الحوسبة الكموميّة

الأشعّة الكونيّة قد تعوق مسيرة 20 عام من الحوسبة الكموميّة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
وجد الباحثون أنّ بناء أجهزة حواسب كموميّةٍ تحت الأرض، أو تصميم بتّات كمّيّةٍ (كيوبتّاتٍ) مقاومةٍ للإشعاع قد يكون ضروريًّا لمستقبل الحوسبة الكموميّة.

يتوقّف التّطبيق الفعليّ للحوسبة الكموميّة على سلامة البتّ الكمّيّ أو (الكيوبتّ).

و«الكيوبتّات» أو العناصر المنطقيّة للحواسب الكموميّة هي أنظمةٌ تمثّل المعلومات الكموميّة بطريقةٍ مترابطةٍ ثنائيّة المستوى. يمتاز كلّ كيوبتٍّ بقدرةٍ غريبةٍ على أن يكون في حالة تراكبٍ كمّيٍّ، فيستطيع حمل جوانب من كلتا الحالتين في وقتٍ واحد، ممّا يتيح إصدارًا كمّيًّا من الحوسبة المتوازية. وبالتّالي؛ إذا استطعنا توسيع نطاق الحواسب الكموميّة بحيث تستوعب العديد من وحدات البتّ على معالجٍ واحدٍ، فمن الممكن أن تكون أسرع بصورةٍ مذهلةٍ، وقادرةً على التّعامل مع مشكلاتٍ أكثر تعقيدًا بكثيرٍ من الحواسب التّقليديّة الحاليّة.

لكن يعتمد هذا كلّه على سلامة البتّات الكموميّة، ومقدار الزّمن الّذي تستطيع العمل خلاله قبل أن تفقد تراكبها ومعلوماتها الكموميّة، وهي العمليّة التي تُعرف باسم «عمليّة فكّ التّرابط الكمّيّ» والّتي تقلّل في النّهاية من زمن تشغيل الحاسب. لقد حقّقت الكيوبتّات فائقة التّوصيل -والّتي تُعدّ اليوم صيغةً رائدةً للكيوبتّ في صناعة الحوسبة الكموميّة- تحسّنًا هائلًا في هذا المقياس الرّئيسيّ، من أقلّ من نانو ثانيةٍ واحدةٍ في عام 1999 إلى حوالي 200 ميكرو ثانيةٍ اليوم للأجهزة الأفضل أداءً.

لكنّ الباحثين في مختبر معهد ماساشوستس، وماساشوستس لينكولن التّكنولوجيّ، والمختبر الوطنيّ شمال غرب المحيط الهادي (PNNL) وجدوا أنّ أداء الكيوبتّات سرعان ما سيصطدم بالحائط. ففي ورقةٍ بحثيّةٍ نُشرت في مجلّة نيتشر العلميّة (Nature)، أفاد الفريق أنّ الإشعاع المحيط منخفض المستوى وغير المؤذي والّذي ينبعث من العناصر النزرة الموجودة في الجدران الخرسانيّة، والأشعّة الكونيّة الواردة من الخارج كافيان لإحداث عمليّة فكّ التّرابط الكمّيّ في الكيوبتّات. ووجدوا أنّ هذا التّأثير إذا ما ترك دون تخفيف سيحدّ من أداء الكيوبتّ حتّى بضعة أجزاءٍ من الألف من الثّانية (ملّي ثانيةٍ).

وبأخذ المعدّل الّذي يعمل به علماء الحوسبة الكموميّة على تحسين الكيوبتّات بعين الاعتبار، فإنّهم قد يصطدمون بهذا الجدار النّاجم عن الإشعاع في غضون بضع سنواتٍ فقط. وسيتعيّن على العلماء للتّغلّب على هذا العائق إيجاد طرقٍ لحماية الكيوبتّات وأيّة حواسب كموميّةٍ تطبيقيّةٍ من الإشعاع منخفض المستوى، ربّما عن طريق بناء أجهزة الحواسب تحت الأرض، أو تصميم كيوبتّات تتحمّل تأثيرات الإشعاع.

يقول (ويليام أوليڨر) الأستاذ المشارك بقسم الهندسة الكهربائيّة وعلوم الحاسب، وزميل مختبر لينكولن في معهد ماساتشوستس للتّكنولوجيا:

يمكننا تشبيه آليّات فكّ التّرابط الكمّيّ هذه بالبصل، ولقد عملنا طيلة الأعوام العشرين الماضية على تقشير طبقات البصلة، بيد أنّ هناك طبقةً أخرى تركت من دون أن نقطّعها ستعرقلنا في غضون عامين، هذه الطّبقة هي الإشعاع البيئيّ. وهذه النّتيجة مثيرةٌ لأنّها تحفّزنا على التّفكير في طرقٍ أخرى لتصميم الكيوبتّات للتّغلّب على هذه المشكلة.

يقول (أنتي ڨيبسالاينن) وهو باحث ما بعد الدكتوراة في مختبر أبحاث الإلكترونيّات بمعهد ماساشوستس للتّكنولوجيا، والمؤلّف الرّئيسيّ للورقة البحثيّة:

إنّ مدى حساسيّة الكيوبتّات فائقة التّوصيل للإشعاع الضّعيف لهو أمرٌ مدهشٌ للغاية. ويمكن أن يكون فهم هذه التّأثيرات في أجهزة الحوسبة الكموميّة مفيدًا أيضًا في تطبيقاتٍ أخرى مثل أجهزة الاستشعار فائقة التّوصيل المستخدمة في علوم الفلك.

الحوسبة الكموميّة والتّأثير الكونيّ

تتكوّن الكيوبتّات فائقة التّوصيل من دوائر كهربائيّةٍ مصنوعةٍ من موادّ فائقة التّوصيل تحتوي على العديد من الإلكترونات المقترنة المعروفة باسم أزواج كوبر، والّتي تتدفّق عبر الدّائرة الكهربائيّة دون مقاومةٍ كهربيّةٍ، وتعمل معًا للحفاظ على حالة التّراكب الضّعيفة للكيوبتّ. فإذا ما تمّ تسخين الدّائرة الكهربائيّة، أو تعطّلت بطريقةٍ أو بأخرى، فمن الممكن أن تنقسم أزواج الإلكترونات، وتتحوّل إلى أشباه جسيماتٍ، ممّا سيتسبّب في فكّ التّرابط الكمّيّ في الكيوبتّ ويؤدّي للحدّ من أدائها.

كيوبتّ فائقة التّوصيل
كيوبتّ فائقة التّوصيل
(المصدر: ويكيبيديا)

هناك العديد من مصادر فكّ التّرابط الكمّيّ الّتي يمكن أن تزعزع استقرار الكيوبتّ مهدّدةً كفاءة الحوسبة الكموميّة، مثل تذبذب المجالات المغناطيسيّة والكهربيّة، والطّاقة الحراريّة، وحتّى التّداخل بين الكيوبتّات.

ولطالما شكّ العلماء في كون المستويات المنخفضة جدًّا من الإشعاع قد يكون لها نفس التّأثير المزعزع للاستقرار في الكيوبتّات.

يضيف (ديڨيد كيم) أحد أفراد الطّاقم التّقنيّ في مختبر معهد ماساشوستس لينكولن التّكنولوجيّ:

لقد تحسّنت جودة الكيوبتّات فائقة التّوصيل كثيرًا خلال السّنوات الخمس الماضية، ونحن الآن بصدد الاصطدام بتأثير الإشعاع عند تحسين جودتها إلى حوالي عشر أمثالها حاليًّا.

لهذا السّبب تعاون (ويليام أوليڨر) مع (جوزيف فورماجيو) أستاذ الفيزياء بمختبر لنكولن ماساشوستس التّكنولوجيّ، ليروا كيف يمكنهم تحديد أثر الإشعاع البيئيّ منخفض المستوى على كيوبتّات الحوسبة الكموميّة. يمتلك (فورماجيو) بصفته عالمًا في فيزياء النيوترينو خبرةً واسعةً في تصميم التّجارب الّتي يتمّ حجبها عن أصغر مصادر الإشعاع حتّى يتمكّن من رؤية النّيوترينوات والجسيمات الأخرى الّتي يصعب اكتشافها.

جهاز مستشعر نيوترينو تحت اﻷرض
جهاز مستشعر نيوترينو تحت اﻷرض
(المصدر: نيتشر)

المعايرة هي مفتاح اللّغز

كان على الفريق البحثيّ الّذي يعمل في مختبر لينكولن، والمختبر الوطنيّ شمال غرب المحيط الهادي أوّلًا تصميم تجربةٍ لمعايرة تأثير مستويات الإشعاع المعروفة على أداء الكيوبتّ فائقة التّوصيل. للقيام بذلك، احتاجوا إلى مصدرٍ مشعٍّ معروفٍ، مصدرٍ يصبح أقلّ نشاطًا إشعاعيًّا ببطءٍ بدرجةٍ كافيةٍ كي يتمكّنوا من تقدير التّأثير عند مستويات إشعاعٍ ثابتةٍ بشكلٍ أساسيٍّ، ولكن بسرعةٍ كافيةٍ لتقدير نطاقٍ من مستويات الإشعاع المتباينة خلال أسابيع قليلةٍ، وصولًا إلى مستوى الإشعاع الطّبيعيّ.

اختارت المجموعة تشعيع رقاقةٍ من النّحاس عالِ النّقاء. وعند تعرّضه لفيضٍ عالٍ من النّيوترونات ينتج النّحاس كمّيّاتٍ وفيرةً من نظير النّحاس 64، وهو نظيرٌ غير مستقرٍّ يتميّز بالخصائص المطلوبة بالضّبط.

يقول (فورماجيو) الّذي عمل مع مشغّلي مختبر المفاعل النّوويّ بمعهد ماساشوستس للتّكنولوجيا على تشعيع قرصين صغيرين من النّحاس لعدّة دقائق:

يمتصّ النّحاس النّيوترونات كقطعةٍ من الإسفنج.

ثمّ وضعوا أحد الأقراص بجوار الكيوبتّات فائقة التّوصيل في ثلّاجة التّخفيف بمختبر أوليڨر في الحرم الجامعيّ.
وفي درجات حرارةٍ أكثر برودةً بنحو 200 مرّةٍ من حرارة الفضاء الخارجيّ، قاموا بقياس تأثير النّشاط الإشعاعيّ للنّحاس على التّرابط الكمّيّ للكيوبتّ، بينما ينخفض النّشاط الإشعاعيّ لقرص النّحاس تدريجيًّا حتّى يصل إلى مستويات الإشعاع الطّبيعيّ.

كما تمّ قياس النّشاط الإشعاعيّ للقرص الثّاني في درجة حرارة الغرفة كمقياسٍ للمستويات الّتي تصل إلى الكيوبتّ. من خلال هذه القياسات وعمليّات المحاكاة ذات الصّلة، تمكّن الفريق من فهم العلاقة بين مستويات الإشعاع، وأداء البتّ الكموميّ، والّتي يمكن استخدامها لاستنتاج تأثير الإشعاع البيئيّ الّذي يحدث بشكلٍ طبيعيٍّ على الحوسبة الكموميّة. وبناءً على هذه القياسات سيقتصر زمن التّرابط الكموميّ للكيوبتّ على حوالي 4 ملّي ثانيةٍ فقط.

اللّعبة لم تنتهِ بعد

وهنا جاء الجزء الثّاني من التّجربة، حين قام الفريق البحثيّ بإزالة المصدر المشعّ، وشرعوا يبرهنون على أنّ حماية الكيوبتّات من الإشعاع البيئيّ يزيد كفاءة الحوسبة الكموميّة بتحسين زمن التّرابط الكموميّ.

وفي سبيل إثبات ذلك؛ أنشأ الباحثون جدارًا يبلغ وزنه 2 طنّ من مادّة الطّوب الرّصاصيّ يمكن رفعه وخفضه عن طريق رافعةٍ مقصّيّةٍ، بحيث تتيح حجب الثّلّاجة أو تعريضها للإشعاع المحيط.

يقول (أوليڨر):

لقد بنينا قلعةً صغيرةً حول هذه الثّلّاجة.

تناوب الطّلّاب في مختبر أوليڨر كلّ 10 دقائق، وعلى مدى عدّة أسابيع، على الضّغط على زرّ الرّافعة إمّا لرفع، أو خفض الجدار، بينما يقيس الكاشف سلامة الكيوبتّ، أو يقيس «معدّل الاسترخاء» وهو مقياسٌ لكيفيّة تأثير الإشعاع البيئيّ على الكيوبتّ في وجود الدّرع الحاجب للإشعاع، وبدونه.
ومن خلال مقارنة النّتيجتين، استخلصوا بشكلٍ فعّالٍ التّأثير الّذي يعزى للإشعاع البيئيّ، مؤكّدين التّنبّؤ السّابق والبالغ 4 ملّي ثانيةٍ، ومبرهنين على أنّ حجب الإشعاع قد أدّى إلى تحسين أداء الكيوبتّ.

يقول (فورماجيو):

من الصّعب التّخلّص من إشعاع الأشعّة الكونيّة. إنّه خارق للغاية، ويمرّ مثل التّيّار النّفّاث مباشرةً عبر كلّ شيءٍ. إذا ذهبت تحت الأرض، فإنّ هذا سيقلّل حجمه كثيرًا. ربّما ليس من الضّروريّ بناء الحواسب الكموميّة في أعماق الأرض، مثل تجارب النّيوترينو، ولكن من الممكن أن نحصل من حواسب الطّبقة القاعديّة العميقة على كيوبتّاتٍ تعمل بمستوياتٍ محسّنةٍ.

إنّ الذّهاب تحت الأرض ليس هو الخيار الوحيد، ويمتلك (أوليڨر) أفكارًا عديدةً حول كيفيّة تصميم أجهزة الحوسبة الكموميّة الّتي لا تزال تعمل في مواجهة الإشعاع الطّبيعيّ.

يقول (أوليڨر):

إذا أردنا بناء صناعةٍ، فمن المحتمل أن نفضّل التّخفيف من آثار الإشعاع فوق الأرض. فمثلًا يمكننا التّفكير في تصميم الكيوبتّات بطريقةٍ تجعلها صلبةً للغاية، وأقلّ حساسيّةً لأشباه الجسيمات، أو أن نصمّم مصائد لأشباه الجسيمات بحيث يمكن أن نجعلها تتدفّق بعيدًا عن الكيوبتّ حتّى لو كانت تتولّد باستمرارٍ عن طريق الإشعاع. لذا فهي ليست بالتّأكيد نهاية اللّعبة، إنّها فقط الطّبقة التّالية من البصل الّتي نحتاج إلى معالجتها.