النّوافير ما بين الفن والتَّاريخ (الجزء 1: النّوافير في العصور القديمة)

النّوافير بين الفن والتَّاريخ (الجزء 1: النّوافير في العصور القديمة)

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
منذُ فجر التاريخ والإنسان يبحثُ عن الجمالِ في كل ما حوله وكان هذا الجمال مُستمَدًّا بشكل أساسيِّ من الطبيعة المحيطة، وكانت عناصرُ الطبيعة من ماءِ وهواءِ وأشجارِ وغيرها، تبعث الهدوء والراحه النفسيَّة على الإنسان. ومن هنا بدأ ظهور النّوافير لاستغلال المياه ولتجميل ما يحيط بالإنسان، فمنذ العصور القديمة ظهرت كجزء  جماليِّ أساسيِّ من الحدائق والقصور، وتنوَّعت أشكالُها والغاية الوظيفيَّة منها، ومع الوقت بدأ يتغير مفهومُها تَبَعًا لكلِّ حضارة؛ ولكنها بقيت جزءًا أساسيًّا يُعبّر عن الجمال المرتبط بالطبيعة والمُدمج فيها.

النّوافير ما بين الفَن والتَاريخ (الجزء 1: النّوافير في العصور القديمة)
classic garden fountain. https://www.pinterest.com/pin/633387436312370/

اختلفَ شكلُ النوافير قديمًا عن الشكل المُتعارف عليه في العصور الحديثة، فكانت بدايتها بِرَك لتربية طيور الزينة أو الأسماك ثُمَّ تطوَّرت لتصبح النافورة جُزءًا من قنوات مائيّة لإمداد المدن بالمياه أو كمصدر لتلطيف الجو من الحرارة الشديدة.

والنّافورة هي عبارة عن تحريك للمياه بطريقةٍ رأسيَّة أو أُفُقيَّة أو مُتدرِّجة أو في تركيباتٍ مائيَّة، وتُوضَع النَّوافير في حدائق القُصور أو في البيوت وفي الميادين العامة والأماكن المفتوحة والمتنزّهات لتجميلها بالإضافة للدور الذي تقوم به لتلطيف الجو، واستُخدِم في تصنيعها قديمًا الأحجار والرخام والفسيفساء والقيشاني، وحديثًا بدأ استخدام خاماتٍ مُختلِفة مثل: الحديد والألومنيوم والزجاج وغيرها. (1)

تاريخ النّوافير

ظهرت النّوافير بدايةً من العصر الفرعونيِّ ولكنها لم تكن بنفس الشَكْل المُتعارف عليه الآن، فهي كانت عبارةً عن بِرَك زُخرُفيّة وأحواضٍ متعدِّدة الأغْراض، منها ما هو للزِينةِ، أو لتربية الطيورِ المنزليَّة، أو كأحواضٍ لزراعة زهور اللوتس والبردي.

أما في العصور المَسيحيَّة فكانت النّوافير توضع في الفِناء الخارجيِّ للكنيسةِ أو الكاتدرائيَّةِ، وكانت تخلو من التكلُّف وتتسمُ بقلَّة الزخارف؛ حيث كانت تعدٌّ كرمزٍ للتطهُّر والنَقَاء.

وفي العصور الوُسْطَى انتشرت الأوْبئةُ والحروبُ، فلم يكن يهتم الناس بإقامة الحدائق العامة أو المُتنزّهات وبالتالي أصبحت النافورة مجرد بئرًا للتزوُّد بالمياه وكانت تُقام بالقربِ من الأنهارِ والقنواتِ.

على الجانب الآخر في الحضارةِ الإغريقيَّة، ارتبط وجود النّوافير بالعديد من الخُرافاتِ والأساطير التي كان ينسبُها الناسُ إليها، فلم تكن مجرد مصدرًا للتزوُّد بالماء؛ ولكنها ارتبطت بأساطير مثل القُدرةِ على الشِّفاء من الأمراض وغيرها، وكانت تُلحق بالحدائقِ العامةِ والمعابدِ، وبدأ التغيير في تشكيل النافورة حيث أُدخِلت أعمالُ النحتِ كجزءٍ أساسيٍّ من تكوين النافورة، وأصبح يُضاف إليها تماثيل أشخاصٍ أو حيواناتٍ أو آلهةٍ من الميثولوجيا الإغريقيِّة، كما أُضيفت الزَخارف إلى جسم النافورة. وبالتالي كان الغرضُ منها في الحضارة الإغريقية غرضًا جماليًّا أكثر منه وظيفيًّا.

النّوافير ما بين الفَن والتَاريخ (الجزء 1: النّوافير في العصور القديمة)
pallas athena fountain,vienna https://www.pinterest.com/pin/214624738463383933/

أمَّا في روما وفي بداية عصرِ النهضةِ وتحديدًا مابين القرنَيْن السادس عشر والثامن عشر، فكان التطوُّر في تصميم النّوافير وصلَ لقمَّته، فبالاستعانة بالنحت الإغريقيِّ والرومانيِّ أصبحت النّوافير تعبر عن البذخِ والثراءِ المُصاحِب لتلك الفترة، فتحوَّلت من مُجرد حوضٍ للمياه يتوسَّطه تمثالٌ كلاسيكيٌّ إلى عددٍ من الأحواض الدائريَّة او المُضلَّعة تتدرج رأسيًّا على عمودٍ ينتهي في أعلاه بقطعةٍ أو أكثر من قطعة من النحتِ المُنفَّذة خصيصًا للنّافورة، تتضمن مخارج للماء، كما استخدمت أنظمة ضخ معقَّدة يتحول فيها الماء الى شلَّالاتٍ واسعةٍ أو يوجّه في قنواتٍ للأسفل او للأعلى لتُشكِّل نوافير قويَّة.

وفي عصر الباروك أصبحت النّافورة عبارةَ عن تكويناتٍ من الأحواض والنحت الآدميِّ والحيوانيِّ والعروض المائيَّة المُتدفِّقة.

هذا بخلاف النّوافير المنحوتة داخل عقد في الحائط مع الزخارف المُستوحاةِ من الأمواج والأصْداف والرؤوس الآدميَّة والحيوانيَّة.

وتمتلئ أشهرُ المدنِ في العالَم مثل: روما وباريس وفيينا بالعديد من النّوافير التي يأتي إليها السيَّاح من جميعِ أنحاء العالم والتي تجتمعُ فيها عبقريَّةُ التصميمِ وجمالُ النحتِ معًا.

من أشهر تلك النّوافير: نوافير “قصر فيرساي بفرنسا”، ونافورة “الأنهار الأربعة” للنحَّات برنيني بروما، ونافورة “تريفي” بروما والتي تعدُّ من المَعالِم السياحيَّة الُمميَّزة للمدينةِ والتي يُطلق عليها  اسم “نافورة الأمنيات” ويقفُ بمنتصف النافورة تمثال نبتون الذي يُجسِّد آلهةَ البحرِ عند الرومان على عربةٍ يجرّها حصانانِ و مُحاطًا بعذراوات الأسطورة اللاتينيَّة الثلاث في رمزيةِ للخصوبةِ والنقاءِ، فيما ترمز البِركة إلى المحيطاتِ ودائرتُها البيضاء إلى الفصول الأربعة.

النّوافير ما بين الفَن والتَاريخ (الجزء 1: النّوافير في العصور القديمة)
trevi fountain, rome https://www.pinterest.com/pin/324259241910521748/
النّوافير ما بين الفَن والتَاريخ (الجزء 1: النّوافير في العصور القديمة)
https://www.pinterest.com/pin/2814818493571780/
النّوافير ما بين الفَن والتَاريخ (الجزء 1: النّوافير في العصور القديمة)
Paris France | Place de la Concorde Fountain Detail https://www.pinterest.com/pin/2814818493571780/

النّوافير في العصور الإسلاميَّة

أمّا الحضارة الإسلامية فقد اختلفت تمامًا عن الحضارات الأوروبيَّة، حيث كانت الحدائق جزءًا من نمط العمارة الإسلاميَّة التي تهتمُ بالداخلِ والراحةِ النفسيَّة أكثر من اهتمامِها بالخارج، فهي لم تكن تميلُ لاستعراض البذخِ والترفِ، ومفهوم الإسراف كان مكروهًا في الإسلام، كما لا توجد تماثيل لأشخاصٍ تحيط بالنّافورة كما في الحضارات الأخرى، وبالتالي كانت الغايةُ من وجودِ النّوافير بجانب الاستمتاع الروحيِّ والحسيِّ، غايةً وظيفيَّةً بحت.

فكان يتم تصميمها  غالبًا في مُعظم العصور الإسلاميَّة على شكل حَوْضٍ غائرٍ في الأرض، أو يعلوها بارتفاع بسيط، ويتضمَّن الحوضُ إمّا انبثاقًا مائيًّا مفردًا أو طبقًا أصغر يندفع منه الماء ليتساقط في الحوضِ الرئيسيِّ، أو عنصرًا نحتيًّا بسيطًا يتضمن عددًا من مخارج المياه، وكانت النّوافير تختلف وظيفَتها باختلاف المكان الموجودة فيه، فكانت نوافير الوضوء تتوسَّط أفنية المساجد، ونوافير الشربِ العامة (الأسبلة) تقام بالأركانِ الخارجيَّة للمساجد، وهناك أنواعٌ من النوافير مُخصَّصة للوضوءِ وأخرى غير مُخصَّصة للوضوء وقد وُجدت في القاهرة بمباني الوكالات (مثل وكالة الغوري) من أجل الاستمتاع البصري ِّوالسمعيِّ وكبؤرةِ جذبٍ داخل الفَراغِ.

النّوافير ما بين الفَن والتَاريخ (الجزء 1: النّوافير في العصور القديمة)
islamic fountain. https://www.pinterest.com/pin/207306389077055568/

وفي البيوتِ العربيَّةِ، وتحديدًا في بلاد الشام والمغرب العربيِّ، كانت النّوافير علامةً مُميَّزةً من مِعمار البيوت الإسلاميَّة في تلك الفترة، فكانت تُوضع في وَسط الفِناء بحيث تُطلُّ عليها قاعاتُ الجلوسِ، وكانت النّافورة على شكلٍ رمزيٍّ يتكوَّن من مُربّع محيطه الداخليِّ ثمانيّ او سداسيّ الشكل، وتتميَّز بزخرفتها وألوانِها الزاهيةِ.

النّوافير ما بين الفَن والتَاريخ (الجزء 1: النّوافير في العصور القديمة)
https://www.pinterest.com/pin/207306389077055568/

ومن المُميَّز في تصميمِ النّوافير الإسلاميَّة استخدام الفُسَيْفِسَاءِ سواء داخلها أو خارجها ويحيطُ بها الزهور والأشجار،

النّوافير ما بين الفَن والتَاريخ (الجزء 1: النّوافير في العصور القديمة)
نافورة جدارية للوضوء على الطراز الإسلامي. https://www.pinterest.com/pin/565201821957669472/

وفي إيران احتلَّت النّافورة مكانتها من حيثُ كونِها عنصرًا مركزيًّا في وسط المدينة ينبع منها أربع قنواتٍ رئيسيَّةٍ، تمثلُ الرَوَافد الأربعة للنهر الذي يجري في جنَّة عدْن، وكانت تُستخدم بكثرةٍ في القصورِ والحدائقِ العامَّةِ، وتكون عبارة عن مصدر إمداد الحدائق بالماء أو للوضوء في المساجد، كما تنوَّعت أشكالُها وأحجامُها باختلاف مكانِها والغرضِ منها.

ومن أشهر النّوافير في الحضارة الإسلامية تلك الموجودة في “الأندلس في قصر الحمراء” وهي “نافورة السباع”وتتكوَّن النّافورة من صحنٍ يحملُ اثنى عشر أسدًا يخرجُ الماءُ من أفواهِها، ويُذكرُ أن هذه النّافورة كانت ساعةً، يخرج الماء عند الساعة الواحدة من فمِ أسدٍ واحدٍ، ثم عند الثانية من فمِ أسدَيْن، وهكذا عند الساعة الثالثةِ والرابعةِ إلى أن يخرج الماء من أفواه جميع الأسود عند الساعة الثانيةَ عشرةَ؛ ولكن هذا النظام تعطَّل حين سقطت الأندلس، وحاول الإسبان معرفةَ نظامِها فأفسدوها. (3)

النّوافير ما بين الفَن والتَاريخ (الجزء 1: النّوافير في العصور القديمة)
نافورة السباع، الأندلس https://www.pinterest.com/pin/278378820702038274/

 

باختلاف العصور والحضارات ظَلَّ وجود النّوافير جزءًا أساسيًّا من جماليَّات الأماكن العامَّة والمُغلقةِ على حدٍ سواء، تمد الإنسانَ بقيمةٍ جماليَّةٍ وحسيَّةٍ تجعله يرتبطُ بالطبيعة وتُعطيه الإحساسَ بالسلامِ والهدوءِ النفسيِّ الذي يجعله قادرًا على الإحساسِ بالجمالِ في صوتِ وحركةِ المياه وفي الطبيعةِ من حولِه.