معاملتنا كعبءٍ أو رؤيتنا كأطفالٍ متطلّبين في عائلتنا، هل ننظر لأطفالنا بالطّريقة نفسها وننزعج من طلباتهم؟ أم أنّنا نشعر بالأسى على أطفالنا، ونشعر بالقلق البالغ أن يشعروا كما شعرنا نحن، فنحاول تعويضهم عن طريق بذل أكثر من اللّازم نحوهم؟
  3. تجنّب الألقاب: منذ الولادة، من السّهل علينا إعطاء ألقابٍ لأطفالنا كـ(خجولٌ، سريع الغضب، حسّاسٌ وغيرها). هذه الألقاب قد تشكّل إحساس الطّفل بهويّته أكثر بكثيرٍ من تصرّفاته الفعليّة. يجب علينا أيضًا تجنّب إطلاق الألقاب الّتي هي مجرّد انعكاسٍ لنا أو الّتي نريد لطفلنا أن يكونها.
    غالبًا ما يكون تصوّرنا لأطفالنا متأثّرًا بتصوّرنا عن أنفسنا. وقد نجد أنفسنا أحيانًا نشتكي منهم أو نقلّل منهم بطرقٍ لا ندركها. أو ربّما نقوم بالنّقيض ونطالبهم بأن يكونوا في صورةٍ إيجابيّةٍ مفرطةٍ ونعطيهم ألقابًا بناءً على ذلك مثل: (الأذكى أو الأجمل). هذه الألقاب، والّتي هي إيجابيّةٌ كما يبدو، من الممكن أن تكون مدمّرةً وغير بناءةٍ وتجعلهم يشعرون بأنّهم ليسوا ذوي قيمةٍ إلّا إذا حقّقوا توقّعاتنا منهم. ولذلك فالأفضل أن نتجنّب ما قد يحدّد أشخاصهم، وأن نكون بدلًا من ذلك شغوفين وفضوليّين تجاه اكتشاف من هم حقًّا وكيفيّة تطويرهم، وأن نكون داعمين لاهتماماتهم وما يحبّونه.
  4. البهجة لهم وبهم: محاوطة أطفالنا باللّطف والفضول تجاههم أمرٌ قيّمٌ بشكلٍ لا يُصدّق. فقد أظهرت دراساتٌ حديثةٌ أنّ الابتهاج والسّرور بأطفالنا هو أهمّ شيءٍ يمكن أن نقدّمه لهم. يجب أن نعطي أطفالنا فرصةً لإضحاكنا، لنستمتع بمراوغاتهم، ونقدّر طرقهم الخاصّة في التّعبير عن أنفسهم. وهذا يختلف عن أن نتولّى بناء شخصيّاتهم ثمّ نغرقهم بالثّناء الزّائد. فاﻷمر يتعلّق بأن نستمتع بوجودهم حقًّا، فيشعروا بذلك بأنفسهم.

ثالثًا: مساعدة أطفالنا ليشعروا بالسكن

من أجل أن يشعر أطفالنا بالسّكن، يجب علينا أن نلاحظ عندما يشعرون بالحزن أو الأسى. يجدر أن نهدف لتوفير راحةٍ ودعمٍ يناسبان ما يمرّون به. ويمكننا جعلهم يتحدّثون والاستماع لهم لمعرفة ما يواجهونه، والتّفاعل مع أفكارهم وعواطفهم ليشعروا بكونهم مفهومين.

ماذا يحتاج أطفالنا منا
كيف ندعم أطفالنا؟
(المصدر: cottonbro – Pexels)

عندما يشعر أطفالنا بالحزن، فيجب أن نتعامل معهم برحمةٍ ولطفٍ. ومع ذلك، فيجب علينا تجنّب إسقاط تجاربنا السّابقة المشابهة على تجاربهم. غالبًا نخطئ في التّفكير في أنّ شعور أطفالنا سيكون مثل شعورنا عندما مررنا بنفس التّجربة المشابهة، ولذلك نحتاج أن نضع في الاعتبار أنّهم أشخاصٌ مختلفون لهم تجاربهم وردود أفعالهم الخاصّة والّتي قد تكون مختلفةً عنّا. يجب ألّا نجعل شعورنا بالأسف عليهم يدفعنا لتدليلهم الزّائد ﻷجل أن ننسيهم المشاعر السّلبيّة الّتي تنازعهم. بدلًا من ذلك، يمكننا أن نساعدهم لتطوير قدرتهم على تحمّل المشاعر المؤلمة وكيفيّة التّعامل السّليم معها وتزويدهم بالأدوات اللّازمة للتّعامل بمرونةٍ مع تحدّيات الحياة العديدة.

أهمّ شيءٍ قد نفعله لأطفالنا هو جعلهم يشعرون بارتباطٍ آمنٍ معنا، من خلال تجسيد بعض الصّفات والأسس اللّازمة للمرافقة الآمنة. قد يشكّل ذلك تحدّيًا لنا، وقد يكون السّبب مُشكلاتٍ في ماضينا لم تُحلّ، أو ربّما لم نُجرّب الارتباط الآمن مع والدينا، ممّا يجعلنا لا نشعر بالأمان التّامّ. ولذلك فيجب علينا كآباءٍ السّعي للحصول على الأمن والسّكن الدّاخليّ لنتمكّن من القيام بذلك وأفضل مع أطفالنا.

ومن أجل تحقيق ذلك، نحتاج دائمًا لحلّ التّجارب الأليمة من ماضينا، وبالأخصّ الّتي قد يثيرها أطفالنا. فبالنّسبة للبعض منّا، تقبّل الحبّ من طفله قد يسبّب له الألم، لأنّه يثير مشاعر لم تُحلّ بشأن عدم كونه محبوبًا في طفولته. وكذلك بالنّسبة لبكاء الطّفل، فقد يكون بكاؤه لا يحتمل لأنّه صدًى لآلامٍ قديمةٍ.

إنّ فصل ردود أفعالنا الأوّليّة عن تجارب أطفالنا هو وسيلةٌ لرفع أوزانٍ ثقيلةٍ عن أكتافهم. ويساعدنا في أن نكون أكثر انسجامًا مع تجاربهم وحضورًا عندما يحتاجون إلينا.

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي