Notice: Undefined index: options in /home/egyresmagadmin/web/egyresmag.com/public_html/wp-content/plugins/elementor-pro/modules/theme-builder/widgets/site-logo.php on line 192

الثقوب السوداء – الجزء الثامن: «الضوء في نهاية النفق» – ما هو الثقب الأبيض؟

what-are-white-holes-1024x728

الثقوب البيضاء

قبل التحدث عن ماهية الثقوب البيضاء، أريد أن أوضح نقطة مهمة.

الثقوب البيضاء –إلى الآن- هي بالكامل مفاهيم رياضية نظرية بحتة. نحن قطعًا لا نعلم إن كانت موجودة فعليًا.
كل ما نعلمه هي أن وجودها منطقي رياضيًا، فإن كنت في إنتظار أن أتحدث عن تلك المرة التي تفاجأ فيها العلماء بذلك التغير الغير المنطقي في إحدي المجرات المجاورة أو برصد ثقب أبيض صدفة في الفضاء فأخشى أنه سيخيب أملك بعض الشيء. ولكن إن أردت رأيي، كون شيء مجرد فرضية لا يمنع كونه مثيرًا للإهتمام، والثقوب البيضاء حقًا مثيرة للاهتمام. في النهاية، لا تنس أن الثقوب السوداء كانت أيضًا مجرد فرضيات مجنونة في مرحلة ما!

حسنًا، الجزء السابق لا يعني أني أتيت فارغ اليدين تمامًا، هناك دليل واحد إلى الآن يعزز إمكانية وجود الثقوب البيضاء وإن لم يكن تأكيدًا على وجودها ولكنه أفضل من لاشيء.

حدث فضائي عام 2006 يعرف بـ(GRB 060614)، في ذلك العام تم رصد انفجار هائل من أشعة جاما لم يُشهد له أي مثيل من قبل.

بالطبع لم يكن هذا أول انفجار من أشعة جاما يرصده العلماء فهذا الأمر يحدث من حين لآخر نتيجة المستعرات العظمي (Supernovae) أو بسبب ولادة نجم جديد. ولكن هذا الانفجار تحديدًا كان مثيرًا للاهتمام نظرًا لعدم وجود أدلة تناسب إمكانية حدوث مستعر أعظم أو ولادة نجم في هذه المنطقة تحديدًا، لذلك وصفه البعض بـ«انفجار هجين».

وبالإضافة إلى ذلك، فالفترة التي ظلت أشعة جاما في الانبعاث فيها كانت طويلة نسبيًا وهي 102 ثانية. لا يزال حدث GRB 060614 لغزًا إلى يومنا نظرًا لعدم وجود نظريات كافية تقودنا في مجال كهذا. ما قاد بعض العلماء للتصديق في أن هذا الحدث هو بالفعل ثقب أبيض هو ببساطة لأنه إن كانت الثقوب البيضاء حقيقة بالفعل، فعلى الأرجح أنها ستظهر على هيئة حدث كهذا بالضبط. انفجار عظيم من المواد يستمر لفترة بسيطة ثم يختفي. أما باقي العلماء فالبعض منهم اعتبر هذا الحدث مجرد مستعر أعظم قوي على أي حال، البعض الآخر اعتبروا أنه كان ناتج امتصاص ثقب اسود لنجم نيوتروني قريب أو ربما ناتج اندماج نجمان نيوترونيان معًا، ولكن تلك الأحداث تصدر طاقة لثانيتين على الأكثر وليس أكثر من دقيقة ونصف!

من الجدير بالذكر أن بعض العلماء الذين اعتبروا هذا الحدث ثقبًا أبيضًا قد أسموه انفجارًا صغيرا (Small Bang) نسبة إلى الانفجار العظيم (The Big Bang) وسنعرف العلاقة الممكنة بينهما لاحقًا. المهم الآن هو أن تعلم أن هذا الحدث ليس دليلًا فعليًا على وجود الثقوب البيضاء ولكنه فقط دليل على أنه ربما، فقط ربما، الثقوب البيضاء حقيقة. وفي الأغلب لن نعرف المزيد عن هذا الأمر حتى حدوث انفجار هجين آخر.

والآن وقد انتهينا من هذا الجزء، ما هي الثقوب البيضاء تحديدًا؟

الثقوب البيضاء هي مفهوم رياضي نشأ من استكشاف ودراسة العلماء للبيئة الموجودة حول الثقوب السوداء وتطور الرياضيات الخاصة بها. يمكن وصفها بأنها المضاد الكامل أو المعاكس الزمني للثقوب السوداء. إن كانت الثقوب السوداء تسحب المواد للداخل فالثقوب البيضاء تتدفق منها المواد ببزخ إلى الخارج. لا شيء يستطيع الهرب من أفق حدث الثقب الأسود للخارج، لا شيء يمكنه عبور أفق حدث الثقب الأبيض للداخل.

أتذكر حين قلنا أن فكرة الثقوب السوداء ظهرت لأول مرة نتيجة حل معادلات أينشتاين للمجال كأحد التوقعات الممكنة للنسبية العامة؟ حسنًا، أتضح أنه هناك حل آخر ممكن لهذه المعادلات. لعلك تذكر في المدرسة في صف الرياضيات حين كنت تُسأل عن الجذر التربيعي للعدد (9) مثلًا فتجيب بثقة (3) وتتعجب حين يخبرك المعلم بأن الإجابة خاطئة، الإجابة الصحيحة هي (3) أو (-3). سواء حسبت تربيع (3) أو (-3) في الحالتان ستحصل على نفس النتيجة النهائية وهي (9). هذا هو الموضوع تقريبًا، حل المعادلات بطريقة يعطيك ثقبًا أسود (3)، حل المعادلات بطريقة أخرى يعطيك ثقب أسود عكسي (-3)…ثقب أبيض. إن كان الثقب الأسود ممكنًا فكذلك هو الثقب الأبيض.

والآن بالنسبة لنشأة الثقوب البيضاء فهنالك نظريتان، كلاهما يتحدثان عن طبيعة الرابط بين الثقب الأبيض والأسود.

الأولى وهي أن نشأة ثقب أبيض قد تكون نتيجة انكماش مفردة ثقب أسود لتصل لأصغر حجم استطاعت الفيزياء التنبأ به، حينها من المستحيل أن يموت الثقب الأسود ويختفي بل ما يحدث هو أنه يرتد لينهض كثقب أبيض. هذا تبعًا لدراسة قامت في 2014 تم فيها اعتبار أن نسيج الزمكان مكون من وحدات كمومية دقيقة (Quanta) غير قابلة للتجزئة في محاولة للحصول على نظرية تفسر الجاذبية باستخدام ميكانيكا الكم، ومع الوقت، التوصل لنظرية الكل شيء. ولكن النظرية غير كاملة إلى الآن. على أى حال، نحن نعلم أن التمدد أو الإبطاء الزمني في ثقب أسود كبير بدرجة هائلة، لا أحد يعلم كم من الوقت ستتطلبه عملية كهذه.

أما الثانية وهي أنه عند نشأة ثقب أسود، على ثقب أبيض أن يتكون كذلك ليعمل كباب الخروج التي تنفذ منه المعلومات التي تسقط في الثقب الأسود ليكونا ما يمكن وصفه بـ«فمّين» يصلان حَلْق أو نفق فضائي معين يسمى بالثقب الدودي (Wormhole)، قد يكون هذا الثقب الأبيض في مكان آخر في الكون أو في أكون آخر تمامًا.
من الجدير بالذكر هنا أن النسبية العامة تخبرنا بأن الثقب الدودي يتواجد بين ثقبان أسودان، نعتقد هنا أن الثقب الأسود الثاني يتواجد في كون آخر موازً. بشكل آخر، الثقب الأسود المتواجد في هذا الكون الموازي هو في الواقع ثقبنا الأبيض. لذلك ينظر البعض إلى الثقوب السوداء على أنها بوابات لأكوان أخرى موازية. بل تطورت هذه الفكرة مع الوقت وشجعت بعض العلماء للجدال على أنه في الحقيقة لا يوجد مفردة في الثقب الأسود وأن ثقبًا أسود كذلك الذي في مركز مجرتنا هو ليس (ثقبًا أسود) بل بالأحرى أحد نهايتي ثقب دودي نهايته الأخري قد تفتح على كون آخر…ولكن المزيد عن هذا لاحقًا.

كل نظرية من النظريتين السابقتين قد أدت لظهور فرضيات مبنية على كل واحدة منهما بدورهما. وعليك أن تتوقع أن فرضيات ناشئة من كيان استثنائي –وربما خيالي- كالثقب الأبيض هي بذاتها استثنائية كذلك. بالفعل بعض تلك الفرضيات متعلق بمواضيع كنشأة الكون (The BigBang) والمادة المظلمة (Dark Matter) والأكوان المتعددة (The Multiverse) وبالطبع الثقوب الدودية (Wormholes).

بالنسبة للنظرية الأولى، فهذا التصور يناسب قليلًا شيئًا تحدثنا عنه في أحد الأجزاء السابقة وهي الثقوب السوداء البدائية (Primordial Black Holes) والتي توقع وجودها ستيفن هوكينج. من المؤسف أننا لم نرى أيا منها إلى الآن وإلا كان هوكينج فاز بجائزة نوبل كما قال بنفسه في إحدى محاضراته. هذا لأنها على الأرجح تكونت بعد الانفجار العظيم نتيجة التقلبات أو التخلخلات العشوائية (Fluctuations) في الزمكان الخاص بالكون المولود حديثًا.
يحتمل أن تلك الثقوب البدائية قد تحولت لثقوب بيضاء عند موتها خلال فترة حياة الكون. والآن ظهرت فرضية تقول أن هذه الثقوب البيضاء في الواقع هي المكون المجهول للمادة المظلمة (Dark Matter) التي تملأ الكون.
المادة المظلمة هى مادة تشغل حيز يقدر بحوالي خمسة أسداس من حيز الكون وبالرغم من ذلك تظل طبيعة المادة المظلمة لغزًا كاملًا بالنسبة إلينا حيث أنها غير مرئية ولا تشع أو تكسر أو حتى تعيق مسار الضوء. نحن فقط نعلم أنها موجودة نتيجة تأثيرها الجاذبي على المواد الطبيعية.
إذا فهناك احتمال كون تلك المادة المظلمة ثقوبًا بيضاء ميكروسكوبية، بالطبع قد يبدو هذا عجيبًا فكيف لمادة نطلق عليها وصف «مظلمة» أن تكون مكونة من ثقوب «بيضاء»؟ التفسير الأنسب هنا هو أنه نظرًا لأن تلك الثقوب ميكروسكوبية فهي لا تصدر حقًا أي إشعاعٍ بسبب ضآلة حجمها.
احتمال جدير بالذكر…ولكن إن أردت رأيي ففرضية الثقوب البيضاء أكثر إثارة من أن تكون (فقط) مكونات ميكروسكوبية خفية.

والآن ماذا عن النظرية الثانية؟ قبل أن نتحدث عن الفرضيات التي أنشأتها على أن أوضح شيئًا بسرعة.
في هذه النظرية نحن نلتزم بتعريف الثقب الأبيض كـ«المعاكس الزمني للثقب الأسود» حيث أنه يعد «الجانب الآخر» من ذلك النفق الواصل بينهما، ومن المنطقي أن كل ما يسقط في الثقب الأسود ينتهي به الأمر بالخروج من الثقب الأبيض.

ألم تلاحظ وجود مشاكل في فيزياء هذا الوصف تحديدًا؟ فكر معي، الثقوب البيضاء بطبيعتها هي المعاكس الزمني للثقوب السوداء، هذا يعني أنه أيا كانت النظرية التي توقعت وجودها فهي تقول أن الزمن يمكنه الجريان في الاتجاه المعاكس للاتجاه الطبيعي لسريانه في كوننا وهو إلى الأمام. هذا بالفعل ما تخبرنا به النسبية العامة، إذا استطاع شيء أن يحدث أثناء جريان الزمن إلى الأمام، فينبغي له أن يكون قادرًا على الحدوث أثناء جريان الزمن إلى الوراء أيضًا، إذا فبناء كيان كالثقب الأبيض منطقي بالنسبية العامة، نحن نعلم ذلك بالفعل .ولكن ماذا عن نصف الفيزياء الآخر، ماذا عن ميكانيكا الكم؟
أتذكر حين تحدثنا عن القانون الثاني للديناميكا الحرارية؟ «الكون يعمل في اتجاه واحد وهو اتجاه زيادة الإنتروبي ولا يمكن للإنتروبي أن تتناقص»؟ نعلم أن الثقوب السوداء تعمل على زيادة الإنتروبي، وأن الثقوب البيضاء تعمل في عكس اتجاه الثقوب السوداء، وبالتالي عكس اتجاه الكون بأكمله، اتجاه تناقص الإنتروبي.
هذا القانون يحدد اتجاه جريان الزمن في الكون، وبالتالي إن أردت عكس اتجاه جريان الزمن عليك أن تكسر القانون. إذا أردت بناء ثقب أبيض عليك أن تنقص الإنتروبي.

إذا، هل هذا يعني أنه من المستحيل أن يتكون ثقب أبيض جديد الآن مثلًا؟ ليس بالضبط.

نظريًا تناقص الإنتروبي ممكن بطريقة ما. كما ترى، الإنتروبي ظاهرة إحصائية. انخفاضات نادرة للغاية في الإنتروبي تحدث بالفعل طالما تزداد الإنتروبي على الصعيد العالمي. يشبه الأمر موضوع إشعاع هوكينج حين قلنا أنه من الممكن أن يتسبب الإشعاع في تناقص حجم أفق الحدث وبالتالي تناقص الإنتروبي الخاصة بالثقب الأسود طالما أن هذا الإشعاع بذاته يعوض ذلك التناقص بزيادة الإنتروبي الخاصة بالكون الخارجي بأكمله.
إذا ليس من المستحيل أن تناقصًا نادرًا في الإنتروبي قد يتسبب في إنعكاس فعال في الزمن مسببًا تكون ثقب أبيض. ولكن بالطبع كيان كهذا لن يكون مستقرًا على الإطلاق، المتوقع أنها ستنفجر تلقائيًا في انفجار عظيم بمجرد أن يستعيد الزمن والإنتروبي اتجاها سريانهما الطبيعي. قد تذكرك هذه الفكرة بشيئين.

الأول وهو GRB 060614. انفجار عظيم لثاونٍ قليلة ثم يختفي مصدره تمامًا؟ ربما…

أما الثاني وهنا نعود لموضوعنا عن فرضيات النظرية الثانية، الانفجار العظيم! لا أقصد أي انفجار عظيم بل الانفجار العظيم، نشأة الكون!
عليك أن تعترف، الفكرتان متشابهتان إلى حد كبير. تدفق متمدد للزمكان محتوٍ على كمية هائلة من الطاقة والانفجار نفسه لا يمكن العبور خلاله فهو بالطبع، في الماضي. الفرق الوحيد بينهما هو أن الانفجار العظيم لا يحتوي على أي مفردة فقد حدث في كل مكان في نفس الوقت. هذا نصل لفرضيتنا التي تقول أن كوننا قد يكون تكون في الأصل نتيجة ثقب أبيض.

يمكننا النظر لهذه الفرضية بشكل آخر، ولادة كوننا في الأصل كانت في ثقب أسود أما ظهوره إلى النور فكان عن طريق ثقب أبيض.
أين يوجد هذا الثقب الأسود؟ في كون آخر.
هنا ننظر لكوننا على أنه جزء صغير من كون آخر، وكلا الكونين هما جزءان من نظام عملاق يفوق الخيال، الكون المتعدد (The Multiverse). شخصيًا أرى هذا الإحتمال مصدقًا لحد كبير، فحتى وإن كنا نعلم أن الكون نشأ نتيجة إنفجار عظيم فنحن قطعًا لا نعلم سبب هذا الانفجار من الأساس. بالاضافة إلى النظريات العديدة التي ترجح كوننا فعلًا جزءًا صغيرًا من نظام واسع وهو الكون المتعدد وأن هناك العديد من الأكوان الأخرى في عالمنا. آخر من تحدث عن هذا الأمر كان ستيفن هوكينج في آخر بحث له الذي نُشر قبل وفاته باسبوعين تقريبًا، ملخصه هو أننا نعيش في كون واحد في وسط العديد من الأكوان المفصولة عن بعضها بمساحات هائلة.
في النهاية، من يدري…؟

وهنا يتبقى شيء أخير قبل انتهاء دور الثقوب البيضاء معنا، قلنا أن هناك احتمالية وجود نفق ما يصل بين الثقبين الأبيض والأسود.
ما رأيك أن نطلق على هذا النفق جسرًا بدلًا من نفق، جسر أينشتاين-روزين (Einstein-Rosen Bridge) مثلًا. أو كما يعرفه البعض، الثقب الدودي.
هذا هو موضوع الأجزاء القادمة.

إعداد: كريم خالد.

مراجعه : أسماء مسعود

تحرير: هدير جابر.

المصادر:

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي