التنافر المعرفي

التنافر المعرفي

صدرت عام 1957 دراسة نفسيّة / اجتماعيّة لعالم النّفس الاجتماعيّ الشّهير ليون فستنجر، شملت هذه الدّراسة أحد الجماعات الدّينيّة الصّغيرة في شيكاغو القائم إيمانها على معتقدات من شرق آسيا، أسّست هذه الطّائفة ربّة منزل تُدعى دوروثي مارتن والّتي كانت متأثّرة بأفكار كاتب الخيال العلميّ رون هوبارد.

وكانت قد غطّت صحيفة محليّة قبل صدور الدّراسة بعام قصّة تحت عنوان (نبوءة من كوكب كلاريون تدعو المدينة للهرب من فيضانات ضخمة ستدمّر العالم)، قرأ فستنجر وزملاؤه القصّة وانضم هو ومساعده إلى الجماعة بغرض الدّراسة. تحت أنظار ستنجر ومساعده كان يمضي أعضاء الجماعة مقتنعين تمامًا أنّ الفيضانات ستجتاح العالم معلنة نهايته الأبديّة في وقت محدّد وكانوا يعيشون حياتهم على هذا الأساس. وفي الوقت المحدّد بعد أن اجتمع النّاس استعدادًا للّحظة الحاسمة، ظلّت عقارب السّاعة تمضي ولم تحدث النّبوءة تحت أنظار دهشة أعضاء الجماعة. بعد بضعة دقائق ظهرت القيادة تبرّر عدم وقوع أيّ شيء بأنّ الآلهة رحمت عالمنا و أرجأت نهايته إلى وقت لاحق. مع ذلك التّبرير زال اضطراب وخوف أبناء الجماعة واستمروا في إيمانهم بعقيدتهم.

نتيجةً لما حدث ألّف عالم النّفس فستنجر كتابه (عندما تفشل النّبوءة) يشرح فيه مصطلحًا من أهمّ مصطلحات علم النّفس وهو التّنافر المعرفيّ.

كيف يحدث التغيير السلوكي

يُشير مصطلح التّنافر المعرفيّ إلى حالة تتضمّن سلوكيات ومعتقدات وتصرّفات يُناقض بعضُها بعضًا، فينتج عن هذا شعور بعدم ارتياح ذهنيّ يؤدّي بدوره إلى تغيّر إمّا في السّلوك أو المعتقد أو التّصرف للتّقليل من حالة الانزعاج الذّهنيّ واستعادة التّوازن النّفسيّ.  فعلى سبيل المثال: حين يدخّن شخص (تصرّف) وهو يعلم تمام العلم أنّ التّدخين يؤدّي إلى الإصابة بالسّرطان (إدراك) فهو يُعتبر في حالة من التّنافر المعرفيّ. تقول النّظريّة بأنّ لكلِّ منّا دافعًا داخليًّا يمنع حدوث تنافر مواقفنا وسلوكياتنا ويجعلها في وئام.

يمكن تقليل حالة التنافر من خلال إحدى هذه الطرق الثلاثة

أ- تغيير أحد السّلوكيات أو التّصرّفات أو المعتقدات لجعل العلاقة بين العنصرين أكثر توافقًا. على سبيل المثال، إذا كان (السّلوك) هو أحد طرفيّ العناصر المتنافرة، يُمكن للفرد تغيير هذا السّلوك أو إقصاؤه كأنّ يترك المدخّن سلوك التّدخين ليتماشى مع إدراكه. إلّا أنّه في الكثير من الأحيان ربّما تتسبّب هذه الطّريقة في مشاكل للأفراد بسبب صعوبة تغيير الاستجابات السّلوكيّة المكتسبة أو المتأصّلة (كالإقلاع عن التّدخين).


ب- اكتساب معلومات جديدة ترجّح كفتها أمام المعتقدات المتنافرة، فعندما يحصل الفرد على معلومة جديدة، على سبيل المثال، معلومة تشير إلى أنّ الأبحاث لم تُثبِت بعد علاقة مؤكدّة بين التّدخين وسرطان الرئة ربّما تقلّل من هذا التّنافر.


جـ- التّقليل من أهمية الإدراك (الاعتقادات والسّلوكيات): يستطيع الفرد إقناع نفسه بأنّه من الأفضل عيش اليوم وترك التّفكير في الغد وأنّ حياة قصيرة مليئة بالتّدخين وملذّات الحياة أفضل بكثير من حياة طويلة خالية من هذه المتعة، وفي هذه الحالة فقط يستطيع الإنسان التّقليل من التّنافر المعرفيّ المتمثّل في عبارة (التّدخين مُضرّ بصحّة الإنسان).

تمّ اختبار وبحث نظريّة التّنافر المعرفيّ على نطاق واسع وفي مختلف المواقف لتوضيح الفكرة الأساسيّة بمزيد من التّفصيل مع تحديد العوامل المختلفة والّتي قد تكون مهمّة فيما يتعلّق بالتّغير السّلوكيّ.

تقوم الأبحاث بشكل عام على ثلاث نقاط رئيسيّة

سلوك الامتثال القسري

عندما يتمّ إكراه شخص على القيام بفعل ما لا يريد القيام به علنًا، ينشأ تنافر بين السّلوك والإدراك.
يحدث الامتثال القسريّ نتيجة قيام الفرد بفعل يناقض معتقده، فلا يمكن تغيير السّلوك لأنّه أصبح فعلًا ماضيًا بالفعل، يمكن التّقليل من حالة التّنافر تلك عن طريق إعادة تقييم الفرد للسّلوك الّذي قام به.
وقد تمّ اختبار هذا التّكهّن تجريبيًّا، في تجربة مثيرة للاهتمام، طلب فستنجر ومساعده كلارسمث من المتطوّعين القيام بسلسلة من المهام المملّة مثل تدوير وتد خشبيّ في لوحة خشبيّة مليئة بالثّقوب لمدّة ساعة، وكما تصوّرت بالضّبط، كانت ردود أفعال المشتركين تجاه التّجربة سلبيّة للغاية.

الهدف من التّجربة: معرفة إذا ما كان إلزام الفرد قسرًا على سلوك ما من شأنه أن يولّد تنافرًا معرفيًا.
المنهج المُتبع: استخدم فستنجر وكلارسمث 71 طالبًا من الذّكور ليقوموا بعمل المهمّة المملّة السّابق ذكرها، ثمّ تمّ دفع لمجموعة منهم عشرين دولارًا وأخرى دولارًا واحدًا فقط مقابل أن يخبروا المشتركين الآخرين (وهم متحالفون مع فستنجر في الأصل) في غرفة الانتظار أن هذه التّجربة كانت ممتعة كلّ من شارك تقريبًا وافق على هذا الشّرط وذهب كلّ منهم إلى غرفة الانتظار في محاولة لإقناع المنظرين بمتعة التّجربة.
النّتائج: عندما طُلب من المتطوّعين تقييم التّجربة، وَجد فستنجر أنّ المجموعة الّتي أُعطت دولارًا واحدًا قالوا أنّ التّجربة ممتعة غير أولئك الّذين أُعطوا 20 دولارًا. وتفسير ذلك هو أنّ المتطوّعين الّذين دُفع لهم دولارًا واحدًا اعتقدوا أنّه مبلغ غير كافٍ للكذب، نتيجةً لذلك اختبروا تنافرًا معرفيًّا لم يستطيعوا قهره إلّا بإقناع نفسهم أنّ هذه التّجربة كانت حقًّا ممتعة ومسليّة. لكنّ المتطوّعين الآخرين لم يختبروا مثل هذا التّناقض فقد حصلوا على 20 دولارًا، وهو سبب كافٍ للكذب.

اتّخاذ القرارات

الحياة مليئة بالقرارات، والقرارات ـكقاعدة عامةـ تثير التّنافر.
على سبيل المثال، افترض أنّه عليك الاختيار بين قبول وظيفة في منطقة جميلة جدًّا وراقية لكنها بعيدة عن كلّ ما تحبّ، وبين رفض الوظيفة حتّى تكون بالقرب من عائلتك وأصدقائك. في كلتا الحالتين ستختبر تنافرًا، إمّا افتقاد ما ومن تحبّ أو أن تتوهّج في وظيفة مناسبة في بيئة جميلة. تكمن المشكلة في أنّ اتخاذ أيّ قرار سيقلّل من إمكانيّة التّمتع بمزايا البديل الّذي لم يتمّ اختياره.
كان عالم النّفس (بريم) هو أوّل من استقصى تجريبيًّا العلاقة بين التّنافر وصنع القرار.


الجهد المبذول

يبدو أنّنا عادة ما يغلب علينا تقدير الأهداف أو الأشياء، الَّتي يتطلّب تحقيقها أو الحصول عليها جهدًا كبيرًا، تقديرًا عاليًا. ربّما يرجع السّبب إلى محاولة تجنّب حدوث التّنافر الّذي قد يحدث إذا تمّ بذل مجهود كبير لتحقيق شيءٍ ما ثمّ قمنا بتقييمه سلبيًّا. بالطَّبع يمكننا قضاء سنوات من بذل جهد كبير في تحقيق شيء سرعان ما يتّضح عدم أهميته، وحتّى نتجنّب اختبار تنافر معرفيّ، نحاول اعتبار الجهد المبذول ممتعًا أو أنّه لم يتمّ بذل جهد كبير من الأساس.

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي