أدب الجريمة: حين يكون الغموض هو سيد الموقف

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
أدب الجريمة|||||||

بمجرد قراءتك لإحدى الروايات البوليسية، ستسيطر عليك حاجةٌ مُلِحَّة لمعرفة الكيفية التي تشكَّلت بها كواليس الرواية، فما يحمله هذا النوع من الأدب من غموضٍ وذكاء وقسوةٍ وعُنف؛ كفيلٌ بأن يُثير فيك الفضول لاستكمال البحث والاستقصاء حول القضية التي كان يتناولها الكاتب. بالطبع ستجذبك إلى معرفة الجاني، وأحيانًا ستغريك بأن تكونه. سيشتعل عقلك بالتساؤلات.. ويردُ الكاتب بـ لا إجابة. ربما سيتشظّى عقلك إذا انتهيت من رواية بوليسية يزعم عقلك بـ أنها خيالية، ثم أدركت حقيقيتها على مضض، لا عجب.. ربما ستعيد قراءتها من جديد، وهُنا يكون الكاتب قد انتصر مرتين. ستبهرك ماهيّة تحويل الجريمة إلى رواية أدبية. ستأخذك حالة من الإثارة لفك اللُغز. ستحتار كثيرًا، وتلتهب أفكارك كثيرًا. ربما سيصيبك الاكتئاب مرةً، وربما تنتصر أنت مرّات.. إنه أدب الجريمة!

سمات أدب الجريمة

يعتمد أدب الجريمة على فرضيتين أساسيتين، وهما:

  1. بدء القصّة عمومًا بحدوث الجريمة -والتي غالبًا ما تكون جريمة قتل- ويرتكز عليها السرد فيما بعد، وغالبًا ما تخدم هذه الجريمة القصة كقوّة دافعة لها من حيث تسلسل أحداث الرواية اعتمادًا عليها فيما بعد.
  2.  تتناول الجريمة المُرتَكبة في العمل مفهوم العدل المُجتمعي ومداه من خلال سردِ آثارها في فترة زمنية ما. حيثُ يمكنك من خلال القراءة الاستدلال على مدى سلامة وعدالة المجتمع في تلك الحقبة الزمنية، وعن طبيعة الشرور والجرائم فيه وطرق السيطرة عليها. وبناءً على ذلك، فأدب الجريمة على وجه الخصوص يزوّد القُرَّاء بلمحة من المواقف السائدة عن طبيعة العدالة ومدى تطبيق القانون في المجتمع، وتلفت الانتباه إلى الجرائم التي يمكن أن تهدد الأمن العام والوعي الجماعي.
    ولفهم أدب الجريمة من خلال منظور الدراسات المجتمعية، فمن الضروري تطوير فهم أوسع للثقافة التي ينشأ فيها الكاتب وتنبع فيها إبداعاته الأدبية. وبرغم أن الكُتّاب يبدعون في تجسيد أعمالهم الأدبية لأسبابٍ عِدّة، إلا أن الناشرين يبذلون الجهود فقط في الأعمال التي يأملون أنها ستكون مُربِحة ماليًّا. ولذلك، فإن الأعمال المنشورة والموجودة على الساحة يتم اختيارها وفقًا لمعايير مُحدَّدة ثقافيًّا لا يمكن أبدًا أن تنحرف بعيدًا عن القيم والمُعتقدات والتوقّعات الرائجة في المجتمع.[1]

ولفهم أدب الجريمة من خلال منظور الدراسات الثقافية، فمن الضروري تطوير فهم أوسع للثقافة الكبيرة التي يظهرها الكاتب وإبداعاته الخيالية. وبرغم أن الكُتّاب يخلقون الخيال لأسباب عِدّة، إلا أن الناشرين يبذلون الجهود فقط في الأعمال التي يأملون أنها ستكون مُربِحة ماليًّا إلى حدٍّ ما. ولذلك، فإن الأعمال المنشورة والموجودة على الساحة يتم اختيارها وفقًا لمعايير مُحدَّدة ثقافيًّا لا يمكن أبدًا أن تنحرف بعيدًا عن القيم والمُعتقدات والتوقّعات الرائجة في المجتمع.[1] 

ولتتعرف أكثر على أدب الجريمة؛ إليك أبرز رواياته..

الجريمة والعقاب – Crime and Punishment

تُعد تلك الرواية من أشهر أعمال الكاتب الروسى: (فيودور دوستويفسكي – Fyodor Dostoyevsky)

بكوا في أول الأمر.. ثم ألفوا وتعوّدوا. إن الإنسان يعتاد كل شيء. يا له من حقير.

إنه (دوستويفسكي)، الروائيّ العظيم الفريد من نوعه الذي أثَّر فينا ثأثيرًا كبيرًا بحيث جعل من نفسه شريكًا لنا في تصرفاتنا وأفعالنا السيئة منها قبل الحسنة. لم يكن (دستويفسكي) عالمًا نفسيًا، لكنه تمكَّن من الغوص إلى أعماق أعماقنا، فتعرَّف إلى أفكارنا، التي كثيرًا ما كنا نرغب ألا يتعرف أحدٌ إليها، فجعلنا مُحرَجين، ليس أمام الآخرين وحسب.. بل وحتى أمام أنفسنا.

هذا الروائيّ العظيم الذي مزَّق العذاب جسده على مدى ستين عامًا كاملة. ما عرفَ للطفولة معنى، ولا للشباب صبوة، وجاءت شيخوخته امتدادًا لماضيه: عذاب، مُعاناة، أرق، وقلق.. إنه القدر الذي يقسو عليه لكنه يعجز عن قهره، فكان مُبدعًا خلاقًا، حوّل آلامه إلى رجاء. إنه أشبه بحبَّات الحنطى تحت حجر الرّحى، يطحنها لتصبح عجينَ خبزٍ يسد جوع الجياع.

منذُ البداية، ستلاحظ رغبة (راسكولنيكوف) -بطل الرواية- التي هي ضد إرادته في ارتكاب جريمة مزدوجة. منذ تلك اللحظه، وستشاركه صراعه الداخلي القائم على الاعتزاز بنفسه والاشمئزاز منها في الوقت ذاته، فأيهما يتبع؟ حتى تجد نفسك أسير هذا الصراع حتى تنغمس كليًا في مشاعر البطل وأفعاله، وتتحول إلى (راسكولنيكوف) ثانٍ، وتكاد ترتكب الجريمة معه..

«الجريمة والعقاب» رواية مبنية على أساس الصراع الداخلي عند الإنسان، وخاصةً الرغبة في التعبير عن النفس وإثباتها في مواجهة الأخلاقيات والقوانين التي أوجدها البشر، مما يجعلك تشعر بقلقٍ مُضنِ، وتتساءل عن العدالة في هذا العالم، وفي الوقت ذاته تتساءل عما إذا كان يحق لك الإقتصاص من العدالة ومن الأخلاقيات.

وتتطرق الرواية لمشكلة حيوية ومُعاصرة ألا وهي الجريمة وعلاقتها بالمشاكل الاجتماعية والأخلاقية للواقع، وهي المشكلة التي جذبت اهتمام (ديستوفيسكي) في الفترة التي قضاها هو نفسه في أحد المُعتقلات حيث اُعتُقِلَ بتهمة سياسية وعاش بين المسجونين وتعرَّف على حياتهم وظروفهم.[2]

أدب الجريمة
رواية «الجريمة والعقاب» للكاتب (فيودور ديستويفسكي)

شيفرة دافنشي – The Da vinci Code

للكاتب (دان براون – Dan Brown)

ضمن أجواء غامضة يدور بحث البروفيسور (لانجدون – Langdon) أستاذ علم الرموز الدينية في جامعة (هارفارد) عن سر الرسالة التي تركها جد (صوفي- Sophie) خلف لوحة (ليوناردو دافنشي) (Madonna of the rocks) والتي كانت حلقة أخرى تُضاف إلى سلسلة من الرموز المرتبطة ببعضها البعض، حيث كان جد (صوفي) ذا ولع شديد بالجانب الغامض والعبثي لـ(ليوناردو دافنشي).

وفي الوقت ذاته كان اهتمام البروفيسور (لانجدون) وولعه شديدًا بالرموز الدينية وبفكها، فكتبه حول الرسومات الدينية وعلم الرموز جعلت منه مُعارضًا مشهورًا في عالم الفن حتى غدا حضوره قويًا وشهرته واسعة وخاصةً بعد تورطه في حادثة في الفاتيكان، تلك الحادثة أخذت أبعادًا إعلانية إلى درجة جعلت أهل الفن مُهتمين به إلى أبعد الحدود.

ينطلق (لانجدون) و(صوفي) في رحلة بحثية تمر في شوارع روما متوقفة عند كاتدرائياتها مرورًا إلى باريس متوقفة عند متحف اللوفر في رحلة مشوقة لمعرفة سر رسالة جد (صوفي)، والتي فتحت آفاقًا إلى اكتشاف سر الفارس المُخلَّد في قصيدة دوِّنت ضمن تلك الرسالة وذلك ضمن أجواء بوليسية شيقة وبأسلوب تميز به الكاتب (دان براون) في قصصه ذات الطابع البوليسي، ويمكن القول بأن «شيفرة دافنشي» هذه تتجاوز بتصنيفها الرواية البوليسية المُثيرة بمراحل عديدة إذ أنها يلفها غموض مُمتع مُرتكز على أسرار بشكل ألغاز. تشد القارئ إلى درجة كبيرة متابعًا تفاصيل تلك الرواية بمزيد من المُتع والذهول.[3]

ومما تجدر الإشارة إليه أخيرًا هو أن هذه الرواية قد تُرجِمت إلى أكثر من 50 لغة وطُبع منها أكثر من 8 ملايين نسخة وهذا ما يؤكد قول (نيلسون دي ميل – Nelson DeMille):

إن دان براون هو واحد من أفضل وأذكى وأكثر الكتاب براعة في البلاد. وشيفرة دافنشي تتجاوز بتصنيفها الرواية البوليسية المُثيرة بمراحل عديدة، إنها بحق عبقرية محضة.
أدب الجريمة
رواية «شيفرة دافنشي» للكاتب (دران براون)

الجريمة النائمة – Sleeping Murder

للكاتبة: (أجاثا كريستي – Agatha Christie)

إن الأطفال مخلوقات صغيرة غريبة، إذا تعرضوا لخوفٍ رهيب فإنهم لا يتحدثون عنه، ولا سيّما إذا كانوا لا يفهمون مصدر رعبهم. إنهم يدفنون خوفهم بين جوارحهم، وربما بدا أنهم نسوه ولكن ذكراه تبقى هناك في أعماق نفوسهم.

أمور غريبة بدأت تحدث مع (جويندا – Gwenda) بطلة الرواية بعد انتقالها إلى بيتها الجديد بأمدٍ يسير.
قلق (جويندا) بدأ يتنامى حين رأت نفسها تعود إلى الماضي مرةً بعد أخرى، وزاد من قلقها ذلك الرعب الغامض الذي كانت تحس به كلما همّت بنزول الدرَج إلى الطابق الأرضي.
(جويندا) تضع مخاوفها بين أيدي الآنسة (ماربل)، وعلى رأس هذه المخاوف لغز غريب: ذكريات باهتة عن جريمة قتل ارتُكِبت في الماضي البعيد![4]
أدب الجريمة
رواية «الجريمة النائمة» للكاتبة (أجاثا كريستي)

راقصة الملهى – La Danseuse du Gai-Moulin

للكاتب: (جورج سيمنون – Georges Simenon)

في هذه الرواية يحاول المُحقق (ميجريه – Maigret) كعادته أن يكشف عن القاتل الحقيقي، وتدور أحداث هذه الروية عندما عثرَ على جثة رجل غريب بالقرب من قبو ملهى (جاي مولان – Gai-Moulin) في مدينة (لييج) في بلجيكا، بعد أن سُرِقت منه محفظته وعلبة سجائرة الذهبية، وقد وُجِدَ في محل الجريمة آثار أقدام لأشخاصٍ ما، وكان الملهى الذى عُثِرَ بجانبه على الجثة يتردد عليه شابان ثريان، أحدهما يقوم بسرقة أموال نسائه، والآخر يستدين من صندوق النثريات، وقد أدت غرابة سلوكهما إلى الشك فيهما في قتل هذا الغريب، وبعد أن سُجِنا قام المُحقق (ميجريه) بدوره بالكشف عن القاتل الحقيقي.[5]
أدب الجريمة
رواية «راقصة الملهى» للكاتب (جورج سيمنون)

The Wronged Sons- الأبناء المظلومون

للكاتب: (جون مارس – John Marrs)

إلى أي شخص قد وهبك الثقة، أنت مدين له بالكثير.

أغلب روايات الجريمة تبدأ بسؤال كبير ومظلم، يدفعك بطريقة ما للاستمرار في القراءة لعلك تجد الإجابة، هذه الرواية من هذا النوع بالتحديد:

ماذا يمكنك أن تفعل لو اختفى فجأة الشخص الذي تحب وكأنه لم يكن معك يومًا؟

تدور قصة الرواية حول أمٍ لثلاثة أطفال، (كاثرين) التي يختفي زوجها (سيمون) فجأة من دون أي تفسير في الوقت الذي تهدد الديون بتدمير عائلتها إلا أنها تظل على قناعة أن زوجها لم يترك المنزل باختياره ولكن هناك من أجبره بل وربما قتله وأخفى الجثة في مكان ما، لتعرف الإجابة بعد 25 سنة من البحث عندما يظهر فجأة زوجها أمامها.[6]

أدب الجريمة
رواية «The Wronged Sons» للكاتب (جون مارس)

A Song For The Dying- أغنية لمن يحتضر

للكاتب: (ستيورات ماكبرايد – Stuart MacBride)

قبل ثماني سنوات قتلَ رجلٌ أربع نساء وترك خلفه ثلاث أخريات في حالة حرجة، جميعهن كن مشقوقات البطون، ودُمية بلاستيكية تمت إخاطتها بداخل أحشائهن، (آش هندرسون – Ash Henderson) مُفتش المباحث الذي تم تكليفه بالتحقيق في الجريمة الأولي، ولكن الكثير من الأشياء يمكن أن تتغير في ثماني سنوات، تدمرت حياته المهنية، وحياته الشخصية في حالة يرثى لها، وقد حاول أحدهم إدخاله للسجن.
الآن جثة مُمرضة وُجِدَت بمكبّ النفايات مشقوقة البطن وهناك دُمية بلاستيكية فى أحشائها، فتكون عودة القاتل من جديد فرصة لـ آش لاستعادة حريته.[7]

أدب الجريمة
رواية «أغنية لمن يحتضر» للكاتب (ستيوارت ماكبرايد)

The Husband’s Secret- سرُّ الزوج

للكاتبة: (ليان موريارتي – Liane Moriarty)

لا أحد مِنا أبدًا يعرف كل المسارات المُمكنة التي يمكن أن تأخذها حياتنا، أو التي يجب أن تأخذها. إنه كذلك على الأرجح، بعض الأسرار من المُفترض أن تظل أسرارًا للأبد. فقط اسأل باندورا*.
هذه الرواية خليط بين الدراما والجريمة والغموض، وتدور قصتها حول (سيسليا – Cecilia) التي تنقلب حياتها رأسًا على عقب عندما تجد رسالة من زوجها مُعَنونة بـ: «خاص لسيسيليا.. في اليوم الذي تتطلعين فيه على هذه الرسالة سأكون قد متت!». تخيل أن يرسل لك شريكك رسالة من هذا النوع وتجدها وعندما تقرأها تجد نفسك أمام سر قد لا يدمر حياتكما التي بنيتماها معًا فحسْب، بل حياة آخرين أيضًا.[8]
أدب الجريمة
رواية «سرّ الزوج» للكاتبة (ليان موريارتي)

*صندوق باندورا: في الميثولوجيا الإغريقية، هو صندوق حُمل بواسطة باندورا يتضمن كل شرور البشرية من جشع، وغرور، وافتراء، وكذب وحسد، ووهن،و وقاحة ورجاء. بعد سرقة بروميثيوس النار، أمر زيوس ابنه هيفيستوس بخلق المرأة باندورا كجزء من العقوبة على البشرية. أعطيت باندورا الكثير من الهدايا من أفروديت وهيرميز والكارايتات وهوري. حذر بروميثيوس شقيقه إبيميثوز من أخذ أي هدية من زيوس خوفا من أعمال انتقامية، غير أن إبيميثوز لم يصغ وتزوج باندورا التي كانت تمتلك صندوق أعطاها زيوس إياه، وأمرها ألا تفتحه، غير أن باندورا فتحت الصندوق وخرجت كل شرور البشر منه، أسرعت باندورا لإغلاق الصندوق، ولم يبقى فيه من الشرور إلا فقدان الأمل لم يصب البشر.[9]

المصادر

  1.  Henderson, Deborah. “Cultural Studies Approaches to the Study of Crime in Literature – Oxford Research Encyclopedia of Criminology.” Gale – Enter Product Login, HuffPost, 8 June 2017, https://bit.ly/2vKF7Q3
  2. Fyodor Dostoyevsky.Crime and Punishment. Alianza Editorial, 2006.Преступление и наказание
  3. Dan Brown.The Da Vinci Code. By Anchor, 0AD.(first published March 18th 2003)
  4. Agatha Christie.Sleeping Murder. Dodd Mead, 0AD.1st edition (September 1976) (first published October 1976)
  5. Georges Simenon.La Danseuse Du Gai-Moulin. Livre De Poche, 0AD.(first published April 1931)
  6. John Marrs.The Wronged Sons. John Marrs, 0AD.(first published September 5th 2013)
  7. Stuart MacBride.A Song for the Dying. HarperCollins, 0AD.(first published December 17th 2013)
  8. Liane Moriarty.The Husband’s Secret. Berkley, 0AD.
  9. “صندوق باندورا.” Wikipedia, Wikimedia Foundation, 17 Aug. 2018, ar.wikipedia.org/wiki/صندوق_باندورا.

كتابة وإعداد: هبة خميس
مُراجعة لُغوية: آلاء مرزوق
تحرير: زياد الشامي