ما الفرق بين السعي للكمال وبين الوسواس القهري؟

ما الفرق بين السعي للكمال وبين الوسواس القهري؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin

 

اضطرابات الشخصيّة هي أنماط غير طبيعيّة متأصّلة في السلوك وتحيد عن معايير المجتمع. فالصعوبة في المهارات الشخصيّة، وعدم السيطرة على الدافع والإدراك هي الصفات الأساسيّة المحدّدة في الفرد مع اضطرابات الشخصيّة. ولا تختلف صفات اضطراب الشخصيّة الوسواسيّة عن ذلك.

وفُصِل اضطراب الوسواس القهري (OCD) في الطبعة الخامسة من الدليل التشخيصيّ والإحصائيّ للاضطرابات العقليّة عن اضطرابات القلق (والتي يُقترح أنّها عبارة عن مشاكل في المعالجة العاطفيّة) ووضعه في تصنيف خاصّ يضمّ الوسواس القهريّ والاضطرابات المرتبطة به (OCRDs)، والتي تشمل اضطراب الاكتناز (Hoarding disorder)، اضطراب تشوّه الجسم (Body dysmorphic disorder)، اضطراب كشط الجلد النفسيّ (Excoriation disorder)، وأخيرًا اضطراب نتف الشعر (Trichotillomania)، فتتشارك هذه الاضطرابات (OCRDs) في المشاعر المؤلمة بما في ذلك القلق، والسلوك القهريّ، والأفكار المتكررة، والمُعتقدات المختلّة، والتي تختلف مع كل اضطراب، فبالتالي لكل هذه الاضطرابات خصائصها وصفاتها الفريدة، تتشارك أيضًا مجموعة اضطرابات (OCRDs) في الكيمياء الدماغيّة والمسارات المُخَطَّطَة الأماميّة العاجزة (Malfunctioning frontal striatal pathways)، بما في ذلك تلك التي تربط النَّواتين الذَّنَبِيَّة و البَطامَة (Caudate and Putamen nuclei) إلى القشرة الدماغيّة، والتي بدورها تعتبر مسارًا مهمًّا يدعم الأداء التنفيذيّ (Executive functioning).

وكشفت تحاليل البيانات التوضيحيّة لتقييم الأداء التنفيذيّ (EF) في 110 دراسة سابقة أن المصابين باضطراب الوسواس القهريّ يعانون من العجز في المهام التي تقيس معظم جوانب الأداء التنفيذيّ، مثل: التثبيط أو الكبح، المرونة المعرفيّة أو الإدراكيّة، والقدرة على الانتقال والتبديل بين المهام. قد تؤدّي العديد من خصائص الوسواس القهريّ إلى انخفاض الأداء التنفيذيّ، خاصّةً الأفكار القهريّة المستمرة والتي عادةً ما تكون مُفرِطة وغير عقلانيّة، فضلًا عن السلوكيات المُتكرّرة مثل: الفحص والعدّ والغسيل والتنظيف والتنظيم والصلاة.

العناوين المُضلّلة

يتم استخدام مصطلح اضطراب الوسواس القهري (OCD) بشكل روتينيّ في المحادثات غير الرسميّة لتسمية شخص مفصّلًا للغاية في مهامه المحدّدة أو أنشطته اليوميّة، فنحن جميعًا لدينا خصوصيّات غريبة مثل: تنظيم الخزانة حسب اللون والنمط، أو رفض لمس باب الحمام في الأماكن العامّة، ولكن لا ينبغي الخلط بين هذه العادات وبين اضطراب الوسواس القهريّ، فغالبًا ما يُساء فهم الوسواس القهريّ على أنّه اضطراب أن تكون شخص مثاليًا أو مُفصّلًا بإفراط. في الواقع يكون الوسواس القهري مُنهكًا للأفراد المصابين به، على سبيل المثال يلجأ هؤلاء الاشخاص إلى غسل أيديهم بشكل متكرّر حتى ينزفوا والاستمرار في ذلك دون فهم السبب.

عادةً ما تبدأ اعراض الوسواس القهريّ في الظهور قبل سن 25، ويؤثر الاضطراب على ما يقرب من 1 إلى 3 في المئة من السكان، والذي يُشخص غالبًا بالأفكار الوسواسيّة -لكن ليس دائمًا-، وترتبط مباشرة مع الأفعال القهريّة ما عدا التوقيت، فهذه الحالة هي أكثر من مجرد التنظيف المُفرِط، فالأفكار الوسواسيّة نابعة من داخل المرء في المقام الأول، مجافية للأنا، ومؤلمة للأفراد لأنها تتدخل بشكل كبير وسلبيّ في أنشطتهم اليوميّة. وتتركز أفكار الوسواس على النظام، والنظافة والتماثل والشك في أفكار المرء وتصوراته، التعسّف أو الأفكار الجنسيّة غير المرغوب بها، فالمرضى بالوسواس القهريّ لا يكونون قادرين على وقف هذه الأفكار أو الانتقال إلى أفكار أخرى حتى تختفي الأفكار الوسواسيّة أو تتوقف بالأفعال القهريّة، والذي يمثل حلقة مفرغة من هذه التصرفات التي تتكرر مرارًا وتكرارًا.

فيمكن أن يصاحب الوسواس القهريّ اضطرابات نفسيّة أو عقليّة أخرى مثل: اضطراب الذعر، القلق الاجتماعيّ، القلق العام، اضطراب ثنائي القطب، اضطرابات تعاطي المخدّرات، اضطراب فرط الحركة وقصور الانتباه…إلخ.

ويمكن الخلط في التشخيص بين اضطراب الوسواس القهريّ اضطراب ثنائي القطب، حيت أن الأفكار المتسارعة التي غالبًا ما تلاحظ في اضطراب ثنائي القطب، هي في الواقع أفكار متكرّرة بسبب الوسواس القهريّ. فتقلب المزاج والاكتئاب نتيجة اضطراب ثنائي القطب هي مجرد استجابة المرضى اليائسة من عدم وجود القدرة على أفكارهم الوسواسيّة ، وأيضًا الشعور بأنهم على حافّة الجنون. فالعديد من المصابون بالوسواس القهريّ يفضّلون عدم إخبار أي شخص بما في ذلك أطبائهم عمّا يمرون به خوفًا من فقدان وظائفهم أو علاقاتهم أو حتى أن ينتهى بهم المطاف في مَشفى نفسّيّ. لكن بعض الاضطرابات مثل الاكتئاب واضطراب تشوّه الجسم  واضطراب نتف الشعر عادةً ما تكون مصاحبة للوسواس القهريّ.

اضطراب الشخصيّة الوسواسيّة (OCPD)

يتمّ الخلط غالبًا بين اضطراب الشخصيّة الوسواسيّة (OCPD) وبين الوسواس القهريّ (OCD)، ولكن هناك اختلافات كبيرة قد تكون غير معروفة لعامّة الجمهور. فيتصف اضطراب الشخصيّة الوسواسيّة بالأفكار والعادات الأنانيّة المقبولة من الذات، ممّا يعني أن الشخص لا تزعجه هذه الأفكار ولا تمنعه من فعل الأنشطة اليوميّة كما في حالة الوسواس القهريّ، بل لا يعتقد هذا الشخص أن هذه الأفكار لا عقلانيّة أو غير طبيعية على الإطلاق، فهذه الأفكار تكون محبّبة لدى المصابين لاضطراب الشخصيّة الوسواسيّة، حيث يُمكننا وصف المصابين بال OCPD بأنّهم ساعين للكمال والمثاليّة، أو كأشخاص يُولّون اهتمامًا مُفرِطًا بالتفاصيل، والذي ينتج عنه عدم التوازن بين العمل الحياة الشخصيّة والصلابة والعناد، والانشغال بالمهام والقوائم، الأمر الذي يمنع الشخص من إنجاز المهمة التي بين يديه بسبب فقدان القدرة على النظر للصورة العامّة.

وبشكل عام، لا يعتقد المصابون باضطراب الشخصيّة الوسواسيّة (OCPD) أن لديهم مشكلة، في حين يدرك المصابون بالوسواس القهريّ (OCD) بأن أفكارهم وأفعالهم غير طبيعيّة وغير عقلانيّة.

وعلاج الوسواس القهريّ والشخصيّة الوسواسيّة متماثل، فكلاهما يتطلب العلاج النفسيّ. وقد يختلف الوسواس القهريّ بأنه يعالج أيضًا بمضادّات الاكتئاب ومثبّطات السيروتونين الانتقائيّة على وجه التحديد (SSRIs)، وقد تستدعي الحاجة إلى أدوية أخرى، فما بين 40 إلى 60 في المائة من مرضى الوسواس القهريّ لا يستجيبون بشكل كافٍ لعلاج ال SSRIs أو تجارب كلوميبرامين (clomipramine trials)، وبالتالي فإضافة مضادّات الذهان الدبامينيّة غير النمطيّة (dopaminergic atypical antipsychotic medication) قد تُحسّن النتيجة، حيث تشير الدراسات مع aripiprazole إلى أن الوسواس القهريّ قد يكون نتيجة لعدم التوازن بين مسارات الدوبامين والسيروتونين، حيث aripiprazole لا يمنع فقط  تحرير الدوبامين، ولكن ينظم السيروتونين، وفقًا للدراسات المنشورة في علم الأدوية النفسيّة ومجلة علم الأدوية النفسيّة الإكلينيكيّة.

وفي المرة القادمة عندما تسمع الناس يقولون أنهم مرضى بالوسواس القهريّ لمجرد التخطيط لحدث أو حتى الحفاظ على منازلهم نظيفة، فكر كيف يختلف وصفهم عن التعريف التشخيصيّ للوسواس القهريّ، فالمفردات تهمّ.