مدخل مبسط إلي تاريخ اللغة المصرية القديمة، الخط الهيراطيقي. (الحلقة الثالثة)

رحلة-اللغة-المصرية-القديمة3-1

خط هيراطيقي

 2. الخط الهيراطيقي:

أثناء حديثي عن الخط الهيروغليفي تحدثت عن أسلوب كتابي مختصر يعرف بالهيروغليفية المتصلة التي كانت تعد بمثابة تبسيط للعلامات الهيروغليفية المنسقة، والحقيقة فإن الهيروغليفية المتصلة لم تكن هي أسلوب التبسيط الكتابي الوحيد في مصر القديمة، فقد سبقها اختراع المصريين للخط الهيراطيقي، و كلمة «هيراطيقي» هي لفظة مشتقة من اليونانية (γράμματα ἱερατικάgrammatahieratika) و التي تعني «الكتابة الكهنوتية» و هي تسمية خاطئة يعد القديس «كليمنت السكندري» هو أول من أطلقها علي هذا الطراز من الكتابة في القرن الثاني الميلادي حيث كان هذا الخط مستخدما لكتابة النصوص الدينية علي أوراق البردي في عصره –العصر اليوناني الروماني– قبيل تحول مصر إلي المسيحية، ولكن الحقيقة فإن استخدام هذا الخط لم يكن قاصرا علي الكهنة ولم يكن قاصرا علي النصوص الدينية فقط ألا بعد القرن السادس ق.م وهي الفترة التي شهدت ظهور الديموطيقية كخط شعبي إما قبل ظهور الديموطيقية فقد خدم الخط الهيراطيقي لمدة تقترب من الألفين عام كخط شعبي مفضل للكتابة علي البردي وأدوات الكتابة الشعبية الرخيصة مثل الشقافات (كسرات من قطع الفخار)، فقد كانت الوسيلة الأوسع انتشارا لكتابة النصوص العلمانية من خطابات ونصوص قانونية وحسابات ونصوص طبية إلي جانب النصوص الدينية والأدبية والتعاويذ السحرية.

 

يرجع السبب الرئيسي لظهور الخط الهيراطيقي هو عدم مناسبة الخط الهيروغليفي للكتابة العملية السريعة سواء من جهة الوقت المستنفذ للكتابة أو من جهة الخام المستخدم للكتابة عليه، فالهيروغليفية تعد خط زخرفي له جوانب جمالية متخصصة لذا فقد كان يدون بواسطة فنانين محترفين علي الأحجار الضخمة، و لكن الرغبة في خط أكثر عملية وسرعة كان السبب الرئيسي في التفكير في اختراع نظام أكثر بساطة وعملية للكتابة يكون مناسبا لمواد مثل البردي و الشقافات والحبر والفرشاة، وفي الحقيقة فإن الهيراطيقية لم تكن اختراع حديث فهي ظهرت أيضا في فترة قبيل الأسرات ليس بمتأخر جدا عن الهيروغليفية، وربما يكون ظهورها متوافقا مع اختراع البردي الذي صنعه المصريون منذ عصر الأسرة الأولي علي أقل تقدير.

 

الهيراطيقية ليست أسلوب كتابة منفصل تماما عن الهيروغليفية، فهي أسلوب تبسيطي للعلامات الهيروغليفية الكاملة كما ذكرت سابقا، فمثلا بدلا من أن يرسم الكاتب رمزا لبومة -وهي الرمز الذي يحمل القيمة الصوتية «م» في الرموز الهيروغليفية– سيقوم برسم نصف دائرة صغيرة تمثل رأس البومة ملحقا بأسفلها نصف دائرة كبيرة تمثل الجسم، وبدلا من رسم خط متموج يمثل موجة الماء– يحمل القيمة الصوتية »ن« في الهيروغليفية– سيكتفي برسم خط أفقي مستقيم به ميل بسيط في نهايته، وعلي الرغم من أن الهيراطيقية شكل مبسط عن الهيروغليفية إلا أنها مع مرور الزمن تطورت في طريقها الخاص وأصبحت تحوي علامات جديدة منفصلة عن العلامات الهيروغليفية، إلا أنها لم تنفصل عنها بشكل تام، وبدورها فقط انقسمت الهيراطيقية إلي أسلوبين للكتابة الأول وهو الخط الرسمي المنمق الذي يمكن تسميته بخط الكتب والذي كان يستخدم لكتابة النصوص الأدبية والدينية والعلمية، والآخر هو خط الأعمال السريع والذي كان يتم استخدامه في كتابة المحاضر القانونية والحسابات وما إلي ذلك من نصوص الحياة اليومية العلمانية.

 

كانت الهيراطيقية غالبا ما تكتب باستخدام فرشاة –التي استبدلت بقلم من البوص يقطع طرفه ليكون مدببا ابتدائا من العصر اليوناني الروماني- ولونين من الحبر، الأسود الذي يستخدم لكتابة أغلب النص، والحبر الأحمر الذي يستخدم لكتابة بداية الفقرات، ولكتابة مجموع النواتج الحسابية في الوثائق الاقتصادية، ولتحديد علامات الترقيم في الوثائق الأدبية، ولكتابة أسماء الكائنات الشريرة في الوثائق الدينية.

 

اختلفت الهيراطيقية كذلك فيما اختلفت مع الهيروغليفية في خاصية هامة للغاية، فقد كانت الهيروغليفية لا تمتلك اتجاه محدد لكتابة النص، فكانت تكتب بحرية تامة من اليسار لليمين أو اليمين لليسار ويمكن كتابتها بشكل عمودي أو أفقي، إما الهيراطيقية فقد ظلت من الدولة القديمة وحتى الدولة الوسطى تكتب بشكل عمودي، و لكن بحلول الأسرة الثانية عشرة أصبحت تكتب تبادليا بين الاتجاه العمودي والأفقي، و بحلول عهد إمنمحات الثالث أصبحت الكتابة الأفقية هي السائدة علي الخط الهيراطيقي و لكنها لم تتحرر في اتجاه الكتابة مثل الهيروغليفية و إنما كانت تكتب من اليمين لليسار فقط، و يبدو أن انتقال الكتابة الهيراطيقية من الاتجاه العمودي إلي الاتجاه الأفقي كان وراءه أسباب عملية تمثلت في تجنب الكاتب لتشويه الحبر عن طريق سند يده عليه.

بحلول عصر الأسرة الحادية والعشرون ظهر نمط غريب من الخط الهيراطيقي في مصر العليا، يصطلح علماء المصريات على تسميته «الخط الهيراطيقي الشاذ-Abnormal Hieratic» والذي كان معاصر التطور أسلوب كتابي أخر في شمال مصر والذي حل محله كخط للكتابة الشعبية، إلا وهو «الخط الديموطيقي» الذي ازدهر في منتصف القرن السابع ق.م، وعلى الرغم من ظهور الخط الديموطيقي إلا أن الخط الهيراطيقي لم ينقرض ولكنه أصبح قاصرا على كتابة النصوص الدينية إلى أن انقرض تمام بحلول العقد الثاني من القرن الثالث الميلادي.

 

إعداد: محمد جمال

مراجعة وتصميم: عبدالله طه

المصدر:

  1. Hart-Davis, Adam. History: The Definitive Visual Guide. New York: D.K Publishing, 2012. Digital.

  2. Green, Jen. “EARLY CIVILIZATIONS: The Story of Writing” in Smithsonian Timelines of History: The Ultimate Visual Guide to The Events that Shaped The World. London: D.K Publishing, 2011. Digital.

  3. Loprieno, Antonio. Ancient Egyptian: A linguistic Introduction. Cambridge University Press, 1995. Print.

  4. Trombley, Frank (R.). Hellenic Religion and Christianization c. 370-529: Volume.II paperback. Leiden: Brill Publishing, 2014. Print.

  5. Junge, Friedrich &Behlmer, Heike. “Language”in The Oxford Encyclopedia of Ancient Egypt, Edited by Donald B. Redford. Volume. II. Oxford, New York, and Cairo: Oxford University Press and The American University in Cairo Press, 2001. Print.

  6. Orlandi, Tito. “GRAMMAR: Coptic”in The Oxford Encyclopedia of Ancient Egypt, Edited by Donald B. Redford. Volume. II. Oxford, New York, and Cairo: Oxford University Press and The American University in Cairo Press, 2001. Print.

  7. Wente, Edward (F.). “SCRIPTS: Hieratic”in The Oxford Encyclopedia of Ancient Egypt, Edited by Donald B. Redford. Volume. III. Oxford, New York, and Cairo: Oxford University Press and The American University in Cairo Press, 2001. Print.

  8. Johnson, Janet (H.). “SCRIPTS: Demotic” in The Oxford Encyclopedia of Ancient Egypt, Edited by Donald B. Redford. Volume. III. Oxford, New York, and Cairo: Oxford University Press and The American University in Cairo Press, 2001. Print.

  9. Callahan, Allen Dwight. “SCRIPTS: Coptic” in The Oxford Encyclopedia of Ancient Egypt, Edited by Donald B. Redford. Volume. III. Oxford, New York, and Cairo: Oxford University Press and The American University in Cairo Press, 2001. Print.

  10. “Egyptian language.” Encyclopædia Britannica. Encyclopædia Britannica Ultimate Reference Suite. Chicago: Encyclopædia Britannica, 2014.

  11. Ishaq, Emile Maher. “Coptic Language, spoken” in The Coptic Encyclopedia, Edited By Aziz SuryalAtiya. Volume. II.New York: Macmillan Publishing Company, 1991. Print

  12. أديب، سمير. موسوعة الحضارة المصرية القديمة. القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، الطبعة الأولي، 2000م.

  13. نور الدين، عبد الحليم. اللغة المصرية القديمة. القاهرة: الطبعة التاسعة، 2011م.

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي